كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مالك يوم الدين (2)

علي بن جمعة الحويزي :

وصلت الى تفسير أخر من تفاسير الطائفة الشيعية الحقة وهو روائي جليل عظيم قد ذكر فيه المؤلف جملة من الروايات الشريفة ومنها التي تخص الآية المباركة ...

فقد ذكر عن المولى المعظم أمير الكل الامام علي رواية في غاية الروعة والجمال والأتقان أخذ منها محل حديثنا وموضوع بحثنا وهذا نصها ( فاذا قال: مالك يوم الدين قال الله تعالى: اشهدكم كما اعترف انى انا الملك يوم الدين لاسهلن يوم الحساب حسابه، ولاتجاوزن عن سيئاته ) <1> ...

اللهم فتجاوز عن سيئاتنا وأغفر لنا خطايانا أنك أرحم الراحمين ولك الملك في الدنيا والأخرة .

السيد مصطفى الخميني :

من التفاسير القيمة التي كتبت بيد شيعية أضافت للمكتبة القرآنية الكثير الكثير الكثير هو التفسير الجليل للعلامة مصطفى أبن مؤسس الجمهورية الأسلامية الإيرانية السيد الخميني رضوان الله تعالى عليهما وأظن وأرجو أن أكون موفقاً في هذا الظن أن تفسير العلامة مصطفى الخميني يقف بالصف الواحد من تفسير الميزان للعلامة العارف الكبير السيد الجليل الطباطبائي رحمة الله ...

وسوف أورد جميع ما كتبه عن الآية الكريمة لانني بصراحة لم استطع أن اختصر كلامة لوجود الفائدة الكبيرة منه حيث أنه خالي بالمطلق من الحشو المتعارف في أغلب كتب التفاسير وهذا ما سوف ترى بنفسك أن شاء ... والآن ننتقل الى نقل كلام المرحوم العلامة بالحرف الواحد :

( اللغة والصرف

وهنا مسائل:

المسألة الاولى حول مادة " مالك "

ملك يملك ملكا بتثليث الميم، ومملكة بتثليث اللام، وملكة: احتواه قادرا على الاستبداد به. 

ملك على القوم، استولى عليهم. الملاك الاقتدار. الملك - بالفتح - مصدر وصاحب الملك، والملك - بالضم - اسم لما يملك ويتصرف به، يذكر ويؤنث: العظمة والسلطان. 

والملك: من تولى السلطنة بالاستعلاء على امة أو قبيلة، قيل: الملك صفة مشبهة من ملك، وقيل: مقصور من مالك أو مليك، ويقال فيه: ملك بسكون اللام تخفيفا. انتهى ما في الأقرب .

والذي يظهر لي: أن هذه المادة معناها الحقيقي المشترك فيها المشتقات، هي الاستيلاء والسلطة والاستبدادية والاقتدار على التصرفات والتبديلات والأمر والنهي وغير ذلك. 

وأما معناها الآخر، وهي الإضافة الخاصة بين رب المال والمال، المعبر عنها بالملكية الاعتبارية، التي هي ثابتة للجمادات والنباتات والحيوانات والمجانين والصغار، بل والعناوين الاعتبارية كالجهات، فهي ليست من المعنى اللغوي الأصيل، بل هذا أمر اعتبر في المجتمعات البشرية لقوام رحى معاشهم عليها، اتخاذا عن الملكية الحقيقية والقدرة والاستيلاء الخارجي. 

فإذا قيل: زيد مالك الدار، فمعناه الحقيقي اللغوي، هو أنه المسيطر عليها والمتصرف فيها كيف شاء نحوا من السلطنة الاعتبارية أيضا، اتخاذا عن السلطنة الحقيقية الثابتة في بعض مصاديقها، كسلطنته تعالى على الأشياء وسلطنة النفوس على قواها. 

وأما معناه الآخر الذي صار حقيقة أيضا، فهو أن الدار له، ولا يجوز للآخر التصرف فيه، وإن لا يتمكن هو أن يتصرف فيه مباشرة لصغره - مثلا - أو لغير ذلك وهذا الاعتبار وإن كان سابقا على الإسلام والأديان، إلا أن استفادته من تلك الإطلاقات غير ممكنة إلا مع القرينة، فتأمل. 

وبالجملة: المقصود الأساسي هنا، هو أن إرادة المالكية الاعتبارية من قوله تعالى: * (مالك) * غير صحيحة، إما لعدم دلالة اللغة عليه رأسا أو لعدم وجود القرينة، أو لعدم مناسبتها مع الله عزوجل، فإنه تعالى وإن أمكن أحيانا اعتبار الملكية له، كما قيل في الأخماس والأنفال ولكنه هنا غير صحيح، فالمراد من الملكية هي الملكية الحقيقية والاستيلاء التكويني، لا الاعتبارية ولا السلطنة الاعتبارية، كما لا يخفى، مع أن المحرر منا في محله: أن الأنفال والأخماس أيضا ليست ملكا اعتباريا لله تعالى وتقدس، كما يأتي في محله. 

وبعبارة اخرى: المناسبات في المقام تقتضي كون المراد من الملكية، الإضافة الخارجية الإشراقية ومن تلك المناسبات " يوم الدين " فإنه لا معنى لكونه مملوكه تعالى بالملكية الاعتبارية، فلا تخلط.

المسألة الثانية حول هيئة " مالك "

ظاهر كتب اللغة أن " ملك " متعد كضرب، وجاء لازما أيضا .

والحق: أنه في جميع الاشتقاقات الثلاثية لازم، ومجرد قولهم: ملكه أو يملكه، لا يقتضي التعدية، بل للمتعدي واللازم من الأفعال ملاك واقعي، فما كان من الحدث يصدر عن الإنسان بالآلة ويقع على الطرف بواسطتها، فهو من الحدث المتعدي، وإلا فهو لازم، ولذلك ترى أنهم في مقام تفسير ملكه يقولون: استولى على الأمر أو على كذا وهذا شاهد على أن هذه المادة لازمة. 

 

وبعبارة اخرى: 

السلطنة والاستيلاء على الغير ليس فعلا صادرا من الغير بالآلة قائما بالطرف، كالضرب والقتل والشتم وأمثالها، فعلى هذا لا يجوز أن يكون " مالك " اسم فاعل واقعا، بل هو على زنة الفاعل، ويكون صفة مشبهة كطاهر وظاهر، ولا يكون إضافته إلى " يوم الدين " من إضافة العامل إلى مفعوله الحقيقي، وهو المفعول به، كما يأتي. 

ثم إن مقتضى ما يظهر من اللغة أن " ملك " و " ملك " - بسكون اللام - أيضا صفة مشبهة، ويحتمل كون الثاني مخفف " مالك " كما مضى في الرب، وذكرنا هناك أنه يشبه البر والبار، فإن البر مخفف البار بحذف الألف.

المسألة الثالثة حول كلمة " يوم "

" اليوم " معناه الوقت الخاص، وهو ما بين الطلوع والغروب من الشمس، أو طلوعه الثاني والمغرب، أو غيرهما، وله معنى آخر، وهو مطلق الوقت وهو المراد في كثير من الاستعمالات القرآنية والعصرية، وليس النظر فيه إلى جهة بزوغ الضياء وظهور الشمس. 

وربما يمكن دعوى: أن النظر إلى الوقت وإلى جهة اخرى وهو ان ذلك الوقت نير ومضئ، فيقال: " مالك يوم الدين "، أي صبح الدين وطلوع الدين، فيكون حين الدين الوقت نيرا، فلا تكن من الغافلين. 

 

وأما " الدين " فهو الجزاء والمكافاة والحساب، والقهر والغلبة والاستعلاء، والسلطان والملك والحكم والسيرة والتدبير.

 

وقيل: " الدين " هو الجزاء بقدر فعل المجازى، فالجزاء أعم . 

 

وهل المراد منه هنا المعنى المناسب للمعاني الثلاثة الاولى أو الأخيرة ؟ أو على الفرض الأول فهل يختص ذلك بيوم القيامة - مثلا - أم يشترك فيه جميع الأيام الدنيوية والاخروية ؟ 

 

أقول: مقتضى اللغة عدم الاختصاص وعدم ظهوره في أحد المعاني الخاصة، مع إمكان إرجاع الكل إلى معنى واحد كما هو الظاهر، ولكن الرجوع إلى الكتاب العزيز يورث حل هذه المعضلة: 

* (وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين) 

* (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) 

* (يسألون أيان يوم الدين) 

* (هذا نزلهم يوم الدين) 

* (والذين يصدقون بيوم الدين) 

* (وكنا نكذب بيوم الدين) 

* (يصلونها يوم الدين) 

فعلى ما تحرر وتقرر تبين: 

أن " يوم الدين " كأنه موضوع بالوضع المستقل في الاستعمالات القرآنية ليوم التغابن والقيامة واليوم الموعود. والله العالم.

النحو والإعراب

 

وهنا مسائل:

المسألة الاولى حول إعراب " مالك "

من قرأ بخفض الكاف - كما عن المشهور وعليه السبعة والآخرون - فهو على الوصف والنعت. 

ومن قرأ بفتح الكاف فهو على القطع أو النداء، أو الحالية بناء على صحة التأويل، أي مالكا يوم الدين، كما يأتي قراءته هكذا. 

وهذا هو المحكي عن جماعة تأتي أسماؤهم عند ذكر اختلاف القراءات، ومنهم محمد بن السميقع - المزبور ذكره - والأعمش وعثمان بن أبي سليمان وعبد الملك قاضي الهند، وعن ابن عطية هو قراءة عمر بن عبد العزيز وأبي صالح السمان. 

وفيهم من فتح الكاف، لكونه فعل ماض، كما يأتي ذكره عند البحث عن اختلاف الأصحاب في القراءة. ومن قرأه بالرفع فهو إما على الخبرية، كما سلف للمتبدأ المذكور، وهو " الرحمن الرحيم "، أو للمبتدأ المحذوف، وهو المنسوب إلى شيخ المضيرة وأبي حياة، وأيضا إلى ابن عبد العزيز، وعن صاحب اللوامع: أنه قراءة ابن شداد العقيلي البصري. وفيهم من قرأ الكاف بالتنوين مرفوعا، وهو المحكي عن خلف وابن هشام وأبي عبيد وأبي حاتم، وهو أيضا على الخبرية بأحد الوجهين السابقين .

وغير خفي: أن الأصحاب خلطوا بين مسائل اختلاف القراءات في الكلمة، وبين اختلاف القراءات في الكلام، فإن الاولى تذكر في البحث الآتي، والثانية لابد وأن تذكر في ناحية البحث عن الاعراب.

المسألة الثانية حول إضافة " مالك "

هل إضافة " المالك " أو " الملك " أو غيرهما من الإضافة اللفظية، فيكون المضاف إليه معموله أو مفعوله، أي هو مالك يوم الدين كما أن زيدا مالك الدار، فيوم الدين مملوكه تعالى اعتبارا، أم هذه الإضافة معنوية، وليست لفظية، وتقديره: أنه مالك في يوم الدين، من غير لزوم كون المضاف مظروفا للمضاف إليه وحدا محيطا به، كما لا يخفى. 

قال ابن حيان: ومن قرأ بجر الكاف فعلى معنى الصفة، فإن كان بلفظ

" ملك " على " فعل " بكسر العين أو إسكانها، أو " مليك " بمعناه فظاهر، لأنه وصف معرفة، وإن كان بلفظ " مالك " أو " ملاك " أو " مليك " محولين من " مالك " للمبالغة، وكان بمعنى الاستقبال - كما هو الظاهر - لأن اليوم لم يوجد، فهو مشكل، لأن اسم الفاعل إن كان بمعنى الحال أو الاستقبال، فإنه تكون إضافته غير محضة، فلا يتعرف بالإضافة، وإن اضيف إلى معرفة فلا يكون - إذ ذاك - صفة، لأن المعرفة لا توصف بالنكرة، ولا بدل نكرة من معرفة، لأن البدل بالصفات ضعيف. 

 

ثم قال: وحل هذا الإشكال وهو: أن اسم الفاعل إن كان بمعنى الحال والاستقبال جاز فيه وجهان، وبذلك تنحل المعضلة .انتهى ملخص مرامه. 

 

أقول: قد عرفت أن اتصافه تعالى بالمالك ليس له معنى وراء اتصافه بالملك وغيره، والكل بحسب المعنى واحد، وهو المسيطر على يوم الدين أو المسيطر على الخلائق في يوم الدين، والثاني أرجح لعدم الحاجة إلى التقدير، كما هو الظاهر، فهو تعالى مالك يوم الدين، ويكون يوم الدين ظرف قدرته وسطوته وجبروته بوجه من الظرفية، لا كظرفية المملكة لسطوة السلطان. 

ثم إن يوم الدين - وهو يوم القيامة - الآن موجود بضرورة العقل والنقل، ويدل عليه روايات المعراج وآياته، كما يأتي إن شاء الله تعالى. 

وبالجملة: على هذا لا يكون من الإضافة اللفظية، لأن المضاف إليه ليس مفعوله ولا فاعله، كما في إضافة الصفة المشبهة، كقولهم:

حسن الوجه، فإنه معناه حسن وجهه، بل هو من الإضافة المعنوية، ولا برهان على أن إضافة أسماء الفاعلين والمفعولين من اللفظية، وإلا لما كان وجه لأن يذكر لها الشروط، فعند انتفاء أحد الشروط تكون الإضافة معنوية بتقدير أحد حروف الجر.

هذا، مع أن يوم الدين إذا كان موجودا بالفعل، فهو الوصف الذي جاء بمعنى الماضي والاستمرار، فيقع نعتا للمعرفة، كما صرح به أهله. 

وأما إضافة " يوم " إلى " الدين " فهي أيضا معنوية بتقدير اللام، أي مالك على يوم للجزاء والانتقام. 

ومن الممكن دعوى: أن المضاف إلى الدين هو المالك المضاف إلى اليوم، كما ذكرناه في إضافة الاسم إلى " الله " وإلى " الرحمن "، وله نظير في الفقه غير خفي على طلابه ورواده. 

ومما حصلناه إلى هنا تبين نقاط ضعف كثير في كتب القوم صدرا وذيلا: 

١ - في معنى الملك مادة، 

٢ - وفي هيئة المالك، 

٣ - وفي أنها ليست مادة متعدية، 

٤ - وفي إضافة المالك أو الملك أو غيرهما، وغير ذلك مما اشير إليه، وسيتبين المواقف الاخرى طي المباحث الآتية إن شاء الله تعالى. 

 

تنبيه لو سلمنا: 

 

أن إضافة المالك إلى يوم الدين من الإضافة اللفظية، فتوصيف المعرفة بها أيضا، جائز، وذلك لأن ما اشتهر من منعه فهو مخصوص بما إذا كان الوصف نكرة محضة، دون ما إذا كانت مخصصة، ضرورة أن المدار على حسن الاستعمال وموافقة الطباع، دون القواعد الاختراعية النحوية الوهمية. 

 

وإني قد صرفت مدة من عمري العزيز في تحريرها، وبالغت في البحث عنها، حتى علقت الحواشي على شرح الرضي (رحمه الله) وكنت اباحثه، وادرس الدروس البالية من المغني مع إبراز النظر فيها، ولكن مع الأسف إن المعتبر من بينها ما يوافقه الوجدان والذوق، دون تلك التخيلات الباردة، فلاحظ وتدبر جيدا.

 

القراءة واختلافها

 

وهنا فوائد:

 

الفائدة الاولى قراءات الآية

 

قال السيوطي في " الإتقان ": فيه ثلاثة عشر قراءة. وهذا هو مأخوذ مما فصله ابن حيان، ولا بأس بنقلها مع رعاية الاختصار: 

١ - قرأ " مالك " على وزن فاعل بالخفض، عاصم والكسائي وخلف في اختياره ويعقوب، وهي قراءة العشرة إلا طلحة والزبير، وقراءة كثير من الصحابة، منهم ابي وابن مسعود ومعاذ وابن عباس، والتابعين منهم قتادة والأعمش.

 

٢ - وقرأ " ملك " على وزن فعل بالخفض، باقي السبعة وزيد وأبو الدرداء وابن عمر والمسور وكثير من الصحابة والتابعين.

 

٣ - وقرأ " ملك " على وزن سهل، أبو هريرة وعاصم الجحدري، ورواها الجعفي وعبد الوارث، عن أبي عمرو، وهي لغة بكر بن وائل.

 

٤ - وقرأ " ملكي " - بإشباع كسرة الكاف - أحمد بن صالح، عن ورش، عن نافع.

 

٥ - وقرأ " ملك " على وزن عجل، أبو عثمان الهندي والشعبي وعطية، ونسبها ابن عطية إلى أبي حياة.

 

٦ - وقال صاحب اللوامح: قرأ أنس بن مالك وأبو نوفل عمر بن مسلم بن أبي عدي " ملك " بنصب الكاف من غير ألف، وجاء كذلك عن أبي حياة. انتهى.

 

٧ - وقرأ كذلك إلا أنه رفع الكاف، سعد بن أبي وقاص وعائشة ومورق العجلي.

 

٨ - وقرأ " ملك " فعلا ماضيا، أبو حياة وأبو حنيفة وجبير بن مطعم وأبو عاصم عبيد بن عمير الليثي وأبو المحشر عاصم بن ميمون الجحدري، فينصبون " اليوم "، وذكر ابن عطية: أن هذه قراءة يحيى بن يعمر والحسن وعلي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام).

 

٩ - وقرأ " مالك " بنصب الكاف، الأعمش وجماعة اخرى مضى ذكرهم في مبحث الإعراب.

 

١٠ - وروى ابن أبي عاصم عن اليمان ملكا بالنصب والتنوين.

 

١١ - وقرأ " مالك " برفع الكاف والتنوين، عون العقيلي، ورويت عن خلف بن هشام وأبي عبيد وأبي حاتم وبنصب اليوم.

 

١٢ - وقرأ " مالك يوم " بالرفع والإضافة، أبو هريرة وأبو حياة وعمر بن عبد العزيز بخلاف عنه، ونسبها صاحب اللوامح إلى أبي روح عون بن أبي شداد العقيلي ساكن البصرة.

 

١٣ - وقرأ " مليك " على وزن فعيل، ابي وأبو هريرة وأبو رجاء العطاردي

 

١٤ - وقرأ " مالك " بالإمالة البليغة، يحيى بن يعمر وأيوب السختياني.

 

١٥ - وبين بين قتيبة بن مهران، عن الكسائي، وجهل النقل - أعني في قراءة الإمالة - أبو علي الفارسي، فقال: لم يمل أحد من القراء ألف " مالك "، وذلك جائز، إلا أنه لا يقرأ بما يجوز إلا أن يأتي بذلك أثر مستفيض.

 

١٦ - وذكر أيضا: أنه قرأ في الشاذ " ملاك " بالألف والتشديد للام وكسر الكاف. فهذه ثلاث عشرة قراءة . انتهى. 

 

وأنت قد عرفت بلوغها إلى ستة عشر. ومن العجب أن " روح المعاني " قد أخذ ما أفاده ولم ينسبه إليه وهو من الخيانة في وجه، كما لا يخفى.

 

الفائدة الثانية في ترجيح إحدى القراءات

 

بناء على ما تقرر وتحرر في بحث اللغة: أن " المالك " هو معناه ذو الملك بكسر الميم وذو الملك بضم الميم، وهما بمعنى واحد، والملك أيضا معناه ذو المملكة وذو الملك وذو الملك، وهي بمعنى واحد، والمليك مثله، وهكذا الملك بسكون اللام، سواء كان مخففا عن المالك أو صفة مشبهة، ومن راجع موارد استعمالات هذه المادة في الكتاب العزيز يجد صدق دعوانا، فإن الملك - بالضم - كثير استعماله، ومعناه العزة والقدرة والسيطرة: 

* (ولم يكن له شريك في الملك) 

* (ولله ملك السموات والارض) 

* (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) 

* (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) 

* (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ) 

 

وهذا الأخير - بحسب الاستعمال - منحصر في موضع واحد في سورة النحل، وهو أيضا معناه، أي الذي لا يقدر ولايكون له السلطنة. 

 

فما ترى في كتب القوم والتفاسير، من التمسك بالوجوه المعنوية لترجيح إحدى القراءات على الاخرى، كله ساقط جدا، لاتحاد معنى الكل، وبذلك تسقط صفحات كثيرة من كتب التفسير المتعرضة لذلك، الغافلين عن حقيقة الحال، والله هو المستعان. 

 

ومما يؤيد هذا قوله تعالى في سورة آل عمران: * (قل اللهم مالك الملك) فلو كان المالك من " الملك " بالكسر، لكان ينبغي أن يقال: " قل اللهم مالك الملك " بالكسر.

 

ومن هنا يسقط كثير من الوجوه المعنوية المتمسك بها لترجيح " الملك " على " المالك " لمناسبة إضافته إلى يوم، توهما أن الزمان لا يناسب المملوكية بخلاف الملكية، مع أن " مالك " كصاحب وزنا ومعنى في وجه، ويقال: صاحب الزمان (عجل الله فرجه الشريف)، فاغتنم.

 

الفائدة الثالثة حول عدم الاعتناء بالقراءات

 

ربما يخطر بالبال سؤال وهو: أن الكتب السابقة على القرآن، والأنثار والأشعار المتعارفة بين الناس قبل هذا الوحي الإلهي، كانت تقرأ في المحافل والمجالس وعلى المنابر والأعواد، وما كان يقرأ إلا على الوجه الظاهر، ولم يكن بين الناس خلاف في كيفية القراءة، بل وما كانت الكتب السماوية غير هذا السفر القيم مورد هذا الشقاق والنفاق، ولا محل الميول والآمال، ولا مصب الأمراض والأغراض. 

 

فهل كان الرسول الأعظم الإلهي يقرأ الكتاب مختلفا، حسب الحالات والأطوار، أم هل كان القرآن نزل كرارا ومختلفا، أو النبي الأعظم الإسلامي والعقل الكلي الإنساني أمر وأصدر حكما حول هذه النكتة، فذهب كل اشتهاء وميل إلى ما يميله، أم هل المسلمون رأوا أن عظمة القرآن، تقتضي أن يكون الكتاب النافي لسائر الكتب، مورد الدقة ومحل الفكرة وموضوعا لهذه المباحث الراقية مثلا ؟

 

أو هل يمكن توهم: 

 

أن عناد المسلمين للقرآن ومعاندتهم للوحي أورثوا مثل هذه الاحدوثة، أم اليهود والنصارى وأمثالهم كانوا يشعرون بذلك، فأوقعوهم في مثل هذه الخلافات، الموجبة للوهن في الكتاب ولسقوطه عن الاهتداء به، وعن الاستدلال بكثير من الآيات، لأن اختلاف القراءات لا ثمرة فيه إلا ذلك ؟ 

 

فالأمر عندي مشكل جدا، ولا أستطيع أن اصغي إلى روايات لو كانت هي معتبرة، تشعر بصحة القراءات أو اختلاف القرآن في الوحي والنزول، فإنه كسائر الكتب المدونة، لا يخصه شئ وارء رقاء موضوعاته وكيفية تأليفه وتركيبه، وارتقاء ما فيه من الأحكام العقلية والنقلية من السياسات وغيرها، وأما هذا الاختلاف فلا يظهر لي منه شئ، إلا توهم الوجه الأخير، أو قلة شعور جماعة من المسلمين وثلة من الطبقة العليا. 

 

ومن الأباطيل الواضحة والأكاذيب الظاهرة، تواتر القراءات السبع وتفصيله في مقام آخر. 

 

فعلى هذا المنهج والمسلك الذي أبدعناه إلى هنا تبين: 

 

أنه لابد من تفتيش القرائن والآثار على أن النازل على النبي الأعظم - صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين وسلم - ماذا من تلك القراءات. 

 

وقبل الخوض في ذلك لابد من الإشارة إلى نكتة وأمر وهو: أن كثيرا من تلك القراءات - مضافا إلى شذوذه وبرودته وخروجه عن اسلوب الكلام - مخالف للقواعد الأدبية، ومنها قراءة " ملك " على وزن الفعل الماضي، فإنه كما مر في " رب " لا يمكن أن يكون وصفا لما سبق ولا جملة حالية، لاحتياجها إلى الواو الحالية وغير ذلك. 

 

إذا عرفت ذلك فاعلم: 

 

أن طريق استكشاف ذلك هو السبر في القرائين المخطوطة والكتب المشتملة عليها، كالكتب القديمة التفسيرية أو الكتب الحديثية والفقهية وأمثالها، مما تكون مشتملة على سورة الحمد والفاتحة لتناسب اقتضاه، فإذا كانت الكتب القديمة وأقدم قرآن مخطوط مكتوبا بالألف ومخفوضا، فهو كاف لكشف الحال، وإذا انضمت إليه سائر الكتب، فهو يورث الاطمئنان والعلم العادي بأن ما هو القرآن المتداول من الأول بين المسلمين كان مع الألف. 

 

وإذا وجدنا أن المولى أمير المؤمنين - عليه أفضل صلاة المصلين - مع نهاية الدقة ينظر إلى القرآن ويحافظ عليه من الحدثان، وكان هذا القرآن قبل الأمير (عليه السلام) مدونا، ولم يرمز إلى ما فيه من الغلط في الضبط بشئ، فهو يشهد على أن هذا الكتاب بعينه من غير تفاوت هو النازل، ومجرد الاحتمالات الاخرى لا يضر بما هو مورد النظر، وهو حصول الوثوق والاطمئنان والعلم النظامي العادي بذلك، وإذا انضم إلى ذلك شدة اهتمام المسلمين بحفظ الكتاب الإلهي عن الاشتباه والاختلاف، يحصل من وراء هذه الامور شئ آخر يسمى بالقطع واليقين بعدم التحريف. 

 

ولكنه عندي غير تام، لأن انسداد باب الاحتمالات غير ممكنة، إلا أن الاطمئنان والوثوق القوي حاصل بذلك جدا، فما هو بين أيدينا من الأول إلى الآخر - حسب هذا السبر والتقسيم - هو المنزل على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير نقص ولا زيادة. 

 

وهنا شواهد اخرى في مدخل الكتاب، عند البحث عن تحريف الكتاب - إن شاء الله تعالى -. 

 

فبالجملة: كان التجويد واختلاف القراءات حسب التخريص، من أسباب المعيشة ومن موجبات التقرب إلى السلاطين والتدخل في البلاط. 

 

ومما يؤيد ذلك جدا: أن مذهب الشيعة ليس متدخلا في هذه الامور، وليس من القراء من يعد منا أهل البيت، لما أن الشيعة كانوا يعتقدون بأن القرآن واحد ومن الواحد إلى الواحد للتوحيد. 

 

وإن لهذه المسألة موقفا آخر، ذكرنا هنا شرذمة قليلة من المباحث الطويلة المحتاجة إلى التعمق الكثير في التاريخ، حتى يتبين لغيرنا حقيقة الأمر أيضا. 

 

ومن العجب ميل بعض أصحابنا إلى القراءات الاخرى، حتى كتب شيخ الشريعة الأصفهاني (قدس سره) رسالة في هذه المسألة سماها " إنارة الهالك في قراءة ملك ومالك " واعتقد أنه " ملك "، وقد هلك. والله المستعان. 

 

وغير خفي: أن مقتضى هذه المسألة عدم جواز التجاوز من القرآن الموجود إلى سائر القراءات في القراءات الندبية والوجوبية. 

 

اللهم إلا أن يقال: بأن ما هو النازل واحد، إلا أنه يجوز تغييره إعرابا وفي الكيفيات دون المواد، فيجوز - مثلا - رفع " مالك "، ولكنه لا يجوز حذف الألف، فليتأمل جيدا ) <2> .

 

أنتهى النقل من ما أوردة السيد العلامة مصطفى الخميني رحمة الله تعالى وكم تمنيت أن أكمل وأنقل جميع ما سطره وذكره حولها لكثير الفائدة في ذلك الا أن المقام يطول وسوف أكتفي بذكر العناوين العريضة حتى يمكن مراجعتها لمن يشاء بأذنه تبارك وتعالى ...

 

¥ الفائدة الرابعة في ذكر الوجوه المتمسك بها لترجيح " مالك " على " ملك " 

 

¥ الفائدة الخامسة في ذكر الوجوه المتمسك بها لترجيح قراءة ملك " على " مالك 

 

¥ الفائدة السادسة حول ترجيح المرجحات .... 

 

في هذه الفائدة استخلص العلامة الخميني رأيه بقوله ما نصه ( العبد يتبع في قراءته حاله، فتارة يغلب على حاله ما يناسب المالكية، واخرى ما يناسب الملكية، وعلى كل يقرأ ما يناسبها. وبعبارة اخرى: لا تنافي بين كون كل واحدة منهما ذات مرجحات اعتبارية واستحسانية، ولا يجب تقديم إحداهما على الاخرى على وجه يتعين ذو المزية على الآخر ) <3> ...

 

المعاني والبلاغة

وهنا جهات:

الجهة الاولى في كيفية استفادة حصر المالكية وقصر الملكية على حضرته تعالى وتقدس

الجهة الثانية حول توصيفه بالمالكية

الجهة الثالثة حول مقتضيات البلاغة في تأخير مالك

 

علم الأسماء والعرفان

 

في هذا المبحث يشرح العلامة الخميني المطلب بشكل عرفاني باطني رهيب ويمكن لنا اختصاره بما قاله بالحرف الواحد وأرجو أن يفهم كلامه بالشكل المطلوب والصحيح ...

 

قال رحمة الله ( لابد - بحسب القواعد العقلية والكشف العرفاني - من مظهر في القيامة هو في قوس الصعود، وما هو الأليق بالمظهرية أولا هو الرسول الأعظم، وباطنه علي (عليه السلام)، فيكون بيده يوم الدين. 

 

وبعبارة اخرى: هو تعالى مالك يوم الدين، فذاته اعتبار مقدم على مالكيته، فهو يكون مالكا وملكا بالقدرة والسيطرة، وتلك القدرة والسيطرة والسلطنة ظهور السلطنة الذاتية، وهو الظاهر في تعين من التعينات بنحو الإجمال، وليس هذا إلا في مثال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والولي الأعظمين، فافهم ولا تكن من الجاهلين . ) <4> ...

 

الحكمة والفلسفة

وهنا مباحث، بعضها كلامية:

المبحث الأول حول فعلية يوم الدين

المبحث الثاني حول إشارة الآية إلى الموجودات الأمرية

المبحث الثالث الرد على مقالة المجبرة

 

فن الكلام

تحت هذا العنوان ناقش العلامة الخميني شبهة للفخر الرازي صاحب التفسير الكبير وهي تسلط الظالم على المظلوم ولا اريد أن أنقلها حرفاً حتى لا يطيل المقام أكثر فمن أحب المزيد فليرجع الى تفسير المرحوم مصطفى الخميني رحمة الله .

 

المبحث الرابع حول حشر الموجودات

المبحث الخامس في فعلية الجزاء

 

الموعظة الحسنة والنصيحة

في هذا التبويب ذكر العلامة رحمة الله موعظة جليلة سوف لا أنقلها هنا بل اتركها الى أن أكمل فهرسة تفسيرة للآية الكريمة حتى أختم بها وهي خير ما يمكن لنا الختام به بعدما ننتهي من ذكر عناوين ما كتبه المرحوم رضوان الله تعالى عليه .

 

رسم الخط والكتابة

التفسير والتأويل على المشارب المختلفة والمسالك الكثيرة

على مسلك أهل العرفان والشهود

 

الى هنا ينتهي العلامة السيد مصطفى الخميني رضوان الله تعالى عليه من تفسير آية مالك يوم الدين ...

 

ونحن بدورنا نختمها بما قاله من موعظة عظيمة نسأل المولى عز وجل تطبيقها والعمل فيها ( إذا بلغت القراءة إلى * (مالك يوم الدين) * فإن كان القلب مذعنا لتلك المواقف والعقبات، ومعتقدا بتلك الأيام والساعات، ومتوجها إلى تبعات الأقوال والأعمال، فترتعد منها عظامه، وترتعش منها أفئدة القارئين، وإذا كان عالما بأنه تعالى لا يقول لغوا ولا شططا ولا غلطا، ولا يكون مستهزئا ولا ممازحا، بل كلماته كلها صادقة تطابق الواقعيات، وهو برئ من الأباطيل والأكاذيب، فيتحرك نحو الفرار عن المعاصي والعمل بالطاعات، ويتحلى بحلية الأخلاق الحسنة، ويتجلي بجلباب السعادة، ويخلع ألبسة الشقاق والشقاوة، ويرتقي بأسباب العزة والإسلام إلى الملكوت الأعلى ومقام * (أو أدنى) *. 

 

فإياك يا أخي الأعز وياحبيبي وعزيزي أن تكتفي بالقراءات وآدابها الادبية والتجويدية، وعليك بالجد والاجتهاد والسعي إلى التخلق بأخلاق الله، حتى تكون تسمع الآية من قائلها وتصدر من حقيقتك ورقيقتك، فتكون - بإذن الله تعالى - مماثلا للملكوتيين في الناسوت السفلى، ومشابها للعلويين في هذه الطبيعة الظلماء، وليكن تمام السعي والجد في أن تكون أنت مظهر هذا الاسم في ناحية من نواحي تلك النشأة الكبرى، وفي ذلك اليوم الذي تخشى فيه القلوب وتبلغ لديه الحناجر.

 

ولا يتمكن من هذا المقام المنيع والمحل الرفيع، إلا بعد رفض الشيطان الرجيم حقيقة وواقعا، لا تخيلا وتقولا، فإن هذا من الأطباق الشديدة الفخمة، لا يقتدر على هدمها إلا الأوحدي. ) <5> .

 

اللهم وفقنا لذلك برحمتك وعطفك وحنانك أنك على كل شيء قدير وأنك أرحم الراحمين .

_____________

الهوامش

<1> نور الثقلين / ج 1 / ص 5

<2> تفسير القرآن الكريم / ج 1 / ص 413 _ 430 

<3> تفسير القران الكريم / ج 1 / ص 434

<4> تفسير القران الكريم / ج 1 / ص 443

<5> تفسير القران الكريم / ج 1 / ص 454

طباعة
2025/11/17
2,429
تعليق

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!