المقدمة:
من محطة الاستثمار إلى محطة اليقظة
في الليلة الأولى من ليالي عاشوراء، وقفنا على أعتاب عاشوراء، تلك المدرسة الفكرية التي نؤسس فيها لـ "ليالي الاستثمار". واليوم، في الليلة الثانية، نحتاج إلى أن ننتقل من مجرد "الاستثمار" إلى "اليقظة". إن الغفلة هي الحجاب الأغلظ الذي يحول بين العبد وبين الله تعالى، وهي جذور العلل التي تُوقع الإنسان في شباك المعاصي.
إنَّ الإنسان في غمرة حياته الدنيوية قد ينسى من هو، ومن أين جاء، وإلى أين المصير، فيصبح أسيراً لشهواته، تائهاً في دروب المعاصي، ومن أروع الدروس التي تخلصنا من هذا الحجاب، ذلك المنهج العملي الذي قدمه سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) لرجلٍ أتاه تائهاً، غارقاً في ذنوبه، يبحث عن مخرج من سجن نفسه. لم يعطه الإمام (عليه السلام) نصيحة وعظية عابرة، بل قدم له خمس قواعد ذهبية، هي بمثابة "ميزان" للمؤمن في لحظات الضعف.
يقول العلامة حسن الرمضاني (دام تأييده) مسلطاً الضوء على هذه الحلول:"إن هذا الحديث الشريف تنبيه للمذنب على أمور إذا جعلها نصب عينه أثناء ارتكابه للذنب، فإنه سيعرض حتماً عن الذنب. الهدف هو تحريره من أسر المعاصي باستحضار العقائد التي يؤمن بها، فالمعصية ليست إلا ثمرة من ثمار الغفلة" (1).
القواعد الخمس: المنهج الحسينِيُّ في التغيير
القاعدة الأولى: الاستحياء من مُنعِمِ النِعم
قال (عليه السلام): "لا تأكل رزق الله وأذنب ما شئت". هذه القاعدة تضع اليد على "خلق الحياء". إن الفطرة السليمة تأبى أن تأكل من مائدة شخص وتتمرد عليه في آن واحد. إننا نعيش في "بحر" من النعم (الصحة، البصر، الرزق، الأمن).
والتطبيق التربوي لهذه القاعدة تتجلى إن معصية الله تعالى باستخدام نعمه (عز وجل) هي نوع من "الخيانة للأمانة". عندما نستخدم العين التي خلقها الله تعالى في الحرام، أو المال الذي رزقنا به في المعصية، فنحن في الحقيقة نستخدم "سلاح" المُنعم ضده. إنَّ إدراك أن المعصية هي طعنٌ ليد الإحسان هو أول طريق اليقظة. لنقف لحظة قبل أي ذنب ونسأل: هل هذه النعمة التي أتمتع بها الآن خُلقت لأستخدمها في إغضاب خالقها؟ (2).
القاعدة الثانية: إدراك العبودية ورفض الوهم الاستقلالي
قال (عليه السلام): "أخرج من ولاية الله وأذنب ما شئت". هذه القاعدة تضرب "وهم الاستقلالية". يظن العاصي أنه مستقل بقراره، وأن حريته تكمن في التمرد. والحقيقة أن الوجود كله في قبضة الله تعالى.
والتطبيق التربوي لهذه القاعدة يمكن تصوره في أن الخروج من ولاية الله تعالى يعني أن يكون الإنسان بلا معين، وبلا حافظ في هذا الكون الفسيح. مَن ذا الذي يجرؤ على التمرد وهو يعلم أن وجوده ذاته مرهون بإرادة الله؟ إنها دعوة للاستشعار بالافتقار إلى الله تعالى في كل حركة وسكنة. يقول الرمضاني:" إن العاصي يظن أنه يتصرف في ملكه، والإمام يذكره بأنك في مملكة الله، فكيف تعصي والملك يراك؟" (3).
القاعدة الثالثة: يقين المراقبة الإلهية
قال (عليه السلام): "أطلب موضعاً لا يراك الله فيه وأذنب ما شئت". هذه القاعدة تثير "المراقبة الفطرية". في عصرنا الرقمي، قد نختبئ في الغرف المغلقة خلف الشاشات، نظن أننا وحدنا. لكن، استحضار "المراقبة الإلهية" هو أعظم رادع.
وكذلك التطبيق التربوي لهذه القاعدة يمكن بيانه بما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله لإسحاق بن عمار: "يا إسحاق، خف الله كأنك تراه، وإن كنت لا تراه فإنه يراك" (4)، فالمعصية في الغرف المغلقة ليست سرية، بل هي تجرؤ على "الناظر الأعلى". إن جعل الله تعالى حاضراً في الوعي يمنعك من ارتكاب القبيح الذي تستحي منه أمام الناس. يقول تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (5).
إننا مدعوون لأن نكون في الخلوة كأحسن ما نكون في العلانية.
القاعدة الرابعة: استحضار النهاية (الموت والحساب)
قال (عليه السلام): "إذا جاء ملك الموت ليقبض روحك فادفعه عن نفسك وأذنب ما شئت". نحن نؤجل التوبة، ونظن أن أمامنا عمراً مديداً. لكن الإمام (عليه السلام) يذكرنا بحقيقة الموت الحتمية.
ويكمن التطبيق التربوي في إن استحضار "هادم اللذات" ليس للتشاؤم، بل للتحفيز على العمل والرجوع إلى الله قبل فوات الأوان. هل تملك القدرة على منع الموت حين يأتي؟ إن الغفلة عن الموت هي التي تمنح الإنسان جرأة على المعصية، فإذا أيقن أن الرحيل قريب، استعد بالعمل الصالح (6).
القاعدة الخامسة: استشعار عاقبة الذنب (النار)
قال (عليه السلام): "إذا أدخلك في النار، فلا تدخل فيها وأذنب ما شئت". يقول العلامة الرمضاني:" إن فرار العاصي من جهنم، يعني فراره من نفسه؛ فإذا استطاع الفرار من نفسه، أمكنه الفرار من جهنم".(7).
وهنا يمكن بيان التطبيق التربوي لهذه القاعدة في ان المعاصي هي وقود النار في الدنيا قبل الآخرة. النار ليست مكاناً نُلقى فيه فحسب، بل هي نتيجة لأعمالنا. إنك بدخولك في الذنب، تُعدّ لنفسك بيئة من الألم والندم. فإذا كنت لا تطيق عذاب الله تعالى، فلماذا تختار طريقاً يؤدي إليه؟(8).
الخاتمة:
التأسي بسيد الشهداء
هكذا علمنا الإمام الحسين (عليه السلام) كيفية الجلوس في حضرة الله تعالى. لم يكن (عليه السلام) يكتفي بالوعظ، بل كان مثالاً في الخشية. روي أنه إذا قام إلى الصلاة تغيّر لونه، وانغمر في بحار العبادة حتى استحقرت زهدها لديه الزهاد (9).
إنَّ الغفلة تُعالج بالذكر، والذنب يُعالج بالخشية. فلنكن في هذه الليالي على قدر المسؤولية، ولنحوّل "عاشوراء" من مجرد طقسٍ عاطفي، إلى مدرسةٍ تربوية نغير فيها أنفسنا قبل أن نغير واقعنا. ولنتذكر كلمات الحسين (عليه السلام) في مناجاته: يا ربّ يا ربّ أنت مولاه، فارحم عبيداً إليك ملجاه... (10).
نسأل الله أن يجعلنا من التائبين، وأن يرزقنا يقظة القلب في هذه الليالي المباركة، إنه سميع مجيب.
المصادر
1. الخطوة الأولى نحو الآفاق، ص 34-35.
2. المصدر السابق، ص 36-37.
3. المصدر السابق، ص 43.
4. بحار الأنوار، ج 70، ص 375.
5. سورة التوبة: 105.
6. إقبال الأعمال، ج 1، ص 118؛ بحار الأنوار، ج 95، ص 84.
7. بحار الأنوار، ج 91، ص 144.
8. بحار الأنوار، ج 83، ص 85؛ إقبال الأعمال، ج 1، ص 140.
9. بحار الأنوار، ج 95، ص 218.
10. مناقب آل أبي طالب، ج 4، ص 69؛ الخصال، ص 517؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 74؛ مصارع الشهداء ومقاتل الشهداء، ج 1، ص 154.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!