كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حين يُغلق بابٌ… يفتح الله أبوابًا أخرى

حدثني صديقٌ عزيزٌ لي عن موقفٍ مرَّ به مؤخرًا في حياته الوظيفية، حمل في طياته درسًا عظيمًا في الرضا بقضاء الله وحسن الظن به. عُرف بالتزامه الخُلقي والديني، ومحبة زملائه في العمل له، وبحرصه على أن تكون أعماله وأقواله منسجمةً مع مخافة الله وابتغاء رضاه. كان مثالًا للموظف المسؤول الذي يؤدي واجبه بإخلاص وأمانة، وبكل جدٍّ واجتهاد، واضعًا نصب عينيه أن المسؤولية أمانة، وأن الأمانة لا تُؤدَّى إلا بالصدق والإخلاص.

لقد فوجئ بقرارٍ إداري في أحد الأيام، عند مباشرته العمل، يقضي بتغيير موقعه الوظيفي إلى موقعٍ آخر. في بداية الأمر، ربما انزعج، لكنه، بحكم عمره وخبرته، تجاهله واعتبره من الأمور البسيطة في طبيعة العمل، التي لا تُقدِّم ولا تُؤخِّر في عمله. وبينما كان يحاول فهم ما جرى، لم يستبعد أن تكون وراء هذا التغيير أحاديث نُقلت، أو كلمات قيلت في غيابه، أسهمت في تكوين صورةٍ غير منصفة عنه لدى المسؤول الأعلى، ولا سيما أن بيئات العمل لا تخلو أحيانًا من آفتين خطيرتين تهددان العلاقات الإنسانية، وتسيئان إلى سمعة الآخرين: الغيبة والنميمة.

إن النمّام هو من ينقل الكلام بين الناس بقصد الإفساد وإثارة الخلافات، وقد حذَّر الله، سبحانه وتعالى، من هذه الصفة الذميمة بقوله: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (سورة القلم: 11). أما المغتاب، فهو من يتحدث عن الآخرين في غيابهم بما يكرهون، وينال من سمعتهم وكرامتهم دون وجه حق، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (سورة الحجرات: 12).

إن العدالة في بيئة العمل تقتضي ألّا تُبنى القرارات على الشائعات والقيل والقال، وألّا يُدان الإنسان بأقوالٍ نُقلت عنه في غيابه، بل ينبغي أن تستند إلى الحقائق والأدلة والإنصاف، وأن يُمنح كل ذي حق فرصةً عادلةً لتوضيح موقفه؛ فالمناصب والمسؤوليات قد تتغير، لكن كرامة الإنسان وحقه في المعاملة العادلة يظلان فوق كل اعتبار.

لقد كان القرار صادمًا بالنسبة إليه، ولم يكن وقعه على نفسه هيّنًا؛ فقد أمضى سنواتٍ من عمره في خدمة عمله، وبذل من جهده ووقته ما استطاع، ولم يدّخر جهدًا، وسعى في أداء واجبه. فتزاحمت الأسئلة في ذهنه: لماذا حدث ذلك؟ وهل قصَّرتُ في أداء مسؤوليتي؟ أكان هناك ما لم أنتبه إليه، أم أن للأمر حكمةً لا أعلمها؟

في خضم تلك المشاعر، استحضر قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة: 216). فتوقف عند معاني هذه الآية الكريمة، وأخذ يحدث نفسه قائلًا: لعل في هذا الأمر خيرًا لا أراه، ولعل الله، سبحانه وتعالى، يصرف عني به ضررًا لا أعلمه، أو يهيئ لي طريقًا لم أكن أتوقعه.

عندها هدأ قلبه، واستسلم للرضا بقضاء الله، لا عن ضعفٍ أو يأس، بل عن إيمانٍ بأن ما عند الله خير، وأن حسن الظن به يمنح الإنسان قدرةً على تجاوز المحن دون أن يفقد سكينته أو يتزعزع يقينه. فحمد الله على كل حال، وفوَّض أمره إليه، ومضى في يومه مطمئنًا، مستعينًا بالله، وموقنًا بأن الأبواب التي تُغلق في وجوهنا قد تكون بدايةً لطرقٍ أخرى لم تخطر لنا على بال.

بعد عودته إلى منزله، عقب انتهاء الدوام، فوجئ بخبرٍ سارٍّ أثلج صدره، وأدخل السرور إلى قلبه؛ فقد علم أنه قد رُشِّح أو جرى تأهيله لتولي منصبٍ أفضل من المسؤولية التي استُبعد عنها في الصباح. ففي تلك اللحظة، تبدلت مشاعر الحزن إلى فرح، والدهشة إلى امتنان، وأدرك أن ما بدا له في أول النهار خسارةً مؤلمةً قد يكون في حقيقته بدايةً لمرحلةٍ أفضل في حياته المهنية.

لقد استشعر عظمة لطف الله، وكيف أن الإنسان قد يضيق صدره بأمرٍ لا يدرك حكمته، ثم لا تلبث الأيام أن تكشف له جانبًا من الخير الذي لم يكن يراه. فعادت الآية الكريمة تتردد في قلبه، وكأن معانيها تتجلى أمامه في صورة تجربةٍ عاشها بنفسه، وتذكَّر قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد: 28). حينئذٍ، أدرك أن ذكر الله ليس كلماتٍ تجري على اللسان فحسب، بل هو سكينةٌ تستقر في القلب، وقوةٌ تعين الإنسان على مواجهة تقلبات الحياة، وبصيرةٌ تجعله أكثر قدرةً على التوازن حين تضطرب الأمور من حوله.

لقد تعلم من هذه التجربة أنه ليس كل ما نحزن لفقدانه شرًّا، ولا كل ما نتمسك به خيرًا لنا؛ فقد تتغير الأحوال على غير ما نشتهي، وتتبدل الخطط على غير ما نريد، ثم نكتشف بعد حينٍ أن في ذلك التغيير خيرًا لم نكن نراه، أو حكمةً لم يكن عقلنا قادرًا على إدراكها في حينها.

إن الرضا بقضاء الله لا يعني ترك السعي أو التخلي عن الحقوق، بل يعني أن يبذل الإنسان ما يستطيع، ويؤدي واجبه بإخلاص، ويسعى إلى الخير، ثم يفوض أمره إلى الله، راضيًا بما يقدِّره، ومطمئنًا إلى رحمته، من غير أن يستسلم لليأس أو يسيء الظن بربه. فكم من بابٍ أُغلق أمامنا فحزنّا، ثم فتح الله لنا أبوابًا لم نكن نتخيلها! وكم من أمرٍ تمنيناه فلم يتحقق، ثم أدركنا بعد مرور الأيام أن عدم تحققه كان خيرًا لنا! وكم من لحظاتٍ ظنناها نهاية الطريق، فإذا بها بدايةٌ لطريقٍ أجمل وأوسع!

إن الحياة لا تسير دائمًا وفق ما نرسمه لها، ولكن المؤمن يستمد قوته من ثقته بالله، ويستضيء بنور الإيمان حين تشتد عليه الحيرة، ويعلم أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وأن ما يخفى علينا اليوم قد تتضح بعض حكمته غدًا، وقد تبقى حكمته غائبةً عنا، فنفوض أمرنا إلى الله، ونحسن الظن به.

في ختام هذه الحكاية، يبقى الدرس الأجمل: لا تجعل لحظةً من الحزن تحجب عنك سعة رحمة الله، ولا تحكم على أحداث حياتك من بداياتها وحدها؛ فرُبَّ أمرٍ أبكانا في أول النهار كان سببًا لابتسامتنا في آخره، ورُبَّ بابٍ أُغلق في وجوهنا كان وراءه خيرٌ لم نكن نعلمه.

✦ كتابات في الميزان ✦  
يقترب المقال من شعورٍ يعرفه كثير من الموظفين حين يتغير موقعهم، فيختلط الإحساس بالظلم بالخوف من القادم. وتكمن قوته في ربط الطمأنينة بالسعي وحفظ الحقوق، فلا يتحول الرضا إلى قبولٍ بالإساءة. ومع أن الحكاية انتهت بخبرٍ سار، فإن معناها الأوسع يبقى في قدرة الإنسان على حفظ توازنه حتى حين يتأخر التعويض أو تظل الحكمة خافية.

الدعاء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!