كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الشرق الأوسط… أسير بين صندوقين

هناك حقيقة سياسية مُرّة ينبغي الاعتراف بها: إن جزءًا كبيرًا من قرار الحرب والسلم في الشرق الأوسط يتأثر بما يجري في واشنطن وتل أبيب. فالعواصم العربية والإقليمية ليست مجرد متفرج، لكنها غالبًا تتحرك ضمن هامش تضبطه حسابات القوتين الأكثر تأثيرًا في المنطقة.

منذ عام 1948، ظل الشرق الأوسط يتأثر بالتوازنات الأمريكية والإسرائيلية، حتى أصبحت الانتخابات في البلدين عاملًا إضافيًا في تحديد اتجاهات الصراع ومستقبل التسويات.

في الكيان الصهيوني، تتحول قضايا الأمن والفلسطينيين والاستيطان إلى أوراق انتخابية. ويجد كثير من السياسيين أنفسهم أمام منافسة مع اليمين والمستوطنين، تجعل تقديم التنازلات السياسية مكلفًا انتخابيًا. لذلك، كثيرًا ما يتحول التصعيد الأمني إلى وسيلة لإظهار القوة وتعبئة الناخبين، وإن لم تكن كل مواجهة مرتبطة بالضرورة بموعد انتخابي.

أما في الولايات المتحدة، فالشرق الأوسط حاضر في الحسابات الانتخابية بصورة مختلفة. الجمهوريون يتنافسون على إظهار دعمهم المطلق للكيان الصهيوني، كما فعل ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. والديمقراطيون يتحدثون عن حل الدولتين وحقوق الإنسان، لكن الفجوة بين الخطاب والممارسة تبقى واضحة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بممارسة ضغط حقيقي على الحكومات الإسرائيلية.

المسألة لا تتعلق بالانتخابات وحدها، بل بتداخل المصالح الاستراتيجية مع حسابات الأحزاب والكونغرس والناخبين ومجموعات الضغط.

انظر إلى محطات المنطقة. اتفاق أوسلو تعثر بفعل اغتيال رابين والتوسع الاستيطاني وفشل المفاوضات. وغزو العراق عام 2003 جاء ضمن رؤية أمريكية أوسع لإعادة تشكيل المنطقة بعد هجمات 11 أيلول. أما الانسحاب الأمريكي عام 2011، فارتبط بتعهدات أوباما الانتخابية وبالاتفاق الأمني مع بغداد. وفي عهد ترامب، تحولت القضية الفلسطينية إلى جزء من حساباته السياسية، فجاءت صفقة القرن في سياق تحالفاته الإقليمية والداخلية. وفي حرب غزة، تداخلت حسابات نتنياهو السياسية مع أهداف الحرب والضغوط الداخلية والخارجية، فيما عجزت إدارة بايدن عن استخدام نفوذها لفرض وقف حاسم للحرب.

المشكلة الأكبر أننا في الشرق الأوسط اعتدنا تعليق مصيرنا على نتائج انتخابات الآخرين. إذا فاز الديمقراطيون انتظرنا السلام، وإذا فاز الجمهوريون توقعنا الحرب، وإذا تغيرت الحكومة في تل أبيب انتظرنا تحولًا في السياسة الإسرائيلية.

لكن واشنطن وتل أبيب لا تديران سياساتهما وفق مصالح بغداد أو دمشق أو بيروت أو القاهرة، بل وفق مصالحهما الوطنية وحسابات قادتهما وناخبيهما.

الخروج من هذه المعادلة لا يكون بالانتظار أو الرهان على تغير الحكومات، وإنما ببناء قوة ذاتية: اقتصاد قادر على الاستقلال، ومؤسسات سياسية مستقرة، وقدرات دفاعية، وتنسيق إقليمي يحوّل دول المنطقة من ساحات لتصفية الحسابات إلى أطراف قادرة على التأثير في القرارات.

إلى أن يحدث ذلك، سيبقى الشرق الأوسط يتأرجح بين صندوقين انتخابيين لا يملك مفاتيحهما، وتدفع شعوبه ثمن قرارات لم تشارك في صنعها.

الشرق الاوس.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!