كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هجرة الشباب العراقي... فرص مشروعة أم استدراج مجهول؟

يتزايد ومنذ أسابيع ، نشر الرسائل الإعلامية الداعية لهجرة شبابنا إلى خارج البلاد ، ويتم ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأبرزها قنوات You Tube  ، وتشترك اغلبها بذات الأسلوب في العرض والتقديم ، من خلال قيام بعض العراقيين المهاجرين ممن حصلوا على الإقامة الدائمة او الجنسيات ، برواية قصصهم من لحظة خروجهم من العراق لحين استقرارهم بلد المهجر ، وظهورهم ليس عفويا وإنما بهيئة ( فلوك ) محضر له بإتقان ، وحرفية تنم عن بذل جهود في الإعداد والتنفيذ وفي جودة الظهور ، وبعضهم يكتفي بمنشور واحد ، وآخرون يقومون بإنتاج سلسلة من المقاطع التي تحتوي درجة معقولة من الشد والتشويق ، وتتراوح فترة البث بين 15 30 دقيقة مما يعطي الانطباع بأنها بإخراج مسبوق بتخطيط وتنظيم وربما التمويل .
واغلبها او جميعها ، تروي حكايات خروجهم مسوغة بعدة أسباب ، فالبعض يقولون أنهم من ( ثوار ) تشرين الذين تعرضوا لضغوطات ، والبعض يرمي الأسباب إلى الطائفية ، وهناك من يرمي الكرة في ساحة الأحداث التي مرت بها  البلاد بعد سنة 2014  ،التي شهدت إحداثا مهمة  لبعض المناطق او المحافظات ، وكثيرا منهم يؤكدون  إن هجرتهم ، كانت رد فعل على حالة اليأس والبؤس التي عاشوها من البطالة وقلة الأعمال وضعف المردودات او عدم الاستقرار ، ومنهم طلاب و خريجون وأصحاب مهارات ، والقضية تبدأ من ( تركيا ) حيث سافروا إليها بمباركة وتمويل الأهل بحثا عن الأمن و الإعمال ، و بروايات اغلبهم  إنها محطة غير مناسبة لصعوبة او استحالة  الحصول على الأرزاق  ، وفيها استنزفوا اغلب ما يحملون من مال ، ولعدم رغبتهم في الرجوع للوطن وإعادة ما كانوا يعانوه ، اختاروا طريق الهجرة لأوروبا وكل الأرجاء  .
ولعدم امتلاكهم لسمات المرور والدخول لبقية البلدان ، فقد اضطروا لاتخاذ ( التهريب ) مسلكا في عبور الحدود ، وكانت وجهتهم الأقرب هي ( اليونان )  التي تتطلب عبورها بحرا ، وتم ذلك من قبل عصابات التهريب ، وفي محاولات العبور التي تتكرر ، تعرضوا للابتزاز والمخاطرة باستخدام وسائل نقل نهرية تفتقر لمتطلبات السلامة ، وتحشر فيها أعداد لضعف طاقات  التحميل  من حيث الفضاء والوزن ، ومنهم غرق ومات في البحر او عاد بعد نفاذ الأموال ، ومنهم القي القبض عليهم لمرة او مرات من خفر السواحل او غيرها من الجهات  ، والآلاف منهم وصلوا لوجهتهم الأولى ، ومنها أعادوا المحاولات  في تغيير مسارهم إلى حيث كانوا يحلمون او يلاقون القبول  ، فمروا او استقروا في بلدان عديدة ، بحسب الاجتهاد   او الحيل التي ابتكروها للعبور برا سيرا على الأقدام ، او بالقطار باستغفال السلطات في عبور حدود  البلدان .
والمتحدثون ، يصفون  حالهم الآن بأنه  باستقرار نفسي ومادي ، بعد أن توفرت لهم الأعمال وإكمال الدراسة او دورات اللغة والتدريب ، ومنهم استقروا عائليا من الزواج من الجنسيات او التحقت بهم عوائلهم العراقية من خلال ( لم الشمل ) ، ويتفقون جميعا في أنهم يعيشون الحلم وفرحين بعد مغادرة ( كابوس ) العراق دون رجعة ، كما أنهم يشيدون بالبلدان  التي لجاوا إليها ، لما وجدوه من دعم  وإسناد لحين الاندماج بالعمل والحياة ، والغريب إن بعضهم يتنكرون بالتمام   لبلدهم الذي ولدوا به ، و لايزال يحوي جذورهم و أهلهم ، ويبالغ البعض في اعرض  ويطرحون تساؤلات للشباب ، عن أسباب بقاءهم بالعراق ، ويدعوهم بشكل صريح للهجرة والبدء من جديد في دول الغرب والشرق  ، لما  تتوافر بها من  فرص الأمل والعمل  والحياة .
والرسائل التي ينقلها هؤلاء ، ليس غاياتها الحصول على الإعجاب ( اللايك ) او الاشتراك في القناة او كثرة التعليقات ، وإنما الدعوة المباشرة والصريحة لشباب العراق للهجرة وترك البلاد ، وهي دعوة تقترن برسم خارطة لإتباعها ، تبدأ من تعلم اللغة في المراكز والمعاهد ( اون لاين ) ، وفي طريقة المراسلة وتعبئة الاستمارات ، وكيفية الحصول على الفرصة ( المؤكدة )  لقبول الإقامة ، تحت غطاء الدراسة او العمل او لأسباب  تتعلق بالضغط والاضطهاد ، وتتم دعوة الشباب لاستخدام  طريق السفر الرسمي وليس التهريب مادام السفر متاحا للجميع ، متعهدين بتقديم تسهيلات في الحجز والسفر بالحصول على الفيز بالتوصيات من الملحقيات والسفارات ، مع الإشارة لإبداء التعاون الفردي من خلال الاتصال بهم او بالجمعيات لتامين أمورهم لحين الاستقرار ، مشيرين لوجود منح ومساعدات يمكن أن تؤمن الأمل والأمان في بداية المشوار .
وفي كل المرات التي نشاهد فيه تلك الفيديوهات ،  نحاول إن نجد تخريجا لدوافعهم  خارج ( نظرية المؤامرة ) ،   بافتراض براءتهم  من الأمور المغرضة غير الوطنية ، ولكن الطريقة التي ينتقدون فيها بلدهم وبعضهم يتمادون في الوصف  ، تجعل الشك يتسرب إلى نواياهم ، وبالذات من  يؤكدون لضرورة التخلي عن شعارات الاجتماعية  والوطنية والعيش بكرامة  بمجرد الوصول ، ناصحين إياهم في الانعزال عن اقرأنهم من العراقيين والتركيز على العمل والاستقرار ، ورغم إن بعضهم يعلن انه بتقاضي أموالا عن ما يقدمه من خدمات من خلال الاتصال على حساب ( الانستكرام ) ، إلا إن بعضهم يقدم خدمات مجانية دون مقابل ، رغم انه يجهرون إن مهمتهم  مع المستجيب ستنتهي عند الوصول ، وعدم رغبتهم في تكوين علاقات وصداقات ،لان وقت الإنسان في المهجر ، موزع بين العمل والدراسة وبحدود ضيقة من الفراغات وإضاعة الوقت .
البعض من سيقرؤون هذه السطور ، ربما يعتقدون انه  قطع الخير عن الشباب ، لان هجرتهم ستكون  موجهة وميسرة ومحسوبة وخالية من الإخطار ، وإنا لسنا ضد حصول الشاب العراقي على فرص عمل بكرامة  خارج البلاد ، نحن ضد أن تكون الهجرة عشوائية ، مجهولة المصدر ، وغير محمية الحقوق  ، و سبق اقتراحنا من هذا الموقع ، بمعالجة جزء من البطالة بفرص عمل عالمية ، ولكن بشروط تنظيم  مؤسساتية وضمان الرجوع  ، وان تكون العقود معروفة المديات ، حرصا على مواردنا البشرية من الضياع ،   فالحرص والحذر مطلوبان ، لأنه من غير الصواب  تشجيع الشباب على فرص مجهولة الغايات ،  والبحث عن الفرص مطلوب ، ولكن اصطياد الشباب ليكونوا في أسوا وأصعب الأعمال ، او لأغراض التجنيد او سواها من النوايا والغايات مرفوض ، ويجب أن تكون مثل هذه الأمور تحت أعين الجهات المعنية ، لا لغرض التجسس وإنما التمييز والتبصير  بين الخطأ والصواب ، فالمستهدفين هم من أعلى الثروات ، حتى وان كان بلدنا يمر بما يمر به من ظروف ، وتلك الأمور يجب أن تكون محفزا ( للوطنيين ) لإيجاد معالجات للشباب  .

✦ كتابات في الميزان ✦

ينبّه المقال إلى تصاعد المحتوى الرقمي الذي يقدّم الهجرة للشباب العراقي بوصفها طريقًا مضمونًا للخلاص، من دون إظهار جميع المخاطر والتعقيدات. وهو لا يعارض حق الشباب في العمل والدراسة خارج البلاد، بل يدعو إلى تنظيم الهجرة وضمان الحقوق ومعرفة الجهات التي تقدم العروض. وتكمن أهمية الطرح في التحذير من الترويج العاطفي للهجرة غير الآمنة، مع ضرورة عدم تحويل الشكوك المتعلقة بالتمويل أو التجنيد إلى اتهامات مؤكدة من دون أدلة موثقة.

15288.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!