يشهد العالم منذ عقدين تحولًا لافتًا في طبيعة العلاقات الدولية. فبعد عقود كان الصراع فيها يدور حول الأفكار والمبادئ الكبرى، بدأت المصالح العملية والاعتبارات البراغماتية تتقدم إلى واجهة المشهد.
لم يعد السؤال الأساسي في العلاقات الدولية: ماذا نتفق عليه فكريًا؟ بل أصبح في كثير من الأحيان: ماذا نستطيع أن نقدم لبعضنا؟
لكن هذه القاعدة لا تنطبق بالدرجة نفسها على الشرق الأوسط. فالإيديولوجيا ما زالت حاضرة بقوة، بل إن بعض التحالفات الإقليمية لا تزال تحتاج إلى غطاء فكري أو عقائدي يمنحها الشرعية، حتى عندما تكون دوافعها الحقيقية أمنية أو اقتصادية.
لماذا بقيت الإيديولوجيا قوية؟
أول الأسباب هو هشاشة الدولة الوطنية في أجزاء واسعة من المنطقة. فقد تشكلت دول كثيرة خلال فترة زمنية قصيرة، وفي ظل حدود وترتيبات لم تكن دائمًا نتاج تطور اجتماعي وسياسي داخلي طويل. لذلك بقيت الهويات الدينية والمذهبية والقومية في أحيان كثيرة أقوى من الهوية الوطنية.
وحين تضعف رابطة المواطنة، يبحث الإنسان عن هوية تمنحه الشعور بالانتماء والحماية، وهنا تجد الإيديولوجيا مجالًا واسعًا للحضور.
السبب الثاني هو طبيعة الصراعات نفسها. فكثير من صراعات الشرق الأوسط لا يتعلق فقط بالنفوذ أو الأسواق أو الموارد، بل بأسئلة أكثر عمقًا: من يحكم؟ وما شكل الدولة؟ وما المرجعية التي ينبغي أن تحكم المجتمع؟
وعندما يتحول الصراع السياسي إلى قضية وجود، يصبح من الصعب على أي طرف أن يعلن ببساطة أن مصالحه هي التي دفعته إلى التحالف مع طرف آخر. لا بد من خطاب يمنح هذا التحالف شرعية أمام جمهوره.
أما السبب الثالث فهو استخدام القوى الخارجية للإيديولوجيا طوال القرن الماضي. فقد دعمت قوى دولية وإقليمية تيارات قومية ويسارية وإسلامية وليبرالية في مراحل مختلفة، وفقًا لحسابات مصالحها. وبذلك تحولت الإيديولوجيا أحيانًا من عقيدة سياسية إلى أداة في إدارة الصراع.
تحالفات مركبة
هذا لا يعني أن المصالح غائبة عن تحالفات المنطقة. على العكس، فإن كثيرًا من التحالفات الحالية تقوم في جوهرها على الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا.
لكن خصوصية الشرق الأوسط أن هذه المصالح غالبًا ما تحتاج إلى غلاف سياسي أو أيديولوجي.
قد يتحدث محور عن المقاومة والصمود، بينما تدور في الكواليس حسابات تتعلق بالطاقة والحدود والأمن.
وقد يتحدث محور آخر عن الاعتدال والتحديث، بينما تقف خلفه مصالح مرتبطة بالأمن والتكنولوجيا والاستثمار.
وقد يُرفع شعار التضامن القومي، فيما تكون الاتفاقيات التجارية والاقتصادية هي المحرك الحقيقي للتقارب.
وهنا تظهر طبيعة التحالفات الشرق أوسطية: مصلحية في جوهرها، وأيديولوجية في خطابها.
فالشعارات لا تصنع دائمًا التحالف، لكنها تساعد على تفسيره وتبريره أمام الجمهور.
هل تتراجع الإيديولوجيا؟
من السابق لأوانه الحديث عن نهاية الإيديولوجيا في الشرق الأوسط، لكن من الممكن ملاحظة تغير مهم في وظيفتها.
فأزمات الاقتصاد والمعيشة، ومشكلات المياه والطاقة، وتغير المناخ، والأمن السيبراني، كلها قضايا لا تعترف كثيرًا بالحدود الأيديولوجية. لا يمكن مواجهة الجفاف بالشعارات، ولا معالجة أزمة الكهرباء بالخطابات السياسية، ولا حماية البنية الرقمية للدولة بالمواقف العقائدية وحدها.
وهنا قد يكون الجيل الجديد عاملًا حاسمًا في إعادة تشكيل السياسة الإقليمية.
هذا الجيل أقل ارتباطًا بالشعارات الكبرى التي حكمت القرن الماضي، وأكثر اهتمامًا بما هو ملموس: العمل، والدخل، والتعليم، والتكنولوجيا، والسكن، وجودة الحياة.
لكن ذلك لا يعني أنه سيتخلى عن الإيديولوجيا تمامًا، بل ربما يعيد تعريفها.
فبدلًا من الإيديولوجيات الشاملة التي تفسر كل شيء، قد تظهر إيديولوجيات أكثر تخصصًا: إيديولوجيا التنمية، وإيديولوجيا التكنولوجيا، وإيديولوجيا البيئة، وحتى إيديولوجيا جودة الحياة.
وهذا تحول مهم؛ لأن السياسة عندما تنتقل من سؤال: من نحن؟ إلى سؤال: ماذا نستطيع أن نفعل؟ تصبح أكثر قدرة على بناء المصالح المشتركة.
من «من نحن؟» إلى «ماذا نفعل معًا؟»
العالم يتجه تدريجيًا نحو تحالفات لا يشترط أطرافها التطابق الفكري. وقد نرى دولًا تختلف في أنظمتها السياسية وأيديولوجياتها، لكنها تتعاون في الطاقة والدفاع والتجارة والتكنولوجيا.
أما الشرق الأوسط، فما زال يعيش مرحلة انتقالية بين عالمين: عالم التحالفات التي تحتاج إلى شرعية أيديولوجية، وعالم التحالفات التي تحكمها المصالح المباشرة.
لذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل ستختفي الإيديولوجيا؟
الأرجح أنها لن تختفي.
السؤال الأهم هو: هل ستتراجع قدرتها على منع التعاون؟
إذا حدث ذلك، فسنكون أمام تحول كبير في المنطقة؛ تحول ينتقل فيها مفهوم التحالف من البحث عن التطابق إلى البحث عن المصالح المشتركة.
لكن هذا الانتقال يحتاج إلى أكثر من الاتفاقيات السياسية. يحتاج إلى تعليم ينتج مواطنًا لا تابعًا، واقتصاد ينتج قيمة لا ريعًا، وخطاب سياسي يفصل بين المقدس وإدارة الدولة.
عندها فقط يمكن للواقعية السياسية أن تتقدم دون أن تتحول إلى انتهازية، ويمكن للمصالح أن تقود التحالفات دون أن تلغي المبادئ.
وربما يكون مستقبل الشرق الأوسط في النهاية معلقًا بين عبارتين:
«من نحن؟»
و
«ماذا نستطيع أن نفعل معًا؟»
وكلما اقتربت المنطقة من الثانية، اقتربت من سياسة أكثر واقعية وأقل ارتهانًا لصراعات الماضي.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقدم المقال قراءة متوازنة لتحول التحالفات في الشرق الأوسط من الارتباط الصارم بالأيديولوجيا إلى تغليب المصالح والأمن والاقتصاد، من دون إعلان نهاية الأفكار والهويات. وتبرز أهميته في التمييز بين الدافع الحقيقي للتحالف والخطاب المستخدم لمنحه الشرعية أمام الجمهور. كما تضع الخاتمة سؤالًا جوهريًا أمام المنطقة: هل تستطيع الانتقال من صراعات الهوية إلى بناء المصالح المشتركة من دون التخلي عن المبادئ؟


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!