كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

ذكريات مع الشيخ الوكيل وتجديد عهد لابد أن يحفظ...

في ليلة السادس من ربيع الثاني من سنة ثمان وأربعين ومائة بعد الألف جددت عهدا مع الموت لتصل رسالة جديدة تذكّر بقول الشاعر :

خــذ رشــد نـفـسك مــن مــرآة عـقلك
لا بـالوهم مـن قـبل أن يـغتالك الأجلُ

فـالـعـقـل مـعـتـصمٌ و الــوهـم مُـتـهـمٌ
و الـعـمـر مـنـصـرمٌ و الــدهـر مـرتـحلُ

إن الأنــــامَ مِــطــىْ الأيـــام تـحـمـلهُم
إلــى الـحِـمامِ و إن حـلـوا أو ارتـحـلوا

لا يــولــد الــمــرء إلا فــــوق غــارِبـهـا
يــحــدو بـــه لـلـمـنايا ســائـقٌ عــجـلُ

يــا مـنـفق الـعـمر فـي عـصيان خـالقه
أفـــق فـإنـك مــن خـمـر الـهـوى ثـمـلُ

تـعـصيه لا أنــت مــن عـصـيانه وجـلٌ
مـــن الـعـقـاب و لا مـــن مَـنـهِ خـجـلُ

أنـفـاس نـفـسك أثـمـان الـجـنان فـهل
تـشـري بـهـا لـهـباً فـي الـحشر تـشتعلُ

مـا عـذر مـن بـلغ الـعشرين إن هجعت
عـيـنـاه أو عــاقـه عـــن طـاعـةٍ كـسـلُ

فقصدت لذلك وبعض إخوتي المغتسل لنقيم على نفوسنا حجة، ونكتب ذكرى أخرى مع مقبرة النجف. 
تلك الموعظة الكبرى التي أعيش خيبة نسيانها والغفلة عنها.
تلك الدار العامرة بالموتى، المليئة بالجسوم الهازلة والأنسجة البالية، حيث تضيع الفخامة مهما بالغ ذوو الفقيد في إبرازها عند قبره. 

حيث الصمت المرعب الصارخ بالحق الأكيد : (كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون).

على كل حال، فقد ذهبت اليوم لأودع قصة ضاربة في القدم، رجلا عرفته منذ صباي، وطالبا أخذت أول درس من دروس الحوزة على يده، ثم استاذا أخذت منه شطرا من فقه آل محمد، وناصحا أفدت منه كثيرا في التعرف على مطالب كثيرة ومواضيع مختلفة، ومشجعا على توسعة الأفق وتنوع القراءات، ومؤكدا على ضرورة الجدية قبل أن يفوت الوقت. 
كان راعيا حنونا ومربيا متواضعا لم تفارقه البسمة حتى في أيامه الأخيرة. 

جلست أتذكر الشيخ حيدر الوكيل وأياديه البيضاء فقد شمر عن ساعد الجد في التأليف والكتابة رغم أنه يعاني من صحته كما يعاني من مرضه، فقد أخبره الطبيب بأن جسده منخور بالأمراض وأن كثيرا منها يرجع إلى عهد الولادة وأن أمره مهما فعل صعب. 
 وبعد أن رحل إلى ربه أجدني محرجا جدا من أن لا أفي له بما يستحقه من ذكر مآثره ومواقفه النبيلة. 
نشأ الشيخ حيدر رحمه الله في بيئة كريمة مرموقة، وشغف بطلب العلم فودع تلك الديار وأكارم أهلها، واستوطن أرض غربة تألف وتؤلف، وتسكن حنايا الروح وتملأ الإنسان اطمئنانا، إنها تسكنهم قبل أن يسكنوها، وتسكّنهم مهما كان الحر والفقر والجهد أشداء عليهم. 

لذا وتد قدمه في الأرض واختار النجف مسكنا ومدفنا. 

ومما تميز به الشيخ الوكيل أنه كان محبا لطلاب العلم ومقدسا لجهودهم، يشجع كبيرهم وصغيرهم، يمازحهم ويدعمهم. 
لم أجد فيه أي حساسية من أقرانه حتى من فارقهم 
 ومن ذلك أنه كان يشتري مؤلفاتهم ويوزعها للآخرين لأجل أن يتشجع المؤلف على الإنتاج من خلال شعوره بأن الأيدي تلقفت كتبه. 
يسهل عليه التراجع لو التفت إلى خطأ أو سهو. 
أما ما لا أنساه فإنه شجعني كثيرا على الخدمة وعدم التواني في أداء الدور المطلوب من طالب العلم، وقدم الدعم المعنوي حتى في أعمال بسيطة كنت أتخيل أنها مهمة أو أرجو أن تكون منتجة في المستقبل. 
لم يتعال على عمر أو فرق في التحصيل، فكان يلغي تلك الفوارق ويتوجه إلى الغرس منتظرا موسم الحصاد. 

مما أبتلي به الشيخ الوكيل رحمه الله أنه كان كريما جدا، وذا تقدير كبير لطلاب العلم وبسبب ذلك تراكمت عليه الديون بعد أن اهتم بتوفير دعم لطالب هنا أو شراء كتاب لآخر هناك. 

هذا وغيره من الدوافع النبيلة التي ظلت في ذاكرة من عرفه عن قرب. 
وكنت ممن تقرب منه وانتفع منه، ولست أعرف كيف أفي له دون الدخول في جدل صار لازما للشيخ الفقيد إلا أني أجعل الموت وسيلة عسى أن يكون شفيعا.

نفثة :
وعلى كل حال فإن المعدن إذا اقترب من نور الأمير (ع) وبركات البراءة فإنه يسمو حتى على العناوين مهما كبرت إن لم تحفظ خصائصها، ولم تجسد أصالة الولاية ولا شيدت سورها.

رحل الشيخ حيدر الوكيل رحمه الله بعد عمر حافل بالجهد والصبر وتجرع آلام الظروف وضعف البدن إلا أنه كسر تلك القيود، فجزاه الله خير الجزاء وتقبل الله منه ورفع درجاته وأناله شفاعة ساداته.
رحم الله من أهداه الفاتحة.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.

تنويه: ورد هذا المقال إلى موقع «كتابات في الميزان»، وطلب مرسله نشره من دون ذكر اسم الكاتب؛ لذا اقتضى التنويه.

الشيخ_حيدر_الوكيل.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!