كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

القضاء الدستوري … صمام أمان الدولة وحارس الشرعية

 في الدول التي تمر بتحولات سياسية معقدة، وتواجه أزمات في تفسير النصوص الدستورية أو تطبيقها، يصبح القضاء ركيزة أساسية في حماية الدولة ومنع انزلاقها نحو الفوضى، لما يضطلع به من دور في صون الشرعية وتحقيق التوازن بين السلطات.
منذ عام 2003، واجه العراق سلسلة من الإشكالات السياسية والدستورية، كشفت عن ثغرات في بنية العملية السياسية، سواء في تفسير بعض مواد الدستور، أو في آليات تشكيل السلطات، أو في تنظيم العلاقة بين المؤسسات الاتحادية والإقليمية. وقد جعل ذلك السلطة القضائية تتحمل مسؤولية تتجاوز دورها التقليدي في فض المنازعات، لتصبح حارسة للدستور وميزاناً لاستقرار الدولة.
وقد أثبت القضاء العراقي، ولا سيما المحكمة الاتحادية العليا ومجلس القضاء الأعلى، أهمية وجود مرجعية قانونية تفصل في النزاعات، وتضع حدوداً للتجاذبات السياسية. فقد كان للقضاء دور في حسم قضايا دستورية مهمة، من تفسير الكتلة النيابية الأكبر، إلى تحديد التوقيتات الدستورية المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس مجلس الوزراء، فضلاً عن معالجة عدد من الإشكالات القانونية والدستورية التي ظهرت بين مؤسسات الدولة.
إن أهمية القضاء لا تكمن في إصدار الأحكام فحسب، بل في قدرته على حماية فكرة الدولة ذاتها. فعندما تعجز القوى السياسية عن الاتفاق، وتتحول النصوص الدستورية إلى موضع تأويلات متباينة، يصبح القضاء الجهة التي تسهم في منع الفراغ الدستوري، وتحافظ على استمرارية المؤسسات، مستنداً إلى النص الدستوري وروحه، ومبادئ العدالة والمصلحة العامة.
وقد برز خلال السنوات الأخيرة دور القضاء العراقي في ترسيخ التداول السلمي للسلطة، وتحديد المسارات القانونية عند اشتداد الأزمات السياسية، بما يمنع تجاوز الدستور أو الالتفاف عليه. ومن هنا، فإن استقلال القضاء ونزاهته وهيبته تمثل ركائز أساسية لبناء دولة مستقرة، قادرة على حماية الحقوق والحريات ومنع التعسف والانفراد بالسلطة.
وفي المحصلة، فإن القضاء الدستوري ليس ترفاً قانونياً، بل ضرورة وطنية لضمان استقرار الدولة واستمرار مؤسساتها. وإذا كانت السياسة قد تفرق الفرقاء أحياناً، فإن كلمة القضاء تبقى الفيصل الذي يعيد للدولة توازنها، ويحفظ للدستور مكانته، ويؤكد أن لا سبيل إلى بناء وطن قوي إلا بسيادة القانون واحترام المؤسسات.

مجلس القضاء الاعلى.jpg

 

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!