ليست كل الزيارات الدولية عابرة، وليست كل المصافحات بروتوكولية، فبعضها يحمل في طياته إقرارًا سياسيًا صريحًا، حتى وإن صيغ بلغة دبلوماسية هادئة. زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى بغداد، تزامنًا مع انتهاء عمل بعثة يونامي، واحدة من تلك الزيارات التي تفضح الأكاذيب وتُسقِط الأقنعة.
منذ سنوات، والمهرجون وأصحاب الأصوات النشاز يصرخون بأن العراق دولة فاشلة، منهارة، غير مستقرة، على وشك الانفجار. هؤلاء لا يعيشون الواقع، بل يعيشون على فتات المنصات والتمويل المشبوه، ويقتاتون على بث الخوف واليأس في نفوس الناس. فجاءت زيارة غوتيريش لتقول لهم بوضوح: كفى كذبًا.
انتهاء مهمة يونامي ليس إجراءً إداريًا، بل تحوّل سياسي سيادي. الأمم المتحدة لا تنهي بعثاتها في دول منهارة أو عاجزة أو غارقة في الفوضى. هذا القرار يعني، بلغة واضحة لا تحتاج تأويلاً، أن العراق بات قادرًا على إدارة شؤونه بنفسه، وأن مؤسساته – رغم كل التحديات – تماسكت وصمدت.
أما الزيارة نفسها، فهي رسالة مزدوجة:
رسالة للعراقيين مفادها أن بلدهم لم يعد ساحة مفتوحة للتدويل والوصاية،
ورسالة للخارج بأن العراق ليس الحلقة الأضعف التي يتمنّاها المتربصون.
وهنا يبرز السؤال:
لو كان العراق كما يصفه المهرجون، فهل كان أمين عام الأمم المتحدة سيطأ أرضه؟
وهل كانت المنظمة الدولية ستغلق واحدًا من أطول ملفاتها فيه؟
الحقيقة التي تزعجهم أن العراق، بدماء أبنائه، وتضحيات قواته الأمنية، والحشد الشعبي، وصبر شعبه، فرض معادلة الاستقرار. لم يكن هذا الاستقرار منحة من أحد، بل ثمرة مواجهة الإرهاب، وإفشال مشاريع التقسيم، وكسر رهانات الفوضى.
نعم، العراق ليس مدينة فاضلة، ولا أحد يدّعي ذلك، لكن الفرق كبير بين دولة تواجه تحديات، ودولة منهارة. والخلط المتعمّد بين الأمرين هو خداع سياسي وإعلامي رخيص.
زيارة غوتيريش، في توقيتها ورسالتها، صفعة ناعمة لكل من راهن على إسقاط النظام السياسي من الخارج، ولكل من حاول تسويق العراق كملف دولي مفتوح. اليوم، العراق يُغلق صفحة، ويكتب أخرى بعنوان: السيادة، الاستقرار، والقرار الوطني.
أما المهرجون، فسيواصلون الصراخ...
لكن الواقع، كما تثبته بغداد اليوم، أعلى صوتًا من ضجيجهم.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!