إنَّ كفالة اليتيم بالمعنى العام المعهود هي معروفة عند الناس، بأنْ يقوم أحد من الناس بشؤون اليتيم في جانب من جوانبه الاحتياجية المادية، مثل الطعام أو العلاج أو اللباس أو السكن وغيرها مما معروف في جميع المجتمعات البشرية، وهي (الكفالة المادية).
ولكن في الموروث المحمدي عن الإمام الجواد "عليه السلام" هناك بيان لنوع آخر مهم من الكفالة وهي (الكفالة المعرفية) القائمة على:
بناء العقل والروح .. وليس على بناء الجسد فحسب!!
وبناء التربية والأخلاق .. وليس على بناء الأحجار فحسب!!
وبناء العقيدة التي تحصن صاحبها .. وليس على تلبية اللذات والحاجات فحسب!!
وهذا ما سيتم بيانه في واحدة من الروائع الجوادية للنهضة الفكرية والتربوية كما روي عنه "عليه السلام".
حيث روي أنه قال:
((مَنْ تَكَفَّلَ بِأَيْتَامِ آلِ مُحَمَّدٍ، الْمُنْقَطِعِينَ عَنْ إِمَامِهِمْ، الْمُتَحَيِّرِينَ فِي جَهْلِهِمْ، الْأُسَارَى فِي أَيْدِي شَيَاطِينِهِمْ، وَفِي أَيْدِي النَّوَاصِبِ مِنْ أَعْدَائِنَا، فَاسْتَنْقَذَهُمْ مِنْهُمْ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ حَيْرَتِهِمْ، وَقَهَرَ الشَّيَاطِينَ بِرَدِّ وَسَاوِسِهِمْ، وَقَهَرَ النَّاصِبِينَ بِحُجَجِ رَبِّهِمْ وَدَلَائِلِ أَئِمَّتِهِمْ؛ لِيَحْفَظُوا عَهْدَ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ بِأَفْضَلِ الْمَوَانِعِ، بِأَكْثَرَ مِنْ فَضْلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، وَالْعَرْشِ، وَالْكُرْسِيِّ، وَالْحُجُبِ عَلَى السَّمَاءِ، وَ فَضْلُهُمْ عَلَى الْعِبَادِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى أَخْفَى كَوْكَبٍ فِي السَّمَاءِ)).
ومما يمكن بيانه في هذه النهضة المعرفية الآتي :
*أولًا : هل هذا حال الأمة في الواقع كما في الرواية الجوادية؟
الجواب ..
نعم .. ولو تأملنا في حال المؤمنين بعد وفاة النبي وانحراف الأمة عن مصدر الوحي في الإمامة لرأينا تلك الخلافات والانشقاقات والانحرافات في المجالات المتعددة، والتاريخ يشهد بذلك؛ حتى آل أمر الأمة إلى فِرق وأحزاب شتى.
ثانيًا : ما صفات تلك الأحوال المحدقة بالمؤمنين؟
الجواب ..
نعم .. فهذه حالات أربعة رئيسة تحيط بهم، ولها أثر كبير على عقيدتهم، ومعرفتهم، وارتباطهم بالشريعة المقدسة، وهي:
١- غيبة المعصوم المباشرة عنهم.
٢- الجهل العام الذي يكونون عليه.
٣- عداء الشيطان وحبائله ومكائده.
٤- عقائد النواصب وأعداء الحق وأحزابهم وأشياعهم.
فهذه الحالات الأربعة تصنع أمة ضعيفة عقديًّا ومعرفيًّا، ومستعدة للضلال والانحراف جيلًا بعد جيل، وخصوصًا إذا كان (السلطان) يعمل منهجيًّا على تكريس ذلك، كما رأينا في التاريخ، وما أيام البعث الكافر عن المؤمنين في العراق ببعيد!!
ثالثًا : ما هي مسؤولية العلماء والمصلحين؟
الجواب ..
النهضة المعرفية العقدية القائمة على أسس متعددة منها:
١- إنقاذ المؤمنين (الأيتام .. اليتم المعرفي) من حالة الجهل العام إلى المعرفة العامة في الجوانب المختلفة، وهذا أمر واقع في المجتمع، ويجب العمل على ذلك، وخصوصًا حاجة الشباب.
٢- نشر العقيدة الخالصة القائمة على أسس ثابتة وفق القرآن الكريم والسنة الشريفة؛ لتظهر آثارها في التحصين العقدي المعرفي، وهذا أمر واقع في المجتمع، وخصوصًا حاجة الشباب إلى ذلك.
٣- إيجاد المنهج الواضح لإعادة العلاقة بين العبد وربه، أو ترسيخها وتقويتها؛ حتى يتحقق معنى (العبودية) ويؤدي المؤمن الحق الذي عليه تجاه الله وهو (حق الطاعة)، وهذا أمر موجود في الواقع، وخصوصًا حاجة الشباب إلى ذلك؛ حيث تنوع الإغراءات.
*رابعًا: ما هو ثواب هذه الكفالة المعرفية؟
الجواب ..
يقينًا تلك المنزلة الرفيعة، وثواب أداء رسالة الأنبياء بإخراج الناس من الظلمات إلى النور من جهة، وإحياء النفوس بالمعرفة بعد موتها بالجهل وثواب إحياء نفس واحدة هو عظيم جدًّا كما معلوم من جهة ثانية، وإدخال السرور على النبي وآله في رحمة شيعتهم (أيتامهم) بهذه الكفالة العظيمة ثالثًا ..
أخيرًا ..
إنها دعوة جوادية للنهضة المعرفية في الأمة منذ قرون، ولا زال صداها في التاريخ، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون .. والسلام


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!