مقدمة: في رحاب التوحيد العلوي
تعد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) المنهل الأصيل لفهم مراتب التوحيد وتنزيه الذات الإلهية. ومن أسمى ما جاء في أدعيتهم وخطبهم (لاسيما في نهج البلاغة وأدعية الصحيفة السجادية)، تلك العبارات التي تقطع كل صلة للمخلوق بمقام الخالقية استقلالاً أو معاونة. ومن ذلك قولهم: "وَلا اتَّخَذَ مُعيناً حينَ بَرَأ النَّسَماتِ"، وهي جملة تختصر عقيدة "التوحيد الأفعالي" وتنفي أي توهم للنقص في القدرة الإلهية.
أولاً: كمال الغنى ومقام "البارئ"
تبدأ العبارة بنفي "المُعين"، وهو الظهير أو المساعد. وفي العقيدة الشيعية، يُعتبر الله سبحانه "غنيّاً لذاته"، وكل ما سواه "فقير لذاته". فحينما خلق الله (بَرَأ) الأرواح والنفوس (النَّسَمات)، لم يكن ذلك عن حاجة لقوة خارجية، ولا عن عجز يحتاج إلى سد ثغرة بمساعد. إن "البرء" هو إيجاد الشيء من العدم المحض بكلمة "كن"، وهذا النوع من الإيجاد لا يقبل المساعدة، لأن المساعد نفسه هو مخلوق ومفتقر في وجوده للبارئ، فكيف يعين الفقيرُ الغنيَّ؟
ثانياً: نفي التفويض والغلو
يمثل هذا المقطع العقدي سداً منيعاً ضد فكرتين منحرفتين طرأتا في التاريخ الإسلامي:
1. المُفوِّضة:الذين ادعوا أن الله خلق النبي والأئمة ثم فوّض إليهم خلق العالم وتدبيره استقلالاً، فجاءت نصوص أهل البيت عليهم السلام لتؤكد أن الله لم يتخذ مُعيناً لا في الابتداء ولا في الاستمرار.
2. الغلاة:الذين رفعوا المخلوق إلى مقام الخالق. فهذه العبارة تؤكد أن الأئمة (عليهم السلام) رغم عظيم شأنهم، هم "نسمات" مبروءة (مخلوقة)، والمخلوق لا يكون مُعيناً لخالقه.
ثالثاً: الفرق بين "المُعين" و"الواسطة"
قد يتبادر للذهن تساؤل حول دور الأنبياء والأوصياء عليهم السلام في تدبير شؤون الخلق بإذن الله. والمنهج الشيعي يفرق بدقة بين الأمرين:
الاول :-المُعين المنفي:هو الذي يملك قدرة من نفسه يضيفها إلى قدرة الخالق. وهذا محال وشرك.
الثاني :- الواسطة المثبتة (بإذن الله):هم "وسائط الفيض"؛ أي أن الله تعالى أجرى سنته في الخلق أن تصل نِعمه ورحمته وعلمه عبر قنوات شريفة (وهم آل محمد). فهم ليسوا "معينين" لله، بل هم "أدوات" لإرادته ومظاهر لمشيئته، تماماً كما أن الشمس لا تحتاج للنافذة لتضيء، لكن النافذة هي الطريق لمرور الضوء إلى الدار.
رابعاً: الأثر التربوي والعقدي
إن إيمان المؤمن بأن الله لم يتخذ مُعيناً حين خلق الأرواح، يورثه "الانقطاع التام"لله عز وجل. فإذا كان الخالق لم يستعن بأحد في أصل الإيجاد، فمن باب أولى أنه لا يحتاج لوسيط في استجابة الدعاء أو رزق العباد، وإنما نتوسل بالأولياء كـ "وجهاء" عند الله، لا كـ "شركاء" أو "معينين" له.
خاتمة
إن عبارة *"وَلا اتَّخَذَ مُعيناً حينَ بَرَأ النَّسَماتِ"* هي صرخة توحيدية تعيد العقل البشري إلى جادة الصواب، مؤكدة أن الله عز وجل هو المتفرد بالخلق والتدبير، وأن كل ما سواه — مهما علا مقامه من ملك مقرب أو نبي مرسل — هو عبد خاضع لإرادته، ومخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً إلا بمشيئة الله الواحدة الأحد.
وان الله سبحانة وتعالى لم يشهد ولم يجعل له شاهد على خلق
وفطر السماوات والأرض ولم يجعل له معين حين بره النسمات فهو القادر على برء النسمات
في حين أن هذه المسألة حيرت الكثير من العلماء في خلق ونشوء الكون وهناك نظريات كثيرة على أنه كيف خلق هذا الكون وكيف وجد هذا الكون آخرها نظرية الأنشطار الكوني وهي تبقى نظرية حيرة لب وعقل الكثيرين من علماء الفيزياء وغيرهم فيما لو تأملوا في كلمات وأدعية النبي وأهل بيته عليهم السلام لوجدوا الحلقة المفقودة التي يبحثون عنها وحيرتهم.


التعليقات
يوجد 2 تعليق على هذا المقال.
توحيدياً عميقاً،
ومن الناحية الفلسفية، فإن الممكنات كلها فقيرة في أصل وجودها، فلا يمكن أن تكون عوناً للواجب الوجود؛ لأن المحتاج لا يمنح الاستغناء، والمعلول لا يكون سنداً لعلته. ولهذا كان الخلق الإلهي تجلياً للقدرة المطلقة لا عمليةً مركبة تحتاج إلى أدوات خارج الذات الإلهية.
كما أن التفريق بين (المعين) و(الواسطة) تفريق دقيق ومهم؛ فالأنبياء والأوصياء عليهم السلام ليسوا شركاء في الخلق، بل مظاهر لأمر الله ومجاري لفيضه، (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله).
أما ربط هذه الحقيقة بحيرة العلوم الحديثة في تفسير نشوء الكون، فهو إشارة ذكية إلى حدود العقل التجريبي؛ فالعلم يستطيع أن يفسر (كيف تتشكل الأشياء) لكنه يقف حائراً أمام سؤال: (لماذا وُجد الوجود أصلاً؟) وهنا يأتي الوحي ليكشف أن أصل الكون قائم على إرادة واجب الوجود الذي لا يحتاج إلى معين ولا شاهد على فعله.
فالمقدمة نجحت في الجمع بين العقيدة والكلام والفلسفة والعرفان بلغة متوازنة، وأعادت توجيه النظر إلى أن ?التوحيد الخالص لا يكتمل إلا بنفي كل استقلال عن غير الله سبحانه وتعالى.
أحسنتم وفقكم الله...
اعطاء المطلب حقه