كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

متى يكون الولد (ريحانةً) من الله؟

 بسم الله الرحمن الرحيم
 
قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله: الوَلَدُ الصَّالِحُ رَيْحَانَةٌ مِنَ الله قَسَمَهَا بَيْنَ عِبَادِهِ، وَإِنَّ رَيْحَانَتَيَّ مِنَ الدُّنْيَا الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ! (الكافي ج6 ص2).
وعنه صلى الله عليه وآله: إِنَّ الوَلَدَ الصَّالِحَ رَيْحَانَةٌ مِنْ رَيَاحِينِ الجَنَّةِ! (الكافي ج6 ص2).
 
عندما نتأمل في كلمات رسول الله (ص) نجدُ أنَّه يَعُدُّ الولد ريحانةً، أو ينزِّله منزلة الريحان، وهو هنا يحتمل معنيين كما في كتب اللغة، فالرَّيْحان: اسمٌ جامعٌ للرَّيَاحِين الطيِّبة، والرَّيْحان هو الرزق (كتاب العين ج‏3 ص294).
 
وعلى هذا فهما إما معنى حقيقيّ، حيث يكون الولدُ رزقاً من الله تعالى، أو مجازي، حيثُ يكون كالريحان يُستطاب ويُشمّ ويستلذّ به، كما أشار الشريف المرتضى بقوله:
فأمّا الوجه الذي يكون به حقيقة: فهو أن يكون الريحان بمعنى الرزق.
وأمّا الوجه الذي يكون به استعارة: فهو أن يكون «الريحان» هاهنا يريد به النبت المخصوص الذي يستطاب للشميم، فجعل الولد بمنزلته؛ لأنّه يستلذّ شمّ ريحه (المجازات النبوية ص75).
 
ومهما يكن، فإنَّ الولد في الحديث ليس ريحانةً على الإطلاق، فالتعابير النبويَّة في غاية الدِّقة، والنبي (ص) لم يقل إن (الولد) مطلقاً هو ريحانة، بل قَيَّدَ ذلك بـ (الولد الصالح).
 
فالولد الصالح بناءً على المعنى الأول هو رزقٌ من الله لعباده، ومصاديق الرزق كثيرةٌ تشمل ما قد لا نتصوَّره، كالعقل والإيمان والمعرفة والتوفيق وغير ذلك.
وعلى المعنى الثاني يكون كنايةً عمَّا يأنس به الأهل من طِيب ولدهم، وكأنَّ أنسهم به في الدنيا كأُنسِهِم برياحين الجنة.
 
ويشير إلى هذا المعنى حديثٌ آخر له (ص): مِنْ سَعَادَةِ الرَّجُلِ الوَلَدُ الصَّالِحُ (الكافي ج6 ص3)، وهذا أمرٌ يلمسه كلُّ أحدٍ، حينَ يُسرُّ بولده الصالح ويأنس به.
وقد ورد في حديث الإمام الصادق عليه السلام أنَّ الولد ميراثُ الله لعبده المؤمن، فعنه (ع): مِيرَاثُ الله مِنْ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ الوَلَدُ الصَّالِحُ يَسْتَغْفِرُ لَهُ (الفقيه ج3 ص481).
 
ولئن كان الإنسان يأنس بطبعه بأولاده، فإنَّ الصالح منهم وحده هو ميراث الله ورزقه، وريحانة الجنة وطيبها، ومصدر السعادة الحقيقية، وهو الذي يجتمع فيه المعنيان معاً.
أما إن لم يكن الولد صالحاً، فقد يكون شراً وبلاءً، فيصبح نظيراً لغلام قصة الخضر عليه السلام الذي قال الله فيه: ﴿وَأَمَّا الغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾.
 
لقد أمر الله وليَّه بقتل الغلام حِفظاً لأبويه من أن يُرهقهما ًطغيانا وكفراً؛ فكان صلاح الأبوين في سلب ولدهما لا في إبقائه!
مِن ثمَّ عوضَّهما الله تعالى ما هو أعظم، وفي ذلك يقول الإمام الصادق عليه السلام: أَبْدَلهمَا الله عَزَّ وَجَلَّ مَكَانَ الِابْنِ ابْنَةً، فَوُلِدَ مِنْهَا سَبْعُونَ نَبِيّاً! (الفقيه ج3 ص491).
 
فما أسوأ ما يراه بعضُ النّاس خسارةً عندما يختار الله لهم البنات، وقد يكون الخيرُ كلُّ الخير فيهن، كما قد تكون أسباب الفساد في البنين!
 
دور الوالدين: إعانة الولد على البِرّ
 
إنَّ كونَ الولدِ هِبَةً ربانيةً أو امتحاناً إلهياً، لا ينافي عظيم تأثير الوالدين في تنشئته وتوجيهه نحو الصلاح، وإعانته على الوصول لمبتغاه.
يقول رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله: رَحِمَ الله وَالِدَيْنِ أَعَانَا وَلَدَهُمَا عَلَى بِرِّهِمَا! (الكافي ج6 ص48).
 
ولما سُئل في حديثٍ آخر: كَيْفَ يُعِينُهُ عَلَى بِرِّهِ؟
قَالَ: يَقْبَلُ مَيْسُورَهُ، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ مَعْسُورِهِ، وَلَا يُرْهِقُهُ وَلَا يَخْرَقُ بِهِ، فَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَصِيرَ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الكُفْرِ إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي عُقُوقٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ (الكافي ج6 ص50).
 
إنَّ مِن أوجب الواجبات برُّ الوالدين، لكنَّ الحديث النبويّ هنا يحمل معنىً لافتاً، حيث قد يكون الآباء سبباً وعاملاً مؤثراً في عقوق ابنهما لهما!
ويتحقق ذلك حين يرهق الأهلُ ولدَهم بما يفوق قدرته! أو عند القسوة عليه في غير موضع القسوة، فتتولد لديه ردة فعلٍ تجعله قاطعاً لهما؛ وحينها يكونان قد أعاناه على العقوق.
 
إنَّ الشريعة تطلب التوازن والوسطية في الأمور؛ فقبول الميسور والتجاوز عن المعسور يجنِّبُ الولدَ الانزلاق شيئاً فشيئاً إلى قطيعة الرحم، التي عدّها الحديث من حدود الكفر، بالخروج عن طاعة الله.
ولخطورة هذا الأمر، يترقى التحذير النبوي ليقول: يَا عَلِي،‏ لَعَنَ الله وَالِدَيْنِ حَمَلَا وَلَدَهُمَا عَلَى عُقُوقِهِمَا! (الفقيه ج4 ص372).
 
فإذا أساء الوالدان في تربية الولد، وأنشآه على نحوٍ أوصله إلى العقوق، كانا ملعونين بفعلهما، أي معاقبين عليه، لأنَّ الولد أمانةٌ في رقبتهما، سيسألان عن أدائها وعن التفريط فيها.
 
وكما أن العقوق يقع من الأبناء تجاه الآباء، يقع كذلك من الآباء حين يسيئون في هذه التربية ويوصلون أبناءهم للعقوق، ولهذا قال صلى الله عليه وآله: يَلْزَمُ الوَالِدَيْنِ مِنَ العُقُوقِ لِوَلَدِهِمَا مَا يَلْزَمُ الوَلَدَ لهُمَا مِنْ عُقُوقِهِمَا! (الكافي ج6 ص48).
 
حب الأطفال والرحمة بهم
 
لا تقتصر إعانة الآباء لأبنائهم على التربية العملية، بل تتعداها إلى العطف والرحمة كغذاءٍ روحيّ!
يقول رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله: مَنْ قَبَّلَ وَلَدَهُ كَتَبَ الله عَزَّ وَجَلَّ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ فَرَّحَهُ فَرَّحَهُ الله يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ عَلَّمَهُ القُرْآنَ دُعِيَ بِالأَبَوَيْنِ فَيُكْسَيَانِ حُلَّتَيْنِ يُضِي‏ءُ مِنْ نُورِهِمَا وُجُوهُ أَهْلِ الجَنَّةِ (الكافي ج6 ص49).
 
هذه الشفقة ليست تَرَفاً، بل علامةٌ على سلامة القلب! ومادَّةٌ يحتاجها الولد في نشأته كلَّ حين.
لقد دخل رجل على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يظنُّ أنَّ القوة في القسوة والجفاء! فقال متفاخراً أمامه صلى الله عليه وآله: مَا قَبَّلْتُ صَبِيّاً قَطُّ!
فلمَّا ولَّى قال عنه رسول الله: هَذَا رَجُلٌ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ! (الكافي ج6 ص50).
 
لقد كشف هذا الحديث عن الملازمة بين انعدام الرحمة تجاه الأولاد وبين الهلاك!
إنَّ القسوة والشدَّة في غير محلها تورد المهالك، بينما تتنزل الرحمة الإلهية بالمحبة والشفقة، كما قال الصادق عليه السلام: إِنَّ الله لَيَرْحَمُ العَبْدَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِوَلَدِهِ! (الكافي ج‏6 ص50)، ذاك حينما ينمو الابن ويتغذى على المودة والرحمة، كما يتغذى على الطعام والشراب.
 
تأديب الأطفال وصياغة وعيهم
 
لقد ورد في وصية أمير المؤمنين لولده الحسن عليهما السلام ما يصحُّ أن يكون منهجاً في التعامل مع الأبناء في عالم التربية، حيث يشير عليه السلام إلى أهميَّة النصح والتعليم والتربية في المراحل الأولى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ!
 
وَإِنَّمَا قَلْبُ الحَدَثِ كَالأَرْضِ الخَالِيَةِ، مَا أُلقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْ‏ءٍ قَبِلَتْهُ. فَبَادَرْتُكَ بِالأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ.. وَأَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ، وَشَرَائِعِ الإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِه.. (نهج البلاغة الرسالة31).
 
الأئمة معصومون مطهَّرون، لكنَّ هذه الرسالة تكشف عن أهميَّة وضرورة المبادرة بالتأديب، قبل أن تجتاح غلبات الهوى قلب الشاب فيصبح (كالصعب النفور)، عصياً على قبول الحكمة والموعظة والنصيحة.
وقلب الحدث كالأرض الخالية؛ إن بَذَرتَه بصلاحٍ أثمر، وإن تركته للأشواك ماتت فيه بذور الخير، وكلما كانت بذرة الخطايا شديدةً في الصِّغَر، كلما كانت أكثر تأثيراً في الكبر، وهكذا بذرة الصلاح.
 
على أنَّ مِن ثمار الاهتمام بالولد في أول نشأته هو التخلص مما يورث إلفةً مع المنكرات في صغره، حيث يمرّ ذلك بمراحل عدة:
 
فأولاً: تسقط الحواجز بينه وبين الفعل القبيح، وتتضاءل قوَّة المانع وتنهار.
وثانياً: يحصل الأنس بالقبائح، فلا يراها على حقيقتها القبيحة بعد ذلك.
وثالثاً: يقتحم ما كان مستهجَناً مستغرباً وهو محبٌّ له، وينهمك المعاصي، ويرى التحرُّرَ من القيود وطاعة الله حريَّةً وفتوَّة، فيسير في طريق الكفر والضلال.
 
ولَنِعمَ البدء في منهج التعليم كتاب الله، المعجزة الخالدة، بظاهره، وباطنه المأخوذ عن آل محمد (ص)، لأن من لم يأخذ القرآن من أهل التأويل ضَلَّ وأضلَّ.
ثم شرائع الإسلام وأحكام الحلال والحرام، فما من شيء يتعرَّفَ عليه المرء بأولى منها، وهي التي يحتاجها في كل مفاصل حياته.
 
ابتلاء المؤمنين بأولادهم
 
إلى جانب مسؤولية التربية، يأتي الابتلاء بالأولاد كرحمةٍ وكفارة!
حيث أن أَلَمَ الأهل لمرض أولادهم قد يكون أشقَّ عليهم مما يصيبهم بأنفسهم من أمراض وبلاءات!
 
يقول أمير المؤمنين عليه السلام عن المرض يصيب الصبي: كَفَّارَةٌ لِوَالِدَيْهِ! (الكافي ج6 ص52).
وقد كان يونس بن يعقوب يئنُّ أمام الإمام الصادق عليه السلام لِتَأَذِّيه سَهَرَاً على طفله المريض، فَحَدَّثَه الإمام أنَّ النبي وعلياً عليهما السلام كانا يئنان لبكاء الحسن والحسين، حتى نزل جبرئيل مبشراً: سَيُبْعَثُ لِهَؤُلَاءِ القَوْمِ شِيعَةٌ إِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ فَبُكَاؤُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الله إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ سَبْعُ سِنِينَ!
فَإِذَا جَازَ السَّبْعَ فَبُكَاؤُهُ اسْتِغْفَارٌ لِوَالِدَيْهِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ عَلَى الحَدِّ!
فَإِذَا جَازَ الحَدَّ فَمَا أَتَى مِنْ حَسَنَةٍ فَلِوَالِدَيْهِ! وَمَا أَتَى مِنْ سَيِّئَةٍ فَلَا عَلَيْهِمَا! (الكافي ج6 ص52).
 
هذه رحمةٌ عظيمةٌ حيث تُكفَّرُ سيئات الآباء المؤمنين، ويُشرَكون في صالح أعمال أبنائهم!
من ثمَّ تبلغ رحمة الله حداً عظيماً عند ابتلاء المؤمنين بفقد أولادهم!
 
يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: أَ مَا عَلِمْتُمْ أَنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟! حَتَّى بِالسِّقْطِ يَظَلُّ مُحْبَنْطِئاً عَلَى بَابِ الجَنَّةِ.. يَقُولُ: لَا أَدْخُلُ حَتَّى يَدْخُلَ أَبَوَايَ قَبْلِي..
فَيَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمَلَكٍ مِنَ المَلَائِكَةِ: ائْتِنِي بِأَبَوَيْهِ، فَيَأْمُرُ بِهِمَا إِلَى الجَنَّةِ! فَيَقُولُ: هَذَا بِفَضْلِ رَحْمَتِي لَكَ! (الكافي ج5 ص334).
 
فإذا كان السقط ينال به أبواه هذه الكرامة، فكيف بمن يُفقَدُ شاباً! وهو قرَّةُ العين لأهله؟!
وفي هذا يقول الصادق عليه السلام: وَلَدٌ يُقَدِّمُهُ الرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ وَلَداً يُخَلِّفُهُمْ بَعْدَهُ، كُلُّهُمْ قَدْ رَكِبُوا الخَيْلَ وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله! (الكافي ج3 ص217).
 
هذه بعضُ رحمة الله النازلة على الأبوين الصابِرَين عند فقد الولد، وهي مصداقٌ لقاعدة السماء: المؤمن رابِحٌ في كلِّ أحواله!
إن رُزق الوَلَدَ فهو ريحانة يأنسُ بها!
وإن سُلب الولد ففي ذلك الخير والصلاح والثواب الجزيل!
 
رغم ذلك.. يسأل المؤمنُ الله العافية له ولأهله، وإن نزل البلاء سأل الصبر الجميل.
نسأل الله أن يحفظ أهلنا وأحبابنا وأولادنا، ويعافينا وإياهم، ويُصَبِّرَنا إن ابتلانا، إنه سميع مجيب.
والحمد لله رب العالمين

الولد_ريحانة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!