كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

التجارة الإلكترونية بين النمو المتسارع وثغرات الحماية التي تهدد ثقة المستهلك

 التجارة الإلكترونية تواصل توسعها بوتيرة متسارعة في العراق مدفوعة بالتحول الرقمي وانتشار الهواتف الذكية، إلا أن هذا النمو يصطدم بتحديات تتعلق بالصفحات الوهمية وضعف الضمانات القانونية وغياب سياسات واضحة للاستبدال والإرجاع، ما يضع ثقة المستهلك أمام اختبار حقيقي ويعزز الحاجة إلى تنظيم أكثر فاعلية.

ورغم ما وفّره هذا التحول من خيارات واسعة للمستهلكين، وساهم في خلق فرص عمل جديدة لشركات التوصيل، إلا انه في المقابل برزت تحديات تتعلق بمدى ضمان جودة المنتجات، وانتشار الصفحات الوهمية، وضعف الضمانات القانونية، ما جعل ثقة المستهلك على المحك.

وخلال السنوات الأخيرة ظهرت مئات الصفحات والمتاجر الإلكترونية التي تعرض مختلف السلع، ويعتمد معظمها على نظام “الدفع عند الاستلام”، وهو ما شجع شريحة واسعة من المواطنين على خوض تجربة الشراء الإلكتروني دون الحاجة إلى بطاقات مصرفية أو وسائل دفع إلكترونية.

ورغم الإقبال المتزايد على الشراء من تلك المتاجر، إلا أن كثيرين من المتسوقين يؤكدون أن التجربة لا تخلو من المخاطر. إذ يصل المنتج في أحيان كثيرة مختلفاً عمّا في الصور أو عن المواصفات التي تم الاتفاق عليها، فيما يختفي بعض صفحات البيع بعد إتمام عملية التسليم، لتبقى الخسارة على عاتق المشتري، أو عامل التوصيل.

وبين وقوع الزبون ضحية الصفحات الوهمية، تبرز معاناة أصحاب التوصيل الذين لا حول لهم ولا قوة، بسبب رفض الزبائن استلام الطلب وعدم منحهم أجور النقل، فيما إذا كان غير متطابق مع ما جرى الاتفاق عليه.
صفحات تُغلق بعد البيع!

تقول الموظفة الحكومية أسماء علي أنها باتت تعتمد في غالب الأحيان على التسوق الإلكتروني لتوفير الوقت والجهد، لكنها لا تتعامل إلا مع الصفحات التي تمتلك سمعة جيدة وتقييماً مرتفعاً من الزبائن.

وتوضح أن تجربتها السابقة مع استلام منتج أقل جودة من المعلن عنه دفعتها إلى توخي الحذر قبل إتمام أي عملية شراء، مشيرة إلى أن غياب آليات واضحة لاسترجاع المنتجات غير المتطابقة مع المتفق عليها، يقلل من ثقة المواطنين في هذا النوع من التجارة.
شركات التوصيل غير مسؤولة

عمال شركات التوصيل (الديليفري)، ليسوا أطرافا في عملية البيع، ولا يتحملون مسؤولية جودة المنتجات أو مطابقتها للمواصفات – حسب ما يؤكده العامل في توصيل الطلبات خالد محمود،

مبينا أن المتاجر الالكترونية تتعامل مع شركات التوصيل من أجل إيصال مبيعاتها إلى الزبائن، وأحيانا تتعامل مع مركبات لنقل البضائع بين المحافظات أو سيارات أجرة صغيرة، فترسل معها المبيعات مقابل أجور.

ويشير إلى ان عمله يبدأ بعد استلام الطرود من إحدى شركات التوصيل، التي تستلمها بدورها من صفحات البيع أو المتاجر الإلكترونية، ثم يقوم بإيصالها إلى الزبائن واستيفاء أجورها وإيصالها بالتالي إلى الشركة، مقابل أجور النقل.

ويبيّن محمود أن دخله يتراوح بين 50 و100 ألف دينار عن كل رحلة توصيل، بحسب عدد الطلبات والمسافات، وأن عمله ليس يوميا إنما بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع. لكنه يلفت إلى ان حالات اعتراض الزبائن على جودة المنتجات تتكرر باستمرار، في وقت لا يمتلك فيه عامل التوصيل صلاحية إرجاع البضاعة أو استبدالها.

يرى بعض أصحاب الصفحات والمتاجر الإلكترونية أن من غير المنصف تعميم حالات الغش على جميع العاملين في هذا المجال، مؤكدين أن هناك متاجر موثوقة بنت سمعتها على الالتزام بجودة المنتجات ووضوح الأسعار وتوفير سياسات للاستبدال والاسترجاع وخدمة الزبائن.

ويشيرون إلى أن التمييز بين المتاجر الموثوقة وغير الموثوقة يعتمد على عوامل عدة، منها سجل المتجر، وتقييمات العملاء، ووضوح بيانات التواصل، والالتزام بتنفيذ الطلبات كما هو معلن.
التجارة الأسرع نمواً

إلى ذلك، يرى المحلل الاقتصادي علي خليل، أن التجارة الإلكترونية في العراق أصبحت واحدة من أسرع القطاعات نمواً خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من التحول الرقمي واتساع استخدام الهواتف الذكية والإنترنيت.

ثم يقول أن “التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن عشرات آلاف عمليات الشراء الإلكترونية تُنفذ يومياً في البلاد، بينما تنمو أعداد صفحات البيع وشركات التوصيل بصورة مستمرة”.

ويضيف قائلا أن هذا القطاع يوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء في التوصيل أم التخزين أم التسويق الإلكتروني أم خدمة الزبائن.

ويلفت خليل إلى ان “نسبة كبيرة من عمليات البيع تعتمد على الدفع عند الاستلام، وهو ما ساعد على توسع السوق، لكنه في الوقت نفسه زاد من فرص الاحتيال بسبب غياب التحقق المسبق من هوية البائع أو جودة المنتج”.

ويشدد على أهمية سن تشريعات تنظم التجارة الإلكترونية، وتلزم المتاجر بسياسات واضحة للاستبدال والإرجاع، فضلا عن ضرورة إنشاء منصات رسمية لتسجيل المتاجر الإلكترونية، بما يساهم في الحد من الصفحات الوهمية وحماية حقوق المستهلكين.
إيرادات ضخمة

وفقا للمحلل الاقتصادي خليل، فإن “تقديرات السوق تفيد بأن إيرادات التجارة الإلكترونية في العراق تجاوزت 700 مليون دولار خلال عام 2024، مع استمرار وتيرة النمو خلال عامي 2025 و2026″، متوقعا أن “يتجاوز حجم السوق مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة إذا استمرت عملية التحول الرقمي بالمعدلات الحالية”.

ويتابع قوله أن “ما بين 60 و70 في المائة من عمليات الشراء الإلكترونية في العراق لا تزال تعتمد على الدفع عند الاستلام، وهو ما يظهر استمرار تفضيل المستهلك العراقي معاينة المنتج قبل دفع ثمنه، رغم التوسع التدريجي في خدمات الدفع الإلكتروني”.

ويشير خليل إلى أن استمرار نمو السوق الالكتروني يتطلب سن تشريعات عصرية تنظم عمله، وتعزز حماية المستهلك من الغش والاحتيال، وتلزم المتاجر والصفحات بسياسات واضحة للاستبدال والإرجاع، بما يساهم في ترسيخ ثقة المواطنين وتشجيع الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي.

التجارة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!