كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المؤمن القوي والمؤمن الضعيف

المؤمن القوي والمؤمن الضعيف

 ما القوّة؟

أهي ارتفاعُ الصوت حتى تُخرس الحقيقة؟
أهي نهرُ الناس وتنفيرهم حتى يلوذوا بالصمت خوفاً لا اقتناعاً؟
أهي الصياح، والتخويف، والتهديد، وصناعة الرهبة في القلوب؟
أهي عضلاتٌ مشدودة، أو جسدٌ رياضيّ، أو منصبٌ نافذ، أو سلطةٌ إذا تكلّم صاحبها ارتجف الرزق، واضطربت الوظائف، وسُكِت عن الحق؟
كلُّ ذلك ليس قوّة، وإن لبس ثوبها.
إنه استعراض، أو تسلّط، أو خوفٌ متنكّر، أو ضعفٌ يحاول أن يبدو صلابة.
القوّة الحقيقية لا تُقاس بعلوّ الصوت، بل بعلوّ النفس. ولا تُعرف بكثرة الأتباع، بل بصدق الاتجاه. ولا تُختبر في الساحات، بل في الخلوات.
من هو المؤمن القوي؟
هو الذي يقف أمام الشهوة حين تشتعل، فلا تحرقه. ويقف أمام المغريات حين تلمع، فلا تعميه. ويقف أمام المطامع حين تبرق.
المؤمن القوي هو الذي يتذكّر قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: ((أكثرُ مصارعِ العقول عند بروقِ المطامع)). فيتراجع العقل خطوة، لينجو القلب من السقوط.
المؤمن القويّ لا تُغريه الصفقة إذا كانت على حساب ضميره، ولا يشتري المكاسب إن كان ثمنها دينه، ولا يبيع صمته للباطل ولو كان الثمن راحةً مؤقتة.
القوّة أن تسلّم لأمر الله لا لأنك عاجز، بل لأنك واثق.
أن ترضى بما كُتب لك لا استسلاماً، بل إيماناً بأنّ اختيار الله أدقّ من رغباتك، وأرحم من استعجالك.
أن تنظر إلى فقر حالك لا بوصفه مذلّة، بل باعتباره نقاءً وسط تخمةٍ أفسدت كثيراً من القلوب،
فكم من غنيٍّ جائع الروح، وكم من فقيرٍ شبعان اليقين.
القوّة أن تُعيد تعريف العزلة: ليست هروباً من الناس، بل وحدة تفرّغ، تبتعد فيها عن ضجيج الأقنعة، لتقترب من الله بلا وسيط، وتُصغي إلى نفسك بعدما أرهقها صخب العالم.
ومن هو المؤمن الضعيف؟
هو من يحتاج إلى الصراخ ليُقنع، وإلى التهديد ليُطاع، وإلى السلطة ليُحترم، وإلى خوف الناس ليشعر بالأمان.
هو من ينهار أمام الإغراء، ويتلوّن مع المصلحة، ويبدّل مبادئه كما يبدّل مواقفه.
أيّها الناس…
ليست القوّة أن يُخاف منك، بل أن يُوثق بك.
ليست القوّة أن تُسكت الآخرين، بل أن تحتملهم.
ليست القوّة أن تملك القرار، بل أن تملك نفسك حين تغريك الدنيا بكل ما فيها.
تربّوا على قوّة الإيمان، لا على خشونة الأسلوب.
وتعلّموا أن المؤمن القويّ قد يكون صامتاً، لكنه ثابت، هادئاً، لكنه عميق، ضعيفَ المظهر، لكنه شديدٌ حين يُمتحن.
فهذه هي القوّة التي تُرضي الله، وتبني الإنسان، وتُبقي الأثر… ولو غاب الصوت، وغاب المنصب، وغاب التصفيق.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!