كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

(حضور الأنا في (بسملة) الشاعرة وفاء أحمد الطويل

(حضور الأنا في (بسملة) الشاعرة وفاء أحمد الطويل

 هي ابنة الطف... توحي مجموعتها الشعرية (بسملة) التي اختارت واقعة الطف المباركة فضاءً شعريًا لها، وسعت إلى إعادة تدوين تفاصيلها بانتقاءٍ وجدانيٍّ، مع حرصها على استلهام معطيات الواقعة. وتقديمها ضمن الأطر الجمالية، لتوقد جمرة المعنى في سرد شعري متمكن، التمكن... يعني الولوج إلى جوهر الواقعة واستثمار أحداث التاريخ إبداعا دون أن تفقد المجموعة شاعريتها، يساعدها تمكنها الشعري القادر على الإيحاء والدلالة والانزياحات اللغوية، تذهب إلى العمق المعنوي لأحداث واقعة الطف الحسيني والصور الشعرية المتنوعة، العوالم والأساليب والرؤى للوصول إلى روح المعنى، تارة تعمل على مخاطبة الرموز الفاعلة عبر (أنسنة) تتسامى عبرها الفكرة وبين الأنا وألانت، هوية إبداع ومسعى يمنح التجربة التكامل الفني.

 (وأراك في الأمواه طيف عنايه
                           أكواسي الظمئات منك مبلله
واراك في سبل النجاة إذا نما
                       خوفي وكشرت الدروب الممحله) ص15

 (كشرت) انزياح يعبر عن انفعال الدروب الممحلة، كشرت أنيابها بمعنى  الغضب استعدادها للفتك والقتل، والأنا نزعة وجدانية تتماهى مع الرمز المقدس لتعميق الدلالة النصية ولتمكين التجربة الإنسانية، بوجود الرمز تحمل الأنا الشعرية قيم الموقف عبر استحضار التاريخي، الأنا انتماء يدل على روح التفاعل المؤثر
 (واراك في أفق الجليل جلاله
                      ولأنت عند الله أعظم منزله
ونداؤك الصداح (هل من ناصر)
                      ما زال يجمع للمؤمل جحفله) ص16
 (وأراك) ضمير المتكلم، والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف للتخاطب، الأنا والحسين "عليه السلام" وفلسفة الانتماء، والمدرك العقلي والروحي استنهاضا بوعي الذات والوجود، والحزن يكشف عن جوهر الانتماء سعيا لتكريس المظلومية لصالح الوعي الإنساني، كل شيء في القصيدة له حراك يدل على السعة الزمانية لواقعة الطف الحسيني، بدلالة استعمال الأفعال المضارعة ومرتكزها لخلق فضاءات متنوعة، تنقل السرد من الماضي إلى مشهد حي متجدد ومستمر أمام المتلقي، مما يحرك الصورة الشعرية بين استحضارات التاريخ ودلالة الاستمرار، تشهد الحالات النفسية لتظهر انعكاسات هذا الماضي على الحاضر والمستقبل، استخدام المضارع مشروع لنقل الماضي إلى ذهن المتلقي بأن الحدث مستمر.
(وإذا الطف بعاشور يتيم
بعد أن حزوا نحورا بالبواتر
والنواويس بويلات تنادي
تندب الأحرار في وعي الشعائر) ص17
(تنادي ـــ تندب) 
يمثل للفعل المضارع تقنية فلسفية وجمالية تكسر الرتابة وتمنح حيوية المشهد الشعري لتبتعد عن التقريرية إلى استلهام الواقعة، رسم العلاقة مع المتلقي، واستثمار وجدانية الحدث، وما يثيره في الوجدان عبر استمراريته
 (وعيون أقواس الطغاة تنمرت
والسهم مذ الفاه يمم شطره
ليحلق النيل الحقود مسافرا
ويصب في قلب الرسالة قطره)
 (يحلق / يصب/ تأمل/يسبر/يقدم/يقبل) 
 (ا على القناة راس الرسالة سائر
وعلى امتداد الدرب ينثر عطره
الكهف يتلو (أم حسبت) موحدا
 (وسيعلم) الطاغوت تفضح أمره) ص18
للخروج من النمط التوثيقي المباشر والمألوف للواقعة واستخدام الانزياحات اللغوية لرسم صور شعرية تثير الذهن إلى جمالية السرد، وتمنح النص توهجا بالدلالات، فكانت المجموعة بجميع محتواها الشعري تغرف من مشاهد الواقعة المباركة لتضاعف من جماليات الجذب الشعوري شكلا ومضمونا، تعتمد شاعرية (بسملة) على مرتكزين مهمين لا أستطيع أن أتصور شكل المجموعة دونهما أولا (الواقعة) واقعة الطف الحسيني المبارك، وثانيا (الانزياح) لكسر المألوف وخلق الدهشة، وخرق أفق التوقع.
 (في ساحة الطف وجه الكون يرتسم
والصبر يجزع والأشجان تزدحم
يمشي الحسين وريح الطهر تحمله
وفي خطاه حنان الكون يبتسم) ص28
وما بين النص والواقع التاريخي تتربع (الأنا) الشعرية وأنا التاريخ، بين الأنا التي تعبر عن المشاعر والانتماء، وقوة حضور النص أمام أحداث التاريخ، حضور الأنا الشعرية نصرة ومواساة، وبين أنا التاريخ.
 (يا حضرة العباس هذا أنا
قد عدت يحدوني إليك المنى
قد ضاق صدر العمر من غيبة
والحزن في أعماقه استوطنا) ص45
الأنا وعي الشاعرة بالتاريخ لتسحبه إلى أناها، بحوار رمز من رموز الواقعة، الرمز يثير فاعلية الوعي/ الهوية/ والانتماء، فاعل روحي يعزز رمزية الحضور، ولإعطاء هذا الحضور الواقعية والإقناع إدراكا لأبعاد هذه المقابلة عبر زمن الشاعر وزمن الرمز.
والعذر كل العذر يا سيدي
أن قصر الحرف بآي الثنا)
وضعت الأنا الشعرية حدودها كذات عاطفية تحمل مزايا وجدانية ومشاعر، بينما أنا التاريخ تمثل الوعي الذي يربط الذات بسياق الواقعة، أنَوَاتٌ صنعت التاريخ، الحدود بين الوجدان الذاتي المفتوح والتوثيق، والشواهد كثيرة بين أنا الشاعرة وأنا التاريخ التي وعت حريتها في الفعل على القول، ولا وجود لتلك الأنا دون استنهاض، هذا الوجود لصالح الإرادة /النصرة/الثورة/الحسين "عليه السلام"
(جون أنا... كم أعشق الذوبان في ذات الحسين) ص67
الذات هي الأنا التي صنعت العالم وفق رؤاها وتحررها ومعناها، ومعاناة الأنوات الفاعلة.
أنا الرياحي يكوي مهجتي ندم
قد مسني اللفح.. أطفئ سيدي جمري
آذيت قلبك قبل اليوم... يا خجلي
من الرسول بيوم الحشر والنشر) ص70
والأنا بين الواقع والتاريخ قيمة إنسانية تعمل لولادة الوعي الإنساني، أنا الشاعر تسعى لصياغة موقف حسب رؤية الشاعر وإحساسه من نفسه/ وطنه /الأمة والتاريخ
 (أني أجدد في طفوفك موقفي
وأبث من عمق البصيرة أحرفي
والله لا أنفك عنك وإن أمتْ
سبعين موتا في سبيلك لا أفي) ص66
هذا هو التجلي الذي يحول الأنا إلى هوية بأبعادها الروحية (لو علمت أني أقتل، ثم أحيا، ثم أحرق، ثم أحيا، ثم أذرى يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك) 
(الشهيد مسلم بن عوسجة)
وتجلى العنوان (بسملة) في روحية المنجز ليضيف البعد الجمالي والدلالي لمضمون الهوية، وتستنهض بها الوجود، وتضفي القدسية والبركة، وتؤكد على أن الطف من منجزات تلك البسملة ثقة روحية ورهبة.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!