بعد بيان ما يتعلق بذلك الاستشرافي الزينبي في الحلقة الثانية السابقة المتعلقة بخلود النهضة الحسينية وهلاك أعدائها في مرحلته الأولى المتعلقة بـ(التعنيف الزينبي) للطاغية يزيد من خلال عرض ما يتعلق بالأمور الأموية الثلاثة المتقدمة (الكيد، والسعي، والجهد) وبيان فشل وخذلان كُلِّ ذلك، ننتقل في هذه الحلقة إلى بيان ما يتعلق بالمرحلة الثانية وهي (الوعد الزينبي) ليزيد وكُلِّ الطغاة الذين يريدون محاربة النهضة الحسينية ورجالها وأشياعها إلى آخر الدهر.
وقد تمثَّل هذا الوعد الاستشرافي الزينبي في القسم العظيم لها (فواللهِ) وقد أبرَّ الله لها ذلك القسم الصادق، الصادح من هذه المجاهدة العظيمة برغم جراحها التي لا تتحمل الجبال الراسيات، وقد تضمَّن القسم موارد أربعة مهمة بقيت منذ يوم عاشوراء إلى يومنا، بل وستبقى إلى آخر الدهر.
وهذه الموارد التي أقسمت عليها:
١- (لا تمحو ذِكرنا).
٢- (ولا تميت وَحْيَنا).
٣- (ولا تُدْرِك أَمَدَنا).
٤- (ولا تَرْحَضْ عنكَ عارها).
ونحاول بإيجاز أنْ نبيِّن بعض ما يتعلق بهذه الصرخة الزينبية المباركة التي دامت 1400 عامًا، وما فيها من دروس وعِبَر للأمة من جهة، وللطغاة من جهة ثانية، ولأعداء أهل البيت (عليهم السلام) من جهة ثالثة.
١ـ(لا تمحو ذِكرنا).
إنَّ كُلَّ متتبع لتاريخ النهضة الحسينية يدرك مدى صدق هذا الوعد الزينبي، فلم تسطع القوة الأموية، والإعلام الأموي الزائف، والمتزلِّفين لسلطانهم أنْ يقضوا على مبادىء النهضة الحسينية وأهدافها، وإنِ استطاعوا القضاء على قادتها ورجالها في أبشع جريمة في التاريخ يوم عاشوراء كربلاء، ذلك اليوم الذي بكت السماء دمًا، ولكن كُلُّ ذلك كان ثماره في سنوات معدودات هلاك يزيد بن معاوية والمجرمين الذين قاموا بتلك الجريمة، وانتهاء ملك الأمويين بعد ثورات علوية وغيرها تنادي (يا لثارات الحسين)!!
فانتشرت في الآفاق نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بين الموالين والأعداء ابتداءً من كربلاء إلى الشام، ثم المدينة وجميع الآفاق، وإلى اليوم حيث تلك الشعارات العظيمة التي تبعث في الأمة روح الإباء والفداء (هيهات مِنَّا الذلة) .. (ومثلي لا يبايع مثله) .. (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفرُّ فرار العبيد) وغيرها، وبقى الذكر الحسيني يتجدد في كل عام، بل في كل يوم برغم سطوة الطغاة ومنهم البعثيون في العراق، بل وصلت تلك الشعارات والمجالس الحسينية والشعائر إلى أكثر بلدان العالم الغربية عن طريق شيعتهم وأنصارهم، بل عن طريق الوعد الزينبي الخالد عبر الأجيال.
٢- (ولا تميتُ وَحْيَنا).
إنَّ الطغاة يتصورون بجهلهم وحقدهم أنَّ في قَتْلِ المصلحين والتنكيل بهم وبأتباعهم هو القضاء على الإصلاح الداعين إليه، أو الخنوع والخضوع والاستسلام إليهم، وخصوصًا في نهضات المعصومين (عليهم السلام) من الأنبياء والأئمة، والقرآن الكريم قد ضرب أمثلة كثيرة لتلك المواجهة بين الأنبياء والطغاة من جهة، وبين الأنبياء والمستكبرين من الأقوام ورؤسائهم من جهة أخرى، وأنَّ نصر الله كان لهم، وهذا درس إيماني عظيم لم يعرفه طغاة بني أمية وحُكَّامهم عامة الذين كانوا ينظرون إلى الإسلام نظرة حقد وعداء، ويحاولوا النيل منه في أي فرصة، فكانت أولاها ما قام به معاوية بن أبي سفيان مع الإمام علي وولده الإمام الحسن (عليهما السلام)، ولكن بقي الصوت العلوي الذي يمتد وحيه من صوت محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن القرآن الكريم ينتشر في الآفاق، ثم جاءت محاولة يزيد ضد الإمام الحسين (عليه السلام) والتي لم تتمكن من القضاء على الصوت الحسيني المحمدي لأنَّ (حسين من محمد، ومحمد من حسين) وبقي ذلك الوحي ينتشر في الآفاق، برغم قطع الرؤوس عن الأبدان يوم عاشوراء، وأخذ السبايا إلى الشام، وو .. من مخازي بني أمية، ولكن النتيجة هو ذلك الانقلاب من داخل قصر يزيد، ومن جوار رأس سيد الشهداء، حيث تنطلق شعارات النهضة الحسينية، ثم تشمخ كرباء الإباء بنهضتها المقدسة في وحي نهضتها فتزلزل عروش الطغاة وإنْ بالغوا في قتل الزائرين والمحبين، ودفنهم أحياء في المقابر الجماعية، وتشريد الآلاف المريدين لبقاء جذوة كربلاء في الأمة إلى السجون والمعتقلات والمنفى؛ ولكن بقي وحي النهضة خالدًا بخلود صاحبها يمدُّ الأمة روح حياة الأبطال، بل ليبقى ذلك خالدًا بالوعد الزينبي عبر الأجيال. والسلام
(وللحديث تتمة) ...

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!