في مسرحية (أوديب ملكًا) للكاتب اليوناني سوفوكليس، حيث يحكم أوديب مدينة طيبة المسالمة ويواجه وباءً خطيرًا أصاب أهلها، ويقال له إن خلاص المدينة لن يكون إلا بكشف قاتل الملك السابق، وبصفته أوديب (حاكمًا) يستطيع وبكل سهولة أن يغلق القضية أو يحمي أصحاب النفوذ المتورطين فيها، لكنه يرفض ذلك ويعلن أن الحقيقة يجب أن تظهر مهما كان صاحبها.
يبدأ التحقيق ويسأل الشهود ويلاحق الأدلة بلا تردد، ومع تقدم التحقيق تظهر حقيقة صادمة بأن القاتل الذي يبحث عنه هو نفسه (أوديب)، والذي كان بإمكانه أن يستخدم سلطته ونفوذه لإخفاء الحقيقة وحماية عرشه، لكنه لم يفعل؛ لأن الحقيقة عنده كانت فوق السلطة والمصلحة الشخصية.
وهنا تكمن قيمة القصة، حيث إن نزاهة المسؤول تختبر عندما تصبح الحقيقة ضده، لا عندما تكون مصلحته. وتضعه أمام الاختبار الصعب والسؤال الأزلي: هل يكون متمسكًا بالسلطة أم يكون متمسكًا بالمبدأ؟
وفي بلدنا، حيث تتعالى أصوات الشعب (غير المدفوعة من أجندات خارجية أو إرهابية) مطالبة بمسؤول نزيه نظيف اليد، أن لا تكون النزاهة عنده شعارًا يرفع في المناسبات ومواسم الانتخابات، ولا هي كلمة تكتب في السيرة الذاتية والمقالات، وإنما هي سلوك يومي يبدأ من لحظة وصوله إلى المنصب؛ لأن المسؤول النزيه هو الذي ينظر إلى المال العام على أنه أمانة في عنقه، وليس فرصة لتحسين وضعه الشخصي، ولا يُحول منصبه إلى باب للمنافع والمغانم، ولا يجعل من أقاربه وأصدقائه وبطانته طريقًا للالتفاف على القانون حتى يتم الاستفادة الشخصية لهم من موقعه في المسؤولية.
ليس المطلوب من المسؤول أن يكون فقيرًا، ولا أن يتخلى عن حقوقه القانونية والمالية، وإنما المطلوب أن يميز بوضوح بين المال الذي يستحقه بحكم القانون والمال الذي يحصل عليه بسبب منصبه وبالطرق غير الشرعية.
إن المسؤول الذي يرفض الرشوة ويرفض سرقة المال العام ولا يستغل منصبه لمصلحة عائلته أو حزبه والمقربين منه، قد يبدو أحيانًا غريبًا في بيئة اعتادت التسويات والمجاملات، لكنه في الحقيقة هو المسؤول الذي يحفظ هيبة الدولة ويفرض احترامه على ذاته شخصيًا والمحيطين به.
لقد أخطأ أوديب (في قصته) حين اكتشف في النهاية أن الحقيقة التي كان يبحث عنها كانت مرتبطة به، لكن عظمة قصته تكمن في أنه لم يتوقف عن البحث عنها عندما أصبحت مؤلمة وتمسه شخصيًا.
فيا أخي المسؤول، ابحث عن الحقيقة حتى لو كانت ضدك، وكن مثل أوديب ملكًا؛ لأنك لا تقل عنه شرفًا، واحمِ المال العام حتى لو لم يكن لك فيه نصيب، وابتعد عن الرشوة والفساد الإداري حتى لو أصبحت طريقًا سهلًا معبدًا لك بالورود؛ لأن المنصب ينتهي وتزال عنه يومًا ما، والمال يذهب، أما سيرة الإنسان فتبقى.
ولهذا تبقى مأساة أوديب درسًا خالدًا في أن نظافة يد المسؤول لا تعني فقط ألا يسرق المال، بل ألا يستخدم نفوذه وسلطته لحماية نفسه وبطانته من الحقيقة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يوظف المقال مأساة أوديب بوصفها مرآة أخلاقية لاختبار نزاهة المسؤول حين تصبح الحقيقة في مواجهته، لا حين تخدم مصالحه. وينقل الفكرة من المسرح القديم إلى واقع الإدارة والمال العام، مؤكدًا أن النزاهة ليست امتناعًا عن الرشوة فحسب، بل رفض استخدام السلطة لحماية الذات والمقربين. وتبرز قوة المقال في ربط بقاء السيرة بزوال المنصب والمال.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!