كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين تصبح لقمة العيش ورقةً للصراع السياسي

 ليس الجوع مجرد أزمة اقتصادية أو نقص في الغذاء تفرضه الظروف في أماكن وأزمنة معينة، بل قد يتحول، حين يُصنع أو يُترك من دون معالجة متعمَّدًا، إلى أزمة سياسية واجتماعية تُستثمر فيها معاناة الناس لتحقيق المكاسب، ووسيلة للعبور نحو أهداف تتعلق بالسلطة والنفوذ والمصالح.

وحين يصبح تأمين لقمة العيش همًّا يوميًّا يثقل كاهل الأسر، تتراجع قدرة المواطن على المطالبة بحقوقه، ويغدو أكثر عرضة للضغوط والإغراءات والوعود التي تقدمها القوى السياسية تحت غطاء توفير الاحتياجات الأساسية. وهنا تُفرَّغ الحقوق من مضمونها، وتُقدَّم متطلبات العيش الكريم وكأنها مِنّة وهبة، لا استحقاقات أصيلة للمواطن وواجبات تقع على عاتق الدولة.

وفي خضم هذا الواقع، تتحول المساعدات الغذائية وفرص العمل والمخصصات المالية والخدمات الأساسية، لدى بعض القوى السياسية، من حقوق واجبة إلى أدوات للمساومة وكسب الولاءات وتعزيز النفوذ الانتخابي. فلا تعود الغاية معالجة معاناة المواطن، بل توظيفها لتحقيق مكاسب سياسية، سواء لتثبيت السلطة القائمة أو لإضعافها وإزاحتها.

وهكذا تصبح لقمة العيش ورقة ضغط في صراع المصالح، ويُدفع المواطن إلى أن يكون طرفًا في معركة لم يخترها، وإنما فرضتها عليه حاجته وضعف خياراته.

ومن هنا تنشأ معادلة خطيرة يتقابل فيها طرفان يتنازعان على النفوذ، وتكون حياة المواطنين واحتياجاتهم ساحةً للصراع: سلطة توظّف هذه المساعدات والامتيازات لشراء الولاءات وضمان الاستمرار، ومعارضة قد تعرقل وصول الخدمات أو تستثمر في حرمان المواطنين منها بهدف زعزعة الثقة بالسلطة وتشويه صورتها وإضعافها، تمهيدًا لإزاحتها.

وفي الحالتين، يصبح المواطن ضحية صراع لا أخلاقي، تتقدم فيه الحسابات السياسية على الواجبات الوطنية، وتُهمَّش فيه حقوق الناس لحساب المصالح المتنافسة.

وبدلًا من أن يكون التنافس السياسي وسيلة لتقديم حكومة عادلة تخدم المواطنين، أو معارضة نزيهة تدافع عن حقوقهم وتراقب أداء السلطة، يتحول إلى سباق على استثمار الفقر وتوسيع دائرة الحاجة واستغلال مواطن الضعف. وهنا يغيب جوهر العمل السياسي، الذي يُفترض أن يقوم على خدمة الإنسان وصون كرامته، لا تحويل معاناته إلى رصيد انتخابي أو سلاح لتصفية الحسابات.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة عندما يتراجع الوعي السياسي، فيفقد المواطن قدرته على التمييز بين من يسعى إلى انتشاله من أزمته ومن يتعمد إبقاءه أسيرًا لها.

وقد تبلغ هذه الممارسات ذروتها خلال المواسم الانتخابية، حين تتكاثر الوعود الفلكية، وتُستحضر الاحتياجات المعيشية لاستمالة الناخبين، بينما تُستخدم معاناتهم مادةً للتجاذب والتشهير والتسقيط السياسي. عندها يُختزل الإنسان في صوت انتخابي مؤقت، تُستثمر حاجته قبل إغلاق صناديق الاقتراع، ثم يغيب عن حسابات المتنافسين بعد انتهاء الانتخابات، وكأن دوره قد انتهى بانتهاء حاجتهم إليه.

إن أخطر ما ينتج عن هذا السلوك ليس الفقر وحده، بل تهديد الثقة بين المواطن والدولة، وبالحلول البديلة في برامج المعارضة وخطاباتها، وإضعاف مفهوم المواطنة، وتقويض الإيمان بجدوى المشاركة السياسية.

فعندما يشعر الإنسان بأن حقوقه مرهونة بولائه، وأن حصوله على العمل أو الغذاء أو الخدمة يتوقف على موقفه السياسي، تتراجع ثقته بالمؤسسات، ويحل منطق التبعية محل منطق المواطنة، وتصبح الكرامة الإنسانية رهينة لحسابات القوى المتصارعة.

وتتضاعف هذه المخاطر حين يتراجع الشعور بالهوية الوطنية والانتماء إلى الوطن والشعب، وتضعف الثقة، ويُترك المواطن فريسة لليأس والحرمان والتضليل. ففي مثل هذه الظروف، قد يقع بعض الأفراد في شباك جهات معادية تستثمر حاجاتهم وتستغل سخطهم، فتحوّلهم إلى أدوات لتنفيذ أجندات لا تخدم مصالحهم ولا مصالح وطنهم، بل تسهم في تقويض استقراره وإضعاف مؤسساته والنيل من بنيته الوطنية ومستقبله.

وهكذا لا يعود الجوع مجرد معاناة معيشية، بل يصبح مدخلًا للاختراق السياسي والاجتماعي، وتهديدًا لبناء الدولة وتماسك المجتمع.

فلا يجوز تحميل المواطن المغلوب على أمره وحده مسؤولية الوقوع في هذه الدوامة؛ فالمسؤولية الأكبر تقع على عاتق كل سلطة تهمل واجباتها، وكل معارضة تتخلى عن أخلاقيات العمل الوطني، وكل قوة سياسية تتعمد استغلال حاجة الناس بدلًا من العمل على إنهائها.

فالمواطن الذي يُحاصر بين الفقر والوعود والحرمان لا يحتاج إلى من يزايد على وطنيته، بل إلى دولة تصون حقوقه، ومؤسسات تضمن عدالة الفرص، وقوى سياسية تدرك أن كرامة الإنسان ليست ورقة انتخابية، وأن الجوع ليس وسيلة مشروعة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.

وبذلك يكون من أكبر أعداء الوطن حكومة فاسدة ومعارضة غير نزيهة.

✦ كتابات في الميزان ✦

يلامس المقال خطر تحويل الاحتياجات الأساسية إلى أدوات للولاء، حين يُقدَّم الحق للمواطن بوصفه فضلًا سياسيًّا. وتقتضي مواجهة هذا الاستغلال ربط الخدمات بمعايير عادلة ومعلنة، ومحاسبة من يعرقلها أو يساوم عليها بالأدلة. كما يبقى التمييز ضروريًّا بين استثمار المعاناة للمكاسب، وكشفها للمطالبة بإصلاح يحفظ كرامة الناس واستقلال خياراتهم.

التعيين.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!