كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

تزييف بولس الطرسوسي للمسيحية أكبر خدعة في التاريخ

مقدمة

    عندما اختتم النقاش حول طبيعة عيسى بن مريم المسيح والعقيدة المسيحية كان الاعتقاد الراجح ليس ما جاء به المسيح ولا ما مارسه بعض أتباعه الأوائل بل ما أحدثه بولس الطرسوسي، فكانت هي العقائد التي حكمت المسيحيين منذ القرون الأولى بعد حياة المسيح وحتى الحاضر، ولم تشذ عن ذلك سوى طوائف معدودة حكم عليها بالهرطقة واضطهدت وتبددت.

   كان بولس الطرسوسي يهودياً متزمتاً ذي ثقافة رومانية، كره المسيح ودعوته، وشارك في اضطهاد أتباعه، ثم فاجأ الناس بانقلابه التام من معاداة المسيحية إلى ادعاء اصطفاءه من قبل عيسى والمجاهرة بكونه من أتباعه وحماسه لنشر دعوته. بعد زعمه تجلي المسيح له بعد وفاته من دون شاهد على ذلك والطلب منه اتباعه ونصرة دعوته نشط لبث ما لفقه من عقائد لم يأت بها المسيح ولا مريدوه الأوائل، وصار هو الشخصية الرئيسية في الديانة الملفقة التي ابتدعها ولم يأمر بها المسيح، وخلاصتها فصل دعوة المسيح إلى اليهود عن الديانة اليهودية والادعاء بأن المسيح جاء بديانة مختلفة ومستقلة عن اليهودية، فأثنى عليه بعض اليهود لأنهم خلصهم من تغلغل أتباع المسيح داخل مجتمعاتهم.

    الغرض من هذا البحث كشف دور بولس الطرسوسي  اليهودي في تحريف رسالة المسيح وتحويلها من دعوة لإصلاح الديانة اليهودية المنحرفة واحياء أصولها الموسوية إلى ديانة جديدة امتزجت فيها عقائد وثنية مع بعض تعاليم المسيح واليهودية، ويستهل البحث في التحقق من كون رسالة المسيح الإصلاحية موجهة لليهود فقط، فلا تخص غيرهم من قريب أو بعيد، والدعوة إلى نشرها بين شعوب أخرى لا تستقيم مع محتواها وسيرة المسيح نفسه الذي شهد بنفسه بأنها لليهود أو الأبناء كما سماهم، ومنع أتباعه من نشرها بين شعوب أخرى مجاورة لليهود، وحتى لليهود السامريين، كما أن ما تضمنه العهد الجديد من استدراك للمسيح بعد وفاته بالدعوة إلى كافة الأمم مرفوض منطقياً ومخل بصفته معصوم عن الخطأ والسهو، بل هو انتقاص من خصائص الربوبية إذ يجعل الذي بعثه، أو أباه كما يدعون، غير منزه عن الخطأ والسهو، ولا يعلم الغيب، وليس له خطة ثابتة في إصلاح مخلوقاته من خلال تعاليم عيسى.   

     يقدم الموضوع الثاني من البحث أدلة إضافية على حقيقة يهودية دعوة المسيح، إذ تؤكد حقائق التاريخ المسيحي بأن الحواريين والمسيحيين الأوائل كانوا يهوداً، حافظوا على عقيدتهم اليهودية وتعبدوا بها، فصلوا مع اليهود في معابدهم، وشاركوا في اعيادهم والاحتفال بمناسباتهم الدينية، ولم يحدث ما عرف بافتراق الطرق بين اليهودية وأتباع المسيح إلا في تاريخ لاحق.

   تتضح في الموضوع التالي سيرة بولس الطرسوسي قبل وبعد تحوله من يهودي متعصب لدينه إلى مسيحي مترأس للدعوة المسيحية ونجاحه في فصل دعوة المسيحية الإصلاحية عن اليهودية وصيرورتها ديانة بحد ذاتها. كان بولس عدواً لدوداً للمسيح ودعوته السلمية لتصحيح عقائد وممارسات شعبه اليهودي، وذهب بولس إلى أبعد من المجاهرة بهذا العداء، فشارك في اضطهاد أتباع المسيح الأوائل، واتهم بأنه احد المحرضين على قتل أحدهم، ثم فجأة ومن دون مقدمات تحول من عدو إلى تابع مخلص للمسيح، نذر حياته لنشر ما أدعاه تعاليم المسيح بين الشعوب الأخرى غير اليهود،  والمدهش أن كل المعجزات التي جرت على يد المسيح ودعوته الإصلاحية لم تقنعه بأن يكون أحد مريديه أو على الأقل يكف عن معارضته له في حياته واضطهاد أتباعه، فلم يغير من ولاءه حتى ادعاءه بأنه كان المستهدف بمعجزة، وظهر ليقول بأن المسيح تجلى له بعد وفاته ليطلب منه نشر دعوته، ليس بين اليهود وإنما الشعوب الأخرى فاستحق على ذلك ثناء اليهود لأنه جعل المسيحية ديناً مستقلاً بدلاً من فرقة إصلاحية أبطلت التدين المنحرف لتعيده إلى الديانة اليهودية الأصيلة.

   دام مخاض العقائد المسيحية التي هيمنت عليها أفكار بولس المنحرفة ثلاثة قرون، فلم تكتمل إلا في اجتماع نيسين، وخلال تلك القرون تبلورت عقيدة بنوة المسيح للرب السماوي وألوهية المسيح وقدرته المطلقة والمستقلة عن السماء وكون التضحية به بالصلب على الأخشاب ضروري لغفران الرب للبشر عن خطيئة آدم، وفي الوقت ذاته تم التخلص من الأفراد والطوائف التي تمردت على هذه العقائد ورفضت بعضها أو تبنت عقائد مختلفة عنها، فوصمت بالهرطقة واجتثت فلم يبق منها أي اتباع.

   تكشف المقارنة بين الديانة البولسية كما يجب تسمية ما يظن بأنها المسيحية وبين دعوة المسيح لتصحيح العقائد اليهودية زيف وانحراف ما نشره بولس، ومن المنطقي والواجب على المسيحيين نبذ عقائد بولس الطرسوسي واعتبار تاريخهم على مدى ألفين من السنين خدعة انطلت على أسلافهم وعليهم، وبما أن دعوة المسيح الاصيلة هي لليهود فقط فالأقوام الأخرى غير معنيين بها، وبما أن  اليهودية أبطلتها دعوة المسيح وأن المسيح لم يأت بديانة جديدة ينبغي على من يدعون بأنهم أتباع المسيح اليوم الاطلاع على الحقائق الجلية حول نشأة ديانتهم وما اعتراها من اختلاق وتزييف وتحكيم العقل في موقفهم منها والكف عن نشرها.

أولاً:

رسالة المسيح لليهود فقط

    أُرسل المسيح لتصحيح عقائد اليهود الذين وصفهم بالخراف الضالة لبني إسرائيل، وطيلة مكوثه بينهم خاطبهم ووعظهم فاستجاب له عدد قليل منهم وأنكره معظمهم، وكان صريحاً ومتشدداً في تأكيده على أن رسالته لبني قومه اليهود واليهود فحسب، ولا استثناء في ذلك، واستمر على ذلك حتى وفاته، ثم ظهرت رواية بأنه بعث من الأموات بصورة أو أخرى ليقول لهم بأنه أمرهم في حياته بالتوجه نحو اليهود حصراً لكنه يريد منهم بعد الآن بث رسالته بين كافة الأمم، وموضوع هذا الفصل بيان كافة الأدلة على أن رسالة يسوع هي بالفعل لليهود فقط وتغييرها متعارض مع خصائصها وينتقص من صفات الرب السماوي، وتشمل أدلة من الأناجيل الأربعة وأقوال وأفعال عيسى وكذلك استنتاجات الدارسين لأصول المسيحية.

العهد الجديد شاهد على هوية عيسى وأهداف رسالته

    حرص مدونو العهد الجديد على بيان سلالة عيسى [متي 1]، فهو يهودي لا غبار على أصله اليهودي ومن سلالة تجمعه بداود والنبي إبراهيم ، والغرض من ذلك إضفاء شرعية على رسالته بين اليهود، لكنها لا قيمة لها عند غيرهم، فكونه من صلب داود لا يقدم أو يأخر عند الأمم الأخرى وحتى القريبة منهم مثل السامريين، وعلى الرغم من ذلك رفض اليهود دعوته.

    أول شاهد على أن الدعوة اليسوعية تخص اليهود لا غيرهم مصدرها الملاك الذي بشر أمه العذراء مريم بولادته، أي أن تاريخها قبل ولادته، فيذكر إنجيل متّي 1 [18-21][1] ما يلي:

   أما ولادة يسوع المسيح فكانت هكذا لما كانت مريم أمه مخطوبة ليوسف قبل ان يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس، فيوسف رجلها إذ كان باراً ولم يشأ ان يشهرها أراد تخليتها سرا،  ولكن فيما هو متفكر في هذه الامور إذا ملاك الرب قد ظهر له في حلم قائلا يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امراتك لان الذي حبل به فيها هو من الروح القدس، فستلد ابنا وتدعوا اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم.

وشعب عيسى هم اليهود لا غيرهم، ومهمته كما بينها "ملاك الرب" تخليص اليهود من خطاياهم، وهذا الملاك رسول من الرب السماوي، وما قاله لمريم آت من الرب المرسل لا من عنده، والتكليف الصادر من الرب السماوي لعيسى بإنقاذ اليهود من خطاياهم لا يشمل أمماً أخرى، وهو تكليف ملزم وليس لأحد حتى عيسى مخالفته أو تعديله ليسري على أمم غير اليهود.

     يقدم إنجيل لوقا شهادة أخرى على يهودية عيسى ورسالته [ لوقا 1-:16-17]، فينقل بشارة "ملاك الرب" لزكريا الذي يصفه لوقا بالكاهن بولادة ابنه يحيى ودوره في تهيئة شعبه، أي اليهود، لرسالته:

ويرد كثيرين من بني إسرائيل إلى الرب الههم، ويتقدم أمامه بروح ايليا وقوته ليرد قلوب الاباء إلى الابناء والعصاة إلى فكر الابرار لكي يهيئ للرب شعبا مستعداً.

وفي نفس الإصحاح يخاطب زكريا وليده يحيى مبيناً مهمته في التمهيد لخروج عيسى برسالته، والإشارة إلى "شعبه" تعني اليهود

[ لوقا 1: 76-79]:

وأنت أيها الصبي نبي العلي تدعى، لأنك تتقدم أمام وجه الرب لتعد طرقه.لتعطي شعبه معرفة الخلاص بمغفرة خطاياهم، بأحشاء رحمة إلهنا التي بها افتقدنا المشرق من العلاء. ليضيء على الجالسين في الظلمة وظلال الموت، لكي يهدي أقدامنا في طريق السلام.

   لم تختلف حياة عيسى في تفاصيلها عن بقية اليهود، وعاملته عائلته كأي يهودي آخر، فاختتن كبقية قومه، لذا اختلف أتباعه إن كان الختان ملزما لمن يؤمن به أم لا، كما  تردد على معابد اليهود، وغضب لوجود الصرافين وبائعي الحمام في الهيكل، وتعامل بعنف معهم، إذ طردهم وقلب مناضدهم وتصرف معهم كيهودي حريص على ابقاءه مكاناً للعبادة فقط، وارتبط اختياره لإثني عشر حوارياً ليكونوا رسله إلى اليهود بانقسام اليهود إلى نفس العدد من القبائل، وهو دليل آخر على تمسكه بالتراث اليهودي، وبعد خيانة يهوذا الإسخريوطي لعيسى وتسليمه لليهود ليحاكموه ووفاته اجتمع الحواريون ليختاروا بديلاً له، كما حرص عيسى على القول بأن دعوته هي استكمال لرسالات أنبياء اليهود، كما يتبين من قوله في ما يلي [يوحنا 5: 46]:

لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقونني لأنه هو كتب عني.

 ويأتي التأكيد على ذلك ليس بالقول فقط بل بالمعجزة أيضاً، ففي مشهد دال ينقل إنجيل لوقا ظهور موسى وإيليا بجانب عيسى [ لوقا 9: 28-29]:

  أخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى جبل ليصلي. وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة، ولباسه مبيضاً لامعاً، وإذا رجلان يتكلمان معه، وهما موسى وإيليا، اللذان ظهرا بمجد، وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم.

كما حاجج اليهود بالتوراة وبأقوال أنبيائهم الذين سبقوه ليبرهن لهم بأنه يهودي وملتزم باليهودية النقية، ولم يغادر ما أتوا به، فخاطب بعض الفريسيين ومعلمي الدين القادمين من القدس بقوله

 [متي 15: 7-8]:

يا مراؤون حسنا تنبأ عنكم إشعياء قائلا يقترب إلي هذا الشعب بفمه ويكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيدا.

    خطاب عيسى منذ بدء المجاهرة بها حتى نهاية ذلك موجه لليهود فقط وبالنص الصريح، وتقيّد بالأمر الرباني فلم يبشر برسالته بين شعوب غير اليهود، كما وصف باليهودي حتى بين مناوئيه من اليهود، فهو في نظرهم يهودي منشق يدعو لعقائد مخالفة لمعتقداتهم، وحتى أتباعه اليوم لا ينفون عنه هذه الصفة، فعلى سبيل المثال خاطب يهوداً بأنهم لو اتبعوا كلامه فسيكونوا مريديه ويعرفون الحقيقة ( يوحنا 8: 31) ولم يقل بأنهم سيتحولون إلى ديانة أخرى تحمل اسمه، والمرأة السامرية التي طلب منها شراباً أجابته بأنها تعجب من طلبه لأنه "يهودي" (يوحنا 4: 9)، ولم ينفي عن نفسه هذه الصفة. ويستحرم اليهود من التعامل مع السامريين فلا يدخلون منازلهم، ولا يجالسونهم على نفس الأريكة، ولا يأكلون أو يشربون من إناء استعمله سامري لأن ذلك يدنسهم ويذهب طهورهم كما يعتقدون. وفي حواره مع المرأة بين لها الاختلاف بين قومها واليهود مؤكداً أن الهدي يأتي من اليهود [يوحنا 4 :22]:

انتم تسجدون لما لستم تعلمون أما نحن فنسجد لما نعلم لأن الخلاص هو من اليهود.

وفي استجوابه من قبل رئيس الكهنة اليهودي سأله عن تعاليمه وتلاميذه أجاب يسوع بأنه خاطب اليهود سواء خارج معابدهم أو داخلها [يوحنا 18 : 20]:

أنا كلمت العالم علانية. أنا علمت كل حين في المجمع وفي الهيكل حيث يجتمع اليهود دائما. وفي الخفاء لم أتكلم بشيء.

  وكان عيسى واضحاً أشد الوضوح في توجيهاته لحوارييه الإثنى عشر الذين أمرهم بنشر دعوته بين اليهود فقط، إذ خاطبهم قائلاً [متي: 10: 5-6]

إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا

بل اذهبوا بالحري إلى خراف بيت إسرائيل الضّالة.

 بهذه الوصية أوضح عيسى بأن رسالته لليهود، الذين وصفهم بالخراف الضّالة، ونهاهم عن التوجه إلى جيرانهم السامريين بل وكافة الأمم، وبهذا الأمر الجلي وضع المسيح حدوداً لرسالته، فهي تخص اليهود فقط فحسب، والأمر الصادر من المسيح واجب التطبيق ولا حرية لرسله في إخلافه.

   حدد النص الصادر عن يسوع نطاقي المسموح والممنوع في بث رسالته، الممنوع العام والمطلق هو كل الأمم، والمخصص هو المدن السامرية الأقرب إلى التجمعات السكانية لليهود، وعندما يشتمل التوجيه على العام والمخصص يكون تاماً فلا سبيل للنقاش حوله ولا مجال لتأويله أو توهين مفعوله، كما أنه لم يكتسب صفة الآنية بل هو مطلق في الزمان والمكان، وساري في زمن المسيح وما تلاه حتى الزمن الحاضر، والاستثناء عليه أو التخلي عنه كما ادعى مؤسسو الديانة المسيحية يطعن في رسالة المسيح وصفاته ومعصوميته وأيضاً وهو الأخطر مثار للتشكيك في خطة الرب السماوي الذي أرسله لهداية بني إسرائيل كما سيتبين لاحقاً.

       يكتسب استثناء السامريين من رسالة عيسى أهمية خاصة، إذ ادعى السامريون بأنهم يهود لم يطالهم السبي، وكان لهم معبد خاص والتزموا بالعقائد اليهودية في العهد القديم، أما بقية يهود السبي فرفضوا الاعتراف بالأصل اليهودي للسامريين وادعوا بأنهم من سكان بلاد الرافدين نقلوا إلى فلسطين وأسكنوا في السامرة، ويذكر سفر الملوك بأنهم أرادوا التدين باليهودية وطلبوا من الملك الأشوري ابتعاث أحد أحبار اليهود من السبي لتعليمهم اليهودية، لكنهم انحرفوا في ممارساتهم عنها، لذلك نحاهم عيسى من رسالته، مما يقدم دليلاً آخر على أن الرسالة لليهود "الأصليين" فقط  من دون غيرهم وحتى السومريون المتحولون إلى اليهودية ولو لم يحسنوا التدين بها كما يدعي سفر الملوك، ولو كانت رسالته لكل البشر لكان أولى بها بعد شعبه اليهودي السامريون الأقرب لهم عقيدة وجغرافياً.

   وصف عيسى دعوته بأنها "خبز" ونعمة اختص بها الرب السماوي اليهود ومنعها عن غيرهم، فيكون اليهود في النتيجة بعد تقبلهم لهذا "الخبز" أو النعمة نبراساً لكافة الأمم، فالأول في صف الاستفادة من هذه النعمة الربانية هم اليهود، ليكونوا نوراً للعالم [ سفر أشعياء  42 : 6] ويأتي دور الأمم الأخرى بعد استكمال استفادة اليهود منها، ولكنه في هذه الأثناء يمنع أتباعه من نشر رسالته بين غير اليهود، بل يصف هؤلاء الأغيار بنعوت قبيحة فهم خنازير وكلاب، وهما مسبتان ثقيلتين في قاموس الشعوب المجاورة لليهود، ,وقد اعتاد اليهود على اطلاقهما على غير اليهود والرومان[2]، ونجدهما في النصيحة التالية [متي 7 : 6]:

لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تطرحوا درركم قدام الخنازير، لئلا تدوسها بأرجلها وتلتفت فتمزقكم.

  يكرر عيسى وصف غير اليهود بالكلاب في حديثه مع المرأة الكنعانية التي لاحقته وهي تصرخ بتوسلاتها لكي يشفى ابنتها المريضة، فطلب منه حواريوه طردها، لأنها كنعانية وما تطلبه غير جائز، وهو ما أكده في جوابه على طلبها: ( لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضّالة) [ متي 24:15]، فاليهود وحدهم مستهدفون بهداية عيسى، وبعد إلحاحها في طلب معونته وسجودها له خاطبها بقوله [متي 26:15]:

ليس حسنا أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلاب.

ووصف عيسى رسالته بالخبز، والبنين هم اليهود أما الكنعانية وقومها وما تمثله من بقية البشر من غير اليهود فهم الكلاب، وهي مسبة تعتبر في عرف ذلك الزمن بين سكان المشرق وحتى اليوم إهانة عظمى، لكن الكنعانية تغاضت عنها طمعاً في شفاءه لابنتها، فتراجع عيسى عن موقفه المبدئي بصورة مؤقتة إكراماً للمرأة الكنعانية وإيمانها به، لكنه استثناء على القاعدة الثابتة بأنه مرسل لليهود ومعجزاته حكراً عليهم، وتغيير عيسى لموقفه دليل على كونه من البشر يخطئ ويصيب ولو أخطأ فسيقومه ربه فهو ليس بإله معصوم كما يدعي المسيحيون أو بالأحرى أتباع بولس الطرسوسي.

    يأتي التغيير في المستهدفين برسالة عيسى بعد وفاته، إذ يظهر لحوارييه ليأمرهم بنشر رسالته بين كافة الأمم، وهؤلاء الحواريون الذين اعتادوا على مسائلته عن كثير من توجيهاته لم يتعجبوا من ذلك التحول الكبير، ولعل ظهوره الإعجازي إن صح قد عطل فضولهم، وتروي الأناجيل وقائع ذلك اللقاء، ففي إنجيل متي [16:28-20] نجد الوصف التالي:

 وأما الأحد عشر تلميذا فانطلقوا إلى الجليل إلى الجبل، حيث أمرهم يسوع ولما رأوه سجدوا له ، ولكن بعضهم شكوا فتقدم يسوع وكلمهم قائلا: دفع إلي كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.

ويتضمن إنجيل مرقس [16: 9-20] تفاصيل عن هذا التجلي، ويتكرر فيها تشكيك الحواريين أو بعضهم بنبأ عودة أو قيامة المسيح:

وبعدما قام باكرا في أول الأسبوع ظهر أولا لمريم المجدلية، التي كان قد أخرج منها سبعة شياطين، فذهبت هذه وأخبرت الذين كانوا معه وهم ينوحون ويبكون فلما سمع أولئك أنه حي، وقد نظرته، لم يصدقوا وبعد ذلك ظهر بهيئة أخرى لاثنين منهم، وهما يمشيان منطلقين إلى البرية وذهب هذان وأخبرا الباقين، فلم يصدقوا ولا هذين، أخيرا ظهر للأحد عشر وهم متكئون، ووبخ عدم إيمانهم وقساوة قلوبهم، لأنهم لم يصدقوا الذين نضروه [ تصحيح: نظروه] قد قام وقال لهم: اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها من آمن واعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدان وهذه الآيات تتبع المؤمنين: يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة يحملون حيات، وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون ثم إن الرب بعدما كلمهم ارتفع إلى السماء، وجلس عن يمين الله وأما هم فخرجوا وكرزوا في كل مكان، والرب يعمل معهم ويثبت الكلام بالآيات التابعة.

    انفردت رواية إنجيل لوقا [24: 46- 5] لتجلي عيسى بعد وفاته وتعليماته للحواريين بأن تكون الدعوة متدرجة تبدأ في أورشليم أي اليهود ثم الانتقال من بعد ذلك إلى بقية الأمم، مؤكداً على أولوية اليهود في تلقي رسالته:

 وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي ان المسيح يتألم ويقوم من الاموات في اليوم الثالث، وان يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الامم مبتدئا من أورشليم و انتم شهود لذلك، وها أنا أرسل اليكم موعد أبي فأقيموا في مدينة أورشليم إلى ان تلبسوا قوة من الأعالي، واخرجهم خارجا إلى بيت عنيا ورفع يديه وباركهم، وفيما هو يباركهم انفرد عنهم واصعد إلى السماء، فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم، وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون الله.

كما يبين النص توجه الحواريون بشكرهم للرب أو المسيح داخل الهيكل أي معبد اليهود، فهم يهود أولا وآخراً ولم يغير من ذلك قيامة المسيح وانقلاب رسالته من حصرها باليهود إلى اطلاقها لكافة البشر، وهو ما سيستمرون عليه حتى اضطرارهم للهروب من القدس حفاظاً على حياتهم من نقمة اليهود بعد تخلصهم من عيسى المسيح، كما من المستغرب بأن أحداً منهم لم يسأله عن سبب هذا التغيير "الثوري" في وجهة دعوته، وهم دأبوا على سؤاله عن الكبيرة والصغيرة أثناء حياته ومصاحبتهم له.

   في الوصف الرابع لعودة المسيح من الأموات والرفع ينقل إنجيل يوحنا [20: 19-29] رواية مختلفة لا تتضمن صراحة التوجه بدعوة عيسى إلى بقية الشعوب غير اليهودية كما هو الحال في إنجيلي متي ومرقس، إذ تقتصر على توجيه مبهم: (كما أرسلني الرب أرسلكم أنا)، لكنها تتفق معهما في اختلاج أنفس بعض الحواريين بالشك مما رأوا، وكما يلي:

 وكانت الأبواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود، جاء يسوع ووقف في الوسط، وقال لهم : سلام لكم ولما قال هذا أراهم يديه وجنبه، ففرح التلاميذ إذ رأوا الرب فقال لهم يسوع أيضا : سلام لكم كما أرسلني الآب أرسلكم أنا ولما قال هذا نفخ وقال لهم: اقبلوا الروح القدس من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أمسكت أما توما، أحد الاثني عشر، الذي يقال له التوأم، فلم يكن معهم حين جاء يسوع فقال له التلاميذ الآخرون: قد رأينا الرب. فقال لهم: إن لم أبصر في يديه أثر المسامير، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه، لا أومن وبعد ثمانية أيام كان تلاميذه أيضا داخلا وتوما معهم. فجاء يسوع والأبواب مغلقة، ووقف في الوسط وقال: سلام لكم ثم قال لتوما: هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا أجاب توما وقال له: ربي وإلهي قال له يسوع: لأنك رأيتني يا توما آمنت طوبى للذين آمنوا ولم يروا.

  تضمنت النصوص حول تجلي الرسول عيسى لحوارييه أو غيرهم على أمور منافية للعقل والعقيدة السليمة، مما يقوي الشك في صحتها. في حياة عيسى لم يدع الناس للسجود له أو أن أتباعه سجدوا له، لكنهم عندما شاهدوه قائماً بعد صلبه سجدوا له، وهو اذان ببدء الاعتقاد بربوبيته المستحدثة والمختلقة، ويؤكد ذلك ما نسب إليه من ادعاء بأنه "دفع له كل سلطان في السماء وعلى الأرض" فيكون قد أصبح رباً مطلق القوة والسلطة ولا يكون ذلك باحتفاظ "الإله الأب" بربوبيته إذ ليس من العقل وجود ربين متساويين في القوة فلا بد أن يكون "الرب الأب" قد فوض سلطته إلى "الابن"، وهو باطل لا تقبله حتى الديانات الوثنية. من المستغرب أيضاً ظهور عيسى لمريم المجدلاني قبل الحواريين لأنه غير ذي قيمة، وكان متوقعاً ألا يصدقها الحواريون، وحتى ظهوره لإثنين كان من دون جدوى، وإذا كان عيسى رباً بالمطلق كما يعتقدون فلم تجشم هذا الظهور غير المجدي، وكان الأولى به لأنه بافتراض ربوبيته يمتلك علماً مطلقاً أن يختصر الجهد ويظهر لجميع الحواريين دفعة واحدة. الأغرب من ذلك عودة المسيح بجروحه التي أصابته وهو معلق على الصليب، ومن السذاجة اشتراط الحواري توما رؤية وتحسس هذه الجروح ليتأكد بأنه المسيح، وكأن معجزة ظهوره بعد قتله غير كافية للتصديق، وهل كان سيستنتج لو لم ير ويتحسس الجروح بأن ما يراه خداع بصر أو شيطان بصورة عيسى؟ ولو كان الشيطان قادراً على ذلك فهو قادر أيضاً على تقليد جروح عيسى، ولو حكم توما عقله لأدرك بأن ظهور المسيح بدون جروح معجزة أقوى من رؤية وتحسس جروحه، ثم هل هذا التجلي كاف ليصف توما عيسى بالرب والإله؟

    أمر عيسى أتباعه وطيلة حياته بتوجيه رسالته لليهود، لأنها كما وصفها للمرأة الكنعانية التي توسلت إليه ليشفي ابنتها بأنها خبز الأبناء أي اليهود، ونهاهم بشدة عن نشرها بين غير اليهود حتى السامريين الذين يصرون بأنهم يهود منبوذون من بقية اليهود، واستعمل تشبيهات مهينة في وصف غير اليهود، وسماهم كلاباً وخنازير، مما يدل على استثناهم له من متلقي رسالته الشرعيين، وإلا فكيف سيشعر هؤلاء غير اليهود عند قراءتهم لهذه الإهانات؟

   قضى عيسى حياته يعظ اليهود، متنقلاً من مدينة إلى أخرى، ومن كنيس إلى آخر، وشهد بذلك على نفسه أمام كبير الكهنة اليهود، ولم يقصد أي من المدن القريبة التي يسكنها غير اليهود لنشر رسالته، بل كانت زياراته القليلة لبعض المناطق الخارجة عن التجمعات السكانية الرئيسية لليهود غير تبشيرية في الأصل وإن تخللها عرض لبعض عقائده، وربما لم تخلوا هذه الأماكن من أقليات يهودية.

    اجترح عيسى معجزات عديدة، هدفها اقناع مشاهديها بأنه المسيح المخلص المرسل لهدايتهم وخلاصهم، وكان لها تأثر كبير فيهم، لكنها لم ينتج عنها غير عدد ضئيل من المؤمنين به والمناصرين لدعوته، مما يدل على فشل دعوته بين المستهدفين أي اليهود واصرارهم على الاستمرار في ما وصفه بالانحراف البين عن شريعة موسى، ولم يسلم حتى بعض أتباعه من الاضطهاد بعد رحيله عن هذه الدنيا، وعندما تجلى لحوارييه ساور بعضهم الشك في صحة تلك المعجزة، بعد كل ما شاهدوه من معجزات في حياته مما يدل على ترسخ عقيدتهم اليهودية في نفوسهم، ولم يقتنع توما بأنه هو إلا بعد رؤية الثقبين في يديه وأثر الطعنة في جنبه، فالرؤية أفضل دليل مقارنة بالسماع عن المعجزة، وقد حرم غير اليهود إلا ما ندر من رؤية معجزات عيسى أو الاستفادة منها، فكيف يراد منهم الاعتقاد برسالته ومعجزاته؟ وهو تمييز مجحف يشكك في صحة التوجيه بنشر رسالة عيسى بين الذين لم يروا ولم يسمعوا به ومعجزاته إلا بعد زمن، كما أن منح عيسى الحواريين القدرة على تنفيذ بعض المعجزات مثل إبراء مرضى ومسك حيات قد يساء فهمها من قبل البسطاء من الناس، فيعتقدون بأنهم يمتلكون قدرات خارقة تجعلهم جديرين بالتقديس وحتى العبادة.

   أربك الانتقال الفجائي من التبشير بين اليهود فقط إلى شموله كافة الأمم الحواريين ومن بعدهم بولس الطرسوسي، إذ لم يتضمن إرشادات كافية لتنفيذه، فإقناع اليهود بتعاليم عيسى لا يتطلب تغييراً جذرياً في العقيدة والطقوس الدينية بل بهذه التعاليم التي أراد بها العودة إلى الجذور الموسوية لديانتهم أما تحويل عبدة الأصنام وأتباع الديانات الأخرى فأمر آخر، فقد توقف الحواريون وأتباعهم أمام معضلة كبرى، وهي إن كان تحول غير اليهود يتطلب منهم التهود أولاً قبل قبول دعوة عيسى أم لا، وقد اشتد الخلاف بينهم إذ أصر البعض على الإيمان التدريجي أي التهود أولاً والختان والتعميد وممارسة الطقوس اليهودية وأطلق عليهم تسمية "حزب الاختتان" بينما دعا بولس الطرسوسي إلى أن يكون التدين بدعوة عيسى مباشر من دون المرور بالتهود، وبلغ بالتعصب لذلك به إلى وصف بطرس  الذي أصر في البدء على أن يكون التدين بدعوة المسيح بمرحلتين التهود أولاً ثم المسيحية بالمنافق.

    للتبشير بين اليهود أو اليهود وغيرهم نتائج مختلفة وذات أهمية، إذ لا تتطلب رسالة عيسى من اليهود تغيير ديانتهم والتحول إلى "المسيحية" لأنه أكد بأنه لم يأت بجديد على اليهودية وإنما لتصحيح انحرافات أتباعها، أما التبشير العام لليهود وغيرهم فيستلزم إنشاء ديانة جديدة، وهو ما حدث بالفعل، وهذا تغيير جذري لم يلتفت إليه عيسى في دعوته، ولم يبين تعليمات خاصة به.      

   الأهم من كل ذلك هو ما يترتب من هذا الانقلاب في هوية المستهدفين بالدعوة على صفات عيسى والرب السماوي، إذ يفرض الأساس العقائدي للرسالة وحاملها العصمة المطلقة كما هو ليس بالرسول العادي في نظر أتباعه بل ابن الله، والتناقض بين الدعوة إلى نشر رسالته بين اليهود من دون أي نص على تراتبية تضع الأمم الأخرى بعدهم في حياة عيسى وبين التوجيه الملزم بنشرها بين الأمم الأخرى بعد قيامته يتنافى مع عصمة عيسى، إذ يستدل منه على الظاهر بأنه أما خطأ جسيم أو سهو جلل، كما أن تصريح عيسى بأن كل ما يدعوا به هو من الرب السماوي يجعل التسليم بالاختلاف البين بين التوجيهين انتقاص من صفات الرب السماوي، جل وعلا، الذي أمر باقتصار الدعوة بالمطلق على اليهود  أولاً  ثم عاد ليطلقها على الجميع من دون تبرير، والتعميم في هذه الحالة أنجع وأعدل لأنه كان سيوصل الرسالة وما رافقها من معجزات إلى اليهود وغيرهم في نفس الوقت، ويحول دون حدوث خلاف بين أتباع المسيح حول كيفية تحول غير اليهود إلى عقيدة عيسى.

أراء اللاهوتيين والباحثين

    كان عيسى المسيح يهودياً وكذلك أتباعه، ولم تنشأ الديانة المسيحية إلا بعد حين، ويرى مارتن بوبر بأن عيسى كان يهودياً ملتزماً تماماً بكتاب اليهود العهد القديم[3]، ويتأكد ذلك من مصادر عدة[4] تشير إلى اختتانه وامتثاله للتعاليم الخاصة بالسبت، وفي دراسته لإنجيل متى استنتج ويليتس (2009) بأن متى بذل كل جهده لإثبات بأن عيسى التزم بتعاليم التوراة وكان خلافه مع معاصريه من اليهود حول تفسير التوراة لا صلاحيتها الدائمة[5]، والعلاقة بين دعوته واليهودية اطّراد أو تتابع واستمرارية،

ثانياً:

أتباع عيسى الأوائل يهود

   ليس في أقوال المسيح دعوة صريحة لتأسيس ملة جديدة أو حتى طائفة ضمن الديانة اليهودية، فمن الواضح بأنه أراد تنقية ديانته من الانحرافات والبدع الناجمة عن تفسيرات خاطئة ودعا إلى التمسك بعقائدها الأصيلة، ومن أهم الأدلة غير المباشرة على ذلك ثبات أتباعه الأوائل ولعقود من السنين على اليهودية، ولم يحدث الانفصال بينهم وبين اليهودية إلا بعد حين.

    استندت عقيدة حواريي عيسى الإثنى عشر وبقية الأتباع بعد وفاته وقيامته على ثلاث ركائز: الايمان باقتراب الساعة وفناء الدنيا، وظهور المخلص الذي هو المسيح والديانة اليهودية، لذلك اعتبرت في البدء واحدة من الطوائف أو الفرق اليهودية التي نشأت في أواخر ما يعرف بفترة الهيكل الثاني التي شهدت عودة اليهود من السبي وإعادة تشييد الهيكل،  وعاصرت الدعوة المسيحية أو الفرقة النزارية وجود فرق أخرى مثل الفريسيين والسدوسيين.

    تشير المصادر عن المسيحية المبكرة إلى كونها يهودية أصولية، وهي ما أذاعه أتباعه والتزموا به ومارسوه في حياتهم اليومية، فكانوا يتعبدون في معابد اليهود، وامتثلوا لتعاليمهم في الأطعمة المحرمة والحلال وتقيدوا بالسبت وغيرها من العقائد اليهودية، ولم يشذوا عنها إلا في اعتقادهم بأن عيسى هو المسيح المخلص، واعتبر اليهود المعاصرين لهم ذلك مأخذاً عظيماً عليهم فاضطهدوهم وقتلوا عدداً منهم.

    امتثالاً لأمر عيسى بنشر دعوته قام الحواريون ومعاونوهم بمخاطبة اليهود في معابدهم، فاستهدفوا اليهود المستقرين في فلسطين وكذلك اليهود في الشتات،   فيرد في الإصحاح الأول دخول بطرس ويوحنا إلى الهيكل في ساعة الصلاة التاسعة ( سفر أعمال الرسل 3-1) وشفاء بطرس لرجل أعرج، وفي خطاب لبطرس إلى جماعة من اليهود وحتى عام 70 ميلادي عد جماعة أتباع المسيح طائفة ضمن الديانة اليهودية، ولم يحدثوا ديناً جديداً مستقلاً بعد.   

    بعد رجم ستيفن المكلف من قبل الحواريين بتوزيع الطعام على الأسر اليونانية الفقيرة ترك الحواريون القدس خوفاً على أرواحهم وذهبوا إلى فينيقيا وقبرص وأنطاكية، وفيها أيضاً اقتصر نشاطهم على بث دعوة المسيح بين اليهود فقط،  [أعمال الرسل 11: 19]  ففي هذه البلدان ابتعدوا عن مناطق تواجد اليهود بكثافة وسطوة سلطاتهم الروحية التي أفتت بقتل ستيفن بتهمة الهرطقة وسب معتقداتهم ولم يعد يخشون على أنفسهم من مصير مماثل أو الاضطهاد ومع ذلك اقتصر نشاطهم التبشيري على اليهود، ولم يشملوا غير اليهود بذلك مع توفر الفرصة والإمكانات مما يثير التساؤل حول صحة التوجيه المتأخر لعيسى بنشر دعوته بين كل الأمم، ويتكرر ذلك في سلامية إذ يقصدون معابد اليهود لنشر الدعوة كما يؤكد ذلك أعمال الرسل [ أعمال الرسل 13: 5].

    شهد بطرس على نفسه بأنه لم يفعل شيئاً مخالفاً لعقائد وتعاليم اليهودية والمعبد [أعمال الرسل 25: 8]، وامتثل لعقيدته اليهودية عندما نزلت عليه سفرة من السماء فيها أنواع عدة من الحيوانات المحرمة لدى اليهود، وأمره صوت ثلاث مرات بذبحها وتناولها، وعلى الرغم من اقتناعه بأن الأمر صادر من الرب وبأن هذا الرب أرشده إلى أن ما "طهره الله لا تدنسه أنت"، لكن عقيدته اليهودية كانت أقوى إلى درجة أن يقول للرب: "كلا يا رب" لأنها "نجسة ومدنسة"، ومخالفة من تظنه ربك كفر صريح بالرب وتعاليمه [ أعمال الرسل، 10: 9-16].

   استهدف اليهود في كتابهم المعروف بالتوليدوت Toledot أو سيرة حياة يسوع تشويه حقائق ولادته وسمعة والدته وكذلك صدق واستقامة حوارييه، وتضمن الادعاء بأن بولص كان يهودياً مندساً بين أتباع عيسى، وفي بعض نسخ الكتاب زعموا بأن بولس هو العميل المزدوج.

بولس من عدو للمسيح إلى رسول للمسيحية

"لليهود كنت يهودياً" من رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس [ 9: 20]   

        كان بولس يهودياً من الطائفة السدوسية، المتميزة عن طائفة الصدوقيين بإنكارها لقيامة الأموات والمعاد ووجود الروح،  تعصب لدينه، وحرص على الحفاظ عليه، فما أن جاهر عيسى بدعوته وانقاد له بعض اليهود حتى عارضها بشدة وعنف، واعتبرها حركة انشقاقيه  وفتنة منحرفة واقتنع بأن استمرارها يمثل خطراً جسيماً على ديانته ووحدة شعبه، لذا ينبغي محاربتها واضطهاد أتباعها، ولم يتأثر بما وصل إلى أسماعه من كلام عيسى، أو بمعجزاته التي صنعها في العديد من مدن وبلدات اليهود، كما أن ثقافته اليونانية لم تدفعه إلى التجرد من تعصبه والنظر بموضوعية في دعوة عيسى لإصلاح الديانة اليهودية والتخلص من مما علق بها من تحريف وتشويه.

    بلغ التعصب ببولس درجة المشاركة النشطة والفاعلة في اضطهاد أتباع عيسى الأوائل، وقد شهد على نفسه بأنه كان يتقصاهم ويجرهم إلى السجون، وأندى ما فعله في تلك الفترة بحق أتباع عيسى مشاركته في تعذيب سيمون المسؤول عن توزيع الصدقات على الفقراء، حتى أوصله إلى القضاء اليهودي والحكم عليه بالقتل.[6]

   في رد أوغستين على جيروم أبدى اقتناعه التام بأن بولس كان يهودياً ملتزماً بما رأه صحيحاً من عقائدهم، وتطبيق أتباع عيسى لهذه العقائد والطقوس لا يضر بشيء من اعتقادهم بكون عيسى المسيح ورسالته واجبة التطبيق، مع اشتراط ألا يعتقدوا بأنها السبيل للخلاص، لأن لا خلاص إلا بتعاليم عيسى.  

    لم يتخلى بولس عن عقيدته اليهودية، كما أقرّ بذلك أمام يهود وعاتبهم على تسليمه للسلطات الرومانية: [ 28: 17]:

بعد ثلاثة أيام استدعى بولس الذين كانوا وجوه اليهود فلما اجتمعوا قال لهم أيها الرجال الأخوة مع أني لم افعل شيئاً ضد الشعب أو عوائد الآباء أُسلمت مقيدا من أورشليم إلى أيدي الرومانيين.

  رأى ثوماس أكويناس في مراسلاته مع جيروم بأن التزام بولس بتعاليم اليهودية أمر متوقع، فهو ولد يهودياً، وحافظ على الطقوس والعبادات اليهودية الأصيلة، وأظهر للأخرين من أتباع عيسى بأن لا ضير من هذه الممارسات الموروثة من الآباء والأجداد بشرط ألا يعتقدون بأنها الوسيلة للخلاص لأن هدي عيسى هو السبيل الوحيد لذلك[7].

   أول ما قصده رسل عيسى مجمعات أو معابد اليهود، ولم يثبطهم عن ذلك المخاطر وسوء المعاملة، وهو ما فعله بولس وسيلا في تسالونيكي [ أعمال الرسل 17: 1] وفي بيريه [ أعمال الرسل 17: 10]، وفي أثينا "كان يكلم في المجمع اليهود المتعبدين" [ أعمال الرسل 17: 17]، وفي أثينا ابتدأ تبشيره في معابد اليهود كعادته، وانتقل بعدها إلى كورينثوس ليعيد الكرة على اليهود، ولما يأس من اقناعهم جاهر بتغيير المستهدفين بالدعوة من اليهود إلى الأمم كما يتبين من الإصحاح الثامن عشر من أعمال الرسل [ 5-6]:

 ولما انحدر سيلا وتيموثاوس من مقدونيه كان بولس منحصراً بالروح وهو يشهد لليهود بالمسيح يسوع، وإذ كانوا يقاومون ويجدفون نفض ثيابه وقال لهم دمكم على رؤوسكم أنا بريء من الآن أذهب إلى الأمم.

  اشتكوه اليهود إلى حاكم المدينة بذريعة محاولته اقناع الناس بعبادة الرب "خلافاً للناموس"، فلم يستجب الحاكم لطلبهم إنزال عقوبة ببولس. لم ييأس بولس بعد ذلك من هداية اليهود لرسالة عيسى ويتحول إلى بث الدعوة بين غير اليهود فقط كما توعدهم، إذ توجه إلى إفسس لمتابعة نشاطه التبشيري، وفي رسالته إلى أهل رومية يؤكد على أن استحقاق الخلاص بفضل دعوة عيسى يكون لليهود أولاً ومن بعدهم لليونانيين [ 1: 16]: "لأني لست استحي بإنجيل المسيح لأنه قوة الله للخلاص لكل من يؤمن لليهودي أولاً ثم لليوناني"، ويعود للتأكيد على هذا الترتيب في الثواب والعقاب وذلك بذات الرسالة [2: 9-10]:

شدة وضيق على كل نفس انسان يفعل الشر اليهودي أولا ثم اليوناني، ومجد وكرامة وسلام لكل من يفعل الصلاح اليهودي اولا ثم اليوناني.

   انقسم أتباع المسيح بين طائفتين أو حزبين اختلفا حول ضرورة الاختتان لأتباع المسيح، وأطلقت تسمية حزب الاختتان على أولئك المصرين على ذلك، فبالنسبة لهم لا يكون الفرد مؤمناً برسالة عيسى إلا إذا كان يهودياً أو متهوداً، يؤمن بالديانة اليهودية ويطبق تعاليمها ويمارس طقوسها ومنها الاختتان، أما الحزب الثاني الذي تصدره بولس فهو على النقيض من ذلك إذ يستند إلى اعتقاد أساسي بأن عهد الرب مع عيسى قد حل محل العهد بين الرب والنبي موسى، لذلك فلا حاجة لمن يؤمن برسالة عيسى التهود أولاً، وهو في رسالته إلى غلاطية، ويعارض بحدة جماعة المسيحيين المتهودين Jewish Christians الذين فرضوا على كل من أراد اتباع رسالة عيسى التحول إلى اليهودية وتطبيق تعاليمها قبل قبولهم كأتباع لعيسى، ورفض بشدة دمج الديانة اليهودية مع دعوة عيسى لأن ذلك سيكون على حساب الدعوة، وكرر في رسائله بأن لا فرق بين اليهود واليونانيين، وكذلك بقية الأمم، لأن الرب واحد للجميع [رسالة بولس إلى أهل رومية: 10- 12].

   لم يجمع كافة الرسل على شرعية شمول غير اليهود بالرسالة، إذ يؤكد جيجير (2015) بأن قادة الرسل بطرس وجيمس وبولس اختلفوا بشدة، فبينما اقتنع بعضهم بنشر الرسالة بين كافة الأمم أصر آخرون على اقتصارها على اليهود[8]، على الرغم من توجيه عيسى بعد قيامته بأن اذهبوا إلى الأمم كافة، مما يدل على أنهم لم يتفقوا على حقيقة وصحة ذلك التوجيه أصلاً، مع اعتقاد المسيحيين بعصمتهم التي تمنعهم من مخالفته.

    في رسالة بولس إلى أهل غلاطية يشير إلى وجود ما يشبه توزيع مهام بين المبلغين بدعوة عيسى، يكون هو وبرنابا مكلفين بالدعوة بين غير اليهود أو ما يطلق عليه الأمم، بينما توجه بطرس بالدعوة بين اليهود [ 2: 7]: "اؤتمنت على انجيل الغرلة كما بطرس على انجيل الختان"، لكن ذلك لم ينهى الاختلاف الحاد بين بولس وبطرس حول عملية الدخول في الجماعة المؤمنة بعيسى ورسالته، إذ ظل بطرس محافظاً على اعتقاده بوجوب أن يتهود الفرد الراغب بدعوة عيسى أولاً، وبلغ الاختلاف درجة عالية وعلنية عندما هاجم بولس الرسول بطرس في أنطاكية لإجباره غير اليهود الراغبين بتبني دعوة عيسى على تطبيق التعاليم اليهودية، ووصفه بالمرائي  [ رسالة بولس إلى غلاطية [2: 11- 15]:

 ولكن لما أتى بطرس إلى أنطاكية قاومته مواجهة لأنه كان ملوماً، لأنه قبلما أتى قوم من عند يعقوب كان يأكل مع الأمم ولكن لما أتوا كان يؤخر ويفرز نفسه خائفاً من الذين هم من الختان، وراءى معه باقي اليهود أيضا حتى أن برنابا أيضا انقاد إلى ريائهم، لكن لما رأيت انهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الانجيل قلت لبطرس قدام الجميع ان كنت وأنت يهودي تعيش أممياً لا يهودياً فلماذا تلزم الامم أن يتهودوا، نحن بالطبيعة يهود ولسنا من الأمم خطاة.

   لعل تسمية "المسيحيون المتهودين" ينطبق على المسيحيين الأوائل في القدس، كما يرى دانيلو (1964)، وهم أتباع الحواري جيمس، وتميزوا بالاحتفاظ ببعض التعاليم والفرائض اليهودية إضافة إلى إيمانهم برسالة المسيح عيسى، وظلت ما عرفت بكنيسة القدس أو الفرقة النصرانية Nazarene الذين اعتقدوا بألوهية عيسى راسخة ومؤثرة حتى عام 70 ميلادي، ولم ينجح الحواري بولص في بسط عقيدته إلا بعد اجتياح الجيش الروماني للمدينة، وبعد سقوط القدس تفرق النصارى في البلاد وضعفت طائفتهم، ومن المحتمل انضمامهم إلى فرقة الأبونيت، لكن ظلت بقاياهم حتى القرن الثاني وربما ما بعد ذلك[9]، ويأتي ذكرهم وأبرز عقائدهم في عدد من سور القرآن الكريم.

    عزز الخلاف بين اليهود وأتباع المسيح حول أيهما أحق بوراثة الدعوات السابقة زعم بعض الوثنيين بأن المسيحية فرقة يهودية منشقة[10].

   في بداية القرن الميلادي الثاني كان أتباع المسيح لا يزالون منقسمين بين أتباع بولس الرافض للمرور عبر التهود إلى تبني دعوة المسيح والمصرين على أولوية التهود قبل المسيحية، ويتضح ذلك من دعوة أغناطيوس القديس إلى نبذ بعض المحسوبين من أتباع المسيح "الحياة كاليهود" أي التهود Judaizing لعدم جواز الجمع بين الديانتين لأن دعوة المسيح أزاحت وحلت محل اليهودية، ويبطل التهود مسيحية الفرد، ويصف اعتناق اليهودية أو البقاء عليها والادعاء باتباع نهج المسيح "بشاعة" مستهجنة monstrous، وهو أول من وصف هذا التقليد بهذه العبارات وسيكون هنالك آخرون مؤيدين له[11].

    يؤكد دانيليو (1964) بأن أتباع عيسى المسيح وحتى أواسط القرن الثاني الميلادي والمنتشرين في مختلف أصقاع الشرق الأوسط اتبعوا عقيدة يهودية في الجوهر[12]،   فقد كانوا يهوداً لا يختلفون عن بقية اليهود إلا في اعتقادهم بأن عيسى هو المسيح. ويرى دانيليو بأن المسيحين الأوائل اقتبسوا الكثير من عقائدهم وطقوسهم من الأسيني Essenes وهم طائفة يهودية ظلت مؤمنة باستمرار بعث الأنبياء في القرن الميلادي الأول، ويميز مرحلتين في علاقة المسيحيين بالأسيني، في أولاهما اقتصر الاقتباس على الجماعة المسيحية القاطنة في القدس وفي الثانية استمد المسيحيون المتهودون المزيد من ديانة الأسينيين، فأخذوا منهم على سبيل المثال مشاعة الملكية  ونبذ التضحيات الدموية واستبدال العبادة الحصرية في المعبد بالعبادة في الكون كله والاعتقاد بأن الحضور الآلهي في القلب لا في معبد القدس اليهودي[13].

    يتساءل جيجر (2015) Gager عن الهاجس الملح الذي دفع أغناطيوس إلى التحذير من تطبيق أتباع المسيح في أسيا الصغرى بعد أكثر من قرن من وفاة عيسى للتعاليم والطقوس اليهودية، ويجيب عليه باستعراض المجالات العديدة لتدين المسيحيين المتأثرة بالديانة اليهودية، بضمنها التعبد والصلوات والعطل واللاهوت والآخرة وطبيعة المسيح والأخلاق وتفسير التوراة وحتى الفن وغير ذلك[14]. وفي القرن الثالث للميلاد لم يكن قد تخلص المسيحيون تماماً من الإرث اليهودي مما حمل جون كريسوستم بطريك أنطاكيه إلى تقريع أتباع كنيسته لارتيادهم المعابد. اليهودية والمشاركة في صلوات اليهود.

    جادل بعض الباحثين المعاصرين وفقاً لهمفريز (2006) بأن تعدد عقائد وممارسات المسيحيين الأوائل يجعل من الصعب الاستنتاج بوجود عقيدة مسيحية واحدة وموحدة، مما يؤيد الافتراض بتعدد نسخ المسيحية في تلك الفترة[15].

خاتمة

   أُرسل عيسى بن مريم لليهود ليدعوهم إلى نبذ عقائدهم المنحرفة والعودة إلى تعاليم النبي موسى الأصيلة فرفضه غالبية اليهود وكهانهم وسعوا إلى التخلص منه وقتله بتهمة الهرطقة، ومنذ بدء دعوته وحتى وفاته أكد عيسى بن مريم مراراً وتكراراً أن الرسالة لليهود فقط وأنها لا تشمل غيرهم واستثنى منها حتى اليهود السامريين، وبعد وفاته وبعثه من الأموات وتجليه لحوارييه ولبولس الطرسوسي كما ادعوا ألغى هذا التوجيه الصارم ودعاهم إلى بث دعوته بين كافة الأمم، وهو تناقض جوهري لا مجال للقبول به لأنه يخل بعقيدة عصمة عيسى وصفات الرب السماوي، فأما أن تكون الرسالة منذ البدء لجميع الأمم أو أنها حرفت، وبما أنه طيلة فترة دعوته حصرها على اليهود فلابد أن يكون التحريف بتعميمها على بقية الأمم جاء في حديثه مع الحواريين أثناء تجليه لهم بعد قيامته المزعومة من الأموات.

   تمسك أصحاب عيسى بن مريم الأوائل بديانتهم اليهودية، والتزموا بتعاليمها ومارسوا طقوسها مع الاعتقاد بأن عيسى بن مريم هو المسيح المخلص، وبثوا رسالة عيسى بن مريم بين اليهود، مما يضيف دليلاً متيناً آخر على أن المستهدفين بالرسالة هم اليهود فقط، كما أصر  الحواري بولص على أن الراغبين باتباع دعوة عيسى عليهم أولاً التهود وممارسة التعاليم اليهودية بما في ذلك الاختتان والصلوات والأعياد وطهارة الطعام، فلا يوجد سبيل مختصر ينقلهم من ديانتهم غير اليهودية إلى اتباع عيسى، وهذا دليل آخر من أقرب الحواريين إلى عيسى بأن رسالة عيسى لليهود حصراً، وأن الادعاء بأن عيسى دعاهم إلى التبشير بها بين كافة الأمم بعد قيامته غير صحيح وإلا فلم خالفه بولص؟

     اقتحم بولس الطرسوسي دائرة أوائل اتباع عيسى بن مريم، وهو كان من قبل عدواُ لدوداً لعيسى ولهم، وسعى لدور قيادي بينهم،  ويبدو أنه كان حريصاً على حماية ديانته اليهودية من دعوة عيسى وإعادة توجيهها نحو جميع الأمم، وعارض بشدة عقيدة بولص بكون الدعوة لليهود فلابد على من يريد اتباعها بين غيرهم التهود أولاً، وكانت تلك بداية الديانة التي تعرف بالمسيحية والأجدر تسميتها البولسية أو الطرسوسية لأن بولس الطرسوسي هو من وضع عقيدتها الأساسية بكونها رسالة لكافة الأمم وليست حصراً على اليهود، وشاركه آخرون في صياغة بقية تعاليمها وعقائدها، واستمر مخاضها بعده، وتبنت طوائف عقائد متباينة وجاهر أفراد بعقائد مختلفة فحكم عليهم بالهرطقة، ولم تكتمل هذه الديانة التي مزجت بين تعاليم المسيح الأخلاقية وعقائد يهودية ووثنية وأخرى مختلقة ولم تكتسب الصفة الرسمية إلا في القرن الثالث بعد ميلاد عيسى بن مريم.

    لا يتطلب البرهان على زيف الديانة المسيحية جهداً كبيراً، والذي دفعني لذلك هو ذلك العدد الكبير من البشر الذين تدينوا بها من دون بذل ولو جهد قليل لإدراك حقيقتها، والأدهى من ذلك الجرائم الكبرى التي ارتكبها أتباعها بمسيحيين مثلهم وغيرهم، وتاريخ البشرية حافل بسجلات هذه الوحشية، ولم يتورع من يدعون بأنهم أتباع عيسى بن مريم الذي دعا إلى المحبة والسلام والتسامح والتآخي من سفك الدماء والعدوان والتسلط، فأسسوا الإمبراطوريات بالاحتلال والقهر بفتاوى قادة مسيحيين وتحت رايات حملت رموز المسيحية، واستعمروا البلدان وأذلوا واستغلوا شعوبها، وقتلوا رجالهم ونساءهم وأطفالهم، واستحوذوا على أراضيهم وخيرات بلادهم واستوطنوها حتى أوشك سكانها على الانقراض، وشنوا الحروب الدينية على المذاهب المسيحية المخالفة بذريعة الكفر والهرطقة، وأسسوا المحاكم الدينية الكنسية لإحراق المعارضين وأصحاب الأفكار الحرة بتهمة الكفر أو ممارسة السحر، ونبشوا كتبهم الدينية بحثاً عن نصوص ملتوية لتبرير استعباد الملايين من الأفارقة الزنوج، فهلك الملايين منهم في الطريق إلى مستعمراتهم وحقولهم، وساموهم شتى أنواع الخسف والاستغلال والتعذيب والقتل لأتفه الأسباب.

    تدعي الدول المسيحية بأنها متحضرة، وأن حضارتها نابعة من تراثها المسيحي-اليهودي، وشبه قائد سياسي أوروبي مؤخراً  قارتهم وما تناسل منها من دول ومستعمرات بالحديقة وبقية العالم بالغابة، وتناسى هو بأن هذه الحديقة خرجت منها الأيديولوجيات والتنظيمات التي زرعت الخراب في حديقته وبقية العالم ومنها النازية والفاشية والشيوعية والرأسمالية، كما أن في هذه الحديقة مقبرة هائلة تفتت فيها عظام حوالي ثمانين مليون "متحضر" من ضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية التي نشبت بين دولهم الأوروبية "المتحضرة"، وصنعت في مختبراتها ومراكز بحوثها أنواع الأسلحة الفتاكة والدمار الشامل الذرية والبيولوجية والكيماوية التي تهدد البشرية بالفناء وكوكب الأرض بالخراب.

   في الخلاصة لا مناص من الإقرار بأن فيما يعرف بالمسيحية وجذورها التوراتية المحرفة خطر داهم ظاهر ومستتر على حاضر ومستقبل هذه الأرض وسكانها  لذا لا بد من التصحيح قبل فوات الأوان.        

   

[1] St Tekla.org  نصوص العهد الجديد مستقاة من موقع الكتاب المقدس للأنبا تكلا هيمانوت

[2] Harrington, Daniel J. 1991 The Gospel of Matthew. Liturgical Press, p. 103.

[3] Gager, John G. 2015. Who Made Early Christianity: The Jewish lives of the Apostle Paul. New York Columbia University Press, p. 40.

[4] المصدر السابق، ص 42

[5] Joel Willitts, 2009. The friendship of Matthew and Paul: a response to a recent trend in the interpretation of Matthew's Gospel. HTS Theological Studies, vol 65, no.1, p. 150.

[6] Gager, John G. 2015. Who Made Early Christianity: The Jewish lives of the Apostle Paul, p. 33.

[7] Jeremy Cohen, "The Mystery of Israel's Salvation: Romans 11:25–26 in

Patristic and Medieval Exegesis," Harvard Theological Review 98, no. 3

(2005): 247–281.

[8] Gager, John G. 2015. Who Made Early Christianity: The Jewish lives of the Apostle Paul. New York Columbia University Press, p. 25.

[9] Jean Danielou, (1964) The Theology of Jewish Christianity. London: Darton, Longman & Todd, pp. 8-9.

[10] المصدر السابق، ص 37-38.

[11] Ignatius, Magnesians.

[12] Jean Danielou, (1964) The Theology of Jewish Christianity. London: Darton, Longman & Todd, p. 9.

[13]Danielou, المصدر السابق ،pp. 30-36.

[14] Gager, John G. 2015. Who Made Early Christianity: The Jewish lives of the Apostle Paul, p. 3.

[15] Mark Humphries, 2006. Early Christianity. London: Routledge, p. 13.

بولس.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!