كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مُقابَلَةُ الإِسَاءَةِ بِالإِحْسَانِ.. قِصَّةُ العَالِمِ الَّذِي كَافَأَ مَنْ شَتَمَهُ

 
  الآيةُ الكريمةُ: ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
أرادَ أحدُ الخطباءِ والوعاظِ المعروفينَ في كربلاءَ بَيْعَ دارِهِ لسدادِ ديونِهِ، فقال له المشتري: "إذا وقَّعَ السيدُ الآخوندُ على وثيقةِ البيعِ؛ فأنا حاضرٌ لشرائِها، وإلا فلا".
  كانت هناك انقساماتٌ بين العلماءِ والطلابِ إبانَ أحداثِ "المشروطة"، وكان هذا الخطيبُ من أكبرِ المسيئينَ للمرحومِ الآخوندِ الخراسانيِّ، حيثُ كان يسبُّهُ دائماً وفي كلِّ مكانٍ.
  لم يكن الواعظُ مستعداً للذهابِ إلى الآخوندِ بأيِّ ثمنٍ؛ لأنهُ نالَ منهُ علناً مراراً بسببِ مواقفِهِ السياسيةِ، وكان يخشى أنْ يتعرضَ له أحدٌ في منزلِ الآخوندِ أو أنْ تتعرضَ حياتُهُ للخطرِ، لكنَّ ضيقَ الدَّيْنِ أجبرَهُ على السفرِ من كربلاءَ إلى النجفِ والدخولِ على الآخوندِ.
  استقبلَهُ الآخوندُ باحترامٍ فائقٍ وأجلسَهُ إلى جانبِهِ، وأبدى سرورَهُ بلقائِهِ، فذكرَ الواعظُ سببَ مجيئِهِ قائلاً: "رجائي الوحيدُ هو أنْ توقِّعَ أسفلَ هذه الوثيقةِ لأتمكنَ من بَيْعِ منزلي"، فأخذَ الآخوندُ السندَ منهُ، وبعدَ أنْ قرأَهُ وضَعَهُ تحتَ "الفراشِ" الذي يجلسُ عليه!
 اضطربَ قلبُ الواعظِ وقال في نفسِهِ: "لقد أظهرَ هذا الرجلُ باطنَهُ أخيراً، فهو لم يمتنعْ عن التوقيعِ فحسب، بل صادرَ السندَ ليزيدَ من معاناتي".
 قامَ الآخوندُ وأخرجَ من خزانَتِهِ عدةَ أكياسٍ من "الليراتِ" وأعطاها للواعظِ قائلاً: "أنتَ من أهلِ العلمِ، وأنا لا أرضى أبداً أنْ يقعَ أهلُ العلمِ في الضيقِ والاضطرابِ. خذ هذه الأموالَ وسددْ بها دَيْنَكَ، ولا تَبِعْ منزلَكَ ولا تُشرِّدْ زوجتَكَ وأطفالَكَ، وإذا حدثتْ لكَ ضائقةٌ أخرى -لا قدرَ اللهُ- فتفضلْ بالمجيءِ إلينا مرةً ثانيةً".
  ذهلَ ذلك الشخصُ وخجلَ وتملكَتْهُ الحيرةُ من كلِّ هذا التسامحِ والنبلِ الذي أظهرهُ هذا الرجلُ العظيمُ.

694285865_1450582200082794_3994038511158392019_n.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!