لا يصحّ إلقاء اللّائمة على الدّين في الإخفاقات السياسيّة في المجتمعات الدّينيّة والمحافظة؛ فإنّ حقّانيّة الدّين وتأكيده على المبادئ الفطريّة والحكيمة لن تستتبع بالضرورة صلاح أحوال الناس، بل لا بُدّ من حسن فهم الناس لتلك المبادئ والاهتمام بتطبيقها، ومتى لم تكن الحاضنة للدين حكيمة وفاضلة ومعنيّة بتطبيق المبادئ الصحيحة فإنّ التعاليم الحكيمة والفاضلة والملائمة لن تُتلقّى تلقيًّا صحيحًا، ولو تُلُقّيت لم يُعمَل بها، بل تُجعَل غطاءً لتصرّفاتٍ خاطئة ومتعسّفة، ففهم المبادئ وحسن تلقّيها يحتاج إلى حاضنة مناسبة لها وإرادة بانية عليها.
ومن الناس مَن يَحسب على الدّين كلّ مشكلة أُقحم فيها اسم الدّين واستُغلّ استغلالًا وإن لم تكن قد نشأت من الدّين؛ لأنّه يعتقد أنّه لم تكن لتقع تلك المشكلة أو لم تعظم لولا إمكان هذا الاستغلال -سواء كان هذا الاستغلال خداعًا متعمّدًا أو اجتهادًا ناشئًا من سوء فهم الدّين أو غير ذلك- فإنّ المهمّ أنّ وجود الدّين هو الذي سهّل تحقّق هذه المشكلة، ولولا الدّين لم يتأتَّ التمويه على الناس، وليس هناك من سبيل لسدّ هذا الباب لانفتاح باب الاجتهاد، وعدم تيسّر حسم الموضوع بشكل نهائيٍّ أبدًا.
وهذا ليس صحيحًا؛ فإنّ الدّين إذا كان يمثّل واقع الحياة وجزءًا من فطرة الإنسان فلا معنى لإلقاء اللوم عليه لمجرّد استغلاله، علمًا أنّ نظير هذا الاستغلال يقع في سائر المبادئ الحقّة والصائبة، مثل جملة من قوانين حقوق الإنسان؛ إذ يلاحَظ مقدار استغلالها للمآرب السياسيّة من الدول الكبرى وانتهاكها في حقّ المجتمعات الضعيفة عن الدفاع عن نفسها.
وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في مثل هذه الموارد أنّها: «كَلِمَةُ حَقّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ»، وهذا يرشد إلى أصل كلّيٍّ في طبيعة الإنسان، وهو أن يغطّي السلوكيّات الخاطئة بغطاء من القيم والمعاني الحقّة؛ كي تقوم له الحجّة في مقام إقناع الآخرين أو مجادلتهم، بل قد تقنع بها نفسه أيضًا كنوع من الخداع النفسيّ.
ومَن ظنّ أنّ السبيل للحيلولة دون وقوع هذا الاستغلال بنشر الشكّ في الدّين فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فإنّ هذا التشكيك لا يحسم المشكلة، بل يؤدّي إلى تفاقمها ويساعد على مزيد من استغلال الدّين، وإيجاد الفرقة والعنف باسم الدّين، ولكن من الناس مَن يتحدث في علاج المشاكل الاجتماعيّة بخواطر ذهنية غير مبنية على فهم ناضج للسنن الاجتماعيّة ومقتضياتها.
(القواعد الفطرية العامة، السيد محمد باقر السيستاني: ص٤٣١)
التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!