كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

المصاهرة وأسماء الأبناء في العصر الإسلامي الأول  بين الحقيقة التاريخية والتوظيف المذهبي

أقصد بالمصاهرة وبأسماء الأبناء تلك القضية الخاصة بالصحابة، وتحديدا القضية المثيرة للجدل بين الخلفاء الثلاثة وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) تلك المسألة التي هي واحدة من أكثر القضايا عمقا وحساسية في التاريخ الإسلامي، والتي تمثل نقطة ارتكاز جوهرية في الخلاف التاريخي بين القراءتين السُّنّية والشيعية. ولذا أرى أن من يريد استجلاء حقيقتها يجب ألا ينظر إلى التاريخ بعين مذهبية مسبقة الصنع، وإنما يتوجب النظر إليها بعين لها قدرة محايدة على تفكيك السياقات السياسية والاجتماعية والقبلية للقرن الهجري الأول.
وأول ما يجب العناية به هو طبيعة الخلاف الذي نشأ بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وتحديدا في حادثة السقيفة وما نتج عنها، أقصد النظر إليه فيما إذا ما كان عداء شخصيا أم صراعا سياسيا؟ إذ هناك العديد من الدلائل التي يتبين من خلالها أن الخلاف الذي نشأ لم يكن عداء شخصيا قائما على الكراهية المحضة، بقدر ما كان صراعا سياسيا ودستوريا وجوديا حول حفظ جوهر الدين ومسألة قيادة وإدارة شؤون الدولة الإسلامية الناشئة.
فمن منظور آل البيت (عليهم السلام) أن القيادة حق شرعي لمن نصبه الله تعالى، لاعتبارات إلهية ونبوية، وأن إقصاء صاحبها كان تجاوزا لهذه التوصيات. أما من منظور أهل السقيفة وأتباعهم فهم كانوا يرون الأمر من منطلق قبلي بحت، وهو أن العرب لن تجتمع على حصر النبوة والخلافة في بيت بني هاشم، وأن الشورى والمصلحة السياسية تقتضي اختيار الأكبر سنا مثلما كان يتم اختيار شيخ القبيلة تماما، وكأن الإسلام لم ينزع عنهم روحهم القبلية.

هذا التنافس السياسي المر أنتج بلا شك عتبا كبيرا بينهما، ونتجت عنه مواقف مشحونة وعدوانية مثل قضية فدك وموقف بيعة الإمام علي (عليه السلام) للخليفة الأول، وجريمة حرق بيت السيدة الزهراء (عليها السلام)، ومع ذلك لم يلغِ أن الطرفين كانا يتحركان تحت مظلة مشروع الدولة الإسلامية وإن اختلفت رؤاهما بين العقائدية الراسخة والبراغماتية النفعية. 
وهذا لا ينفي أيضا وجود منافسة حقيقية وكبيرة جدا بينهما فالعقل والواقع يجتمعان ليؤكدا حقيقة أن المنافسة حينما تكون على مورد أو سلطة أو مكانة اجتماعية تُنتج كرها وبغضا يتحولان إلى مشاعر سلبية، ولاسيما إذا ما شعر أحد الطرفين بالظلم أو الإقصاء أو التهديد. وقد لاحظ علماء النفس والاجتماع أن المنافسة الشديدة كثيرا ما تخلق التحيز وسوء الظن والعداء، وهذا ما حدث فعلا. 
ومن منظور تاريخي، يُعد الصراع على السلطة السياسية واحد من أكثر أنواع المنافسة قدرة على إنتاج العداوات، لأنه لا يتعلق بالنجاح الشخصي فقط، بقدر ما يتعلق بالقيادة والنفوذ والمشروعية والمصالح المرتبطة بها. وما نتج يومذاك كان صراعا سياسيا بامتياز وقد أنتج كما كبيرا من العداء بين الاثنين، كان من نتائجه جريمة حرق بيت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ومن يحرق بيته ويُهدد بالقتل لابد وان يحمل في قلبه ضغينة على مخالفيه. لذلك ليس مستغربا ولا من المستبعد أن تنشأ مشاعر سلبية بين الأطراف المتنافسة، حتى لو لم تصل إلى القطيعة الكاملة. 

أما لغز المصاهرة ولاسيما موضوع زواج عمر من طفلة الإمام علي (عليه السلام) فيمثل تحديا روائيا كبيرا، فالرواية السنّية ساقت الواقعة كدليل قاطع على عدم وجود عداء بينهما، وحاولت التأكيد على وجود ود واحترام متبادل بلغ حد المصاهرة وانصهار الدماء.
وفي الرواية الشيعية تنقسم المواقف بين من ينكر وقوع الحادثة أصلا ويراها من وضع المؤرخين اللاحقين لتبرير شرعية الخلافة، وبين من أثبت وقوعها مثل الكليني في الكافي، الذي فسرها على أنها تمت تحت الضغط والإكراه السياسي لحفظ دماء المسلمين ودفع مفسدة أكبر (فرج مستباح).!
تجدر الإشارة إلى أن المصاهرة كانت في أعراف العرب وحسابات السياسة القديمة هي الأداة الدبلوماسية الأولى لإنهاء الخصومات وتأليف القلوب. حتى وإن كان بين الطرفين جفاء سياسي. والمعروف أن الإمام (عليه السلام) لم يؤمن بأعراف العرب بعد أن وجد نفسه مؤتمنا على أعراف الإسلام، وحساباته السياسية كانت تنبع من روح الدين والعقيدة، وهي لا تشبه حسابات الآخرين. بمعنى أنه لا يحتاج لمناهج السياسة مثلما يحتاجون هم إليها.!

وهذا الموضوع ينسحب على أسماء الأبناء، ومنه ما قيل عن تسمية الإمام علي (عليه السلام) لبعض أولاده بأسماء الخلفاء، فهذه تبدو وكأنها حقيقة تاريخية ولاسيما بعد أن استشهد مع الحسين (عليه السلام) في كربلاء إخوته أبو بكر وعمر وعثمان. وقد فُسر هذا الأمر من قبلهم على أنه 
دليل حب ظاهر، فلا يمكن لإنسان عاقل أن يسمي أولاده باسم عدوه أو غاصب حقه.
أما وفق تفسيرنا فالتسمية لم تكن تيمنا بهؤلاء الأشخاص بالضرورة. فأسماء مثل عمر وعثمان وكنية أبي بكر كانت أسماء عربية شائعة جدا في المجتمعين الجاهلي والإسلامي وليست حكرا على الخلفاء. فاسم عمر كان اسما عربيا معروفا قبل الإسلام بمدة طويلة. وفي كتب الصحابة والتراجم نجد عشرات الأشخاص باسم عمر من الصحابة وحدهم، فضلا عن وجوده في الجاهلية. لذلك يمكن القول إن الاسم كان شائعا جدا وليس مقصورا على عمر بن الخطاب. ومثله اسم عثمان وهو اسم عربي قديم معروف قبل الإسلام. ونجد في مصادر التراجم عددا كبيرا من الصحابة والتابعين بهذا الاسم، وإن كان أقل انتشارا من عمر. وكان الاسم موجودا قبل عثمان بن عفان بوضوح.
ولهذا فإن معظم المؤرخين لا يعدّون مجرد تسمية شخص باسم عمر أو عثمان دليلا قاطعا على الموقف السياسي أو العاطفي من أصحاب هذه الأسماء، لأن الأسماء نفسها كانت متداولة في المجتمع العربي قبل أن ترتبط بشخصيات تاريخية بعينها. علما أن هناك اليوم عشرات ممن يحملون اسم (علي) وهم يتطاولون على علي عبر الفضائيات.!
ولهذا يتحفظ كثير من المؤرخين على الاستدلال بالتسمية وحدها لإثبات المحبة أو الولاء السياسي؛ لأن الاسم الشائع قد يُختار لأسباب متعددة، وليس بالضرورة نسبةً إلى شخصية معينة. والأهم من ذلك أن هناك روايات تذكر أن الإمام علي (عليه السلام) صرّح أنه سمى ابنه عثمان تيمنا بالصحابي البطل عثمان بن مظعون. ولو قرأنا الموضوع قراءة محايدة سنرى أن المجتمع العربي آنذاك لم يكن يعيش بالعقلية المذهبية المعاصرة، وهذه الأسماء كانت متداولة في المجتمع منذ مئات السنين، فضلا عن ذلك ثبت تاريخيا أن حملة تلك الأسماء لم يحققوا إنجازات تاريخية ترتبط بأسمائهم ليتبرك الناس بتلك الأسماء.

❖ كتابات في الميزان ❖

يناقش النص الاستدلال بأسماء بعض أبناء الإمام علي (عليه السلام) لإثبات موقفه السياسي أو العاطفي من شخصيات تاريخية حملت الأسماء نفسها. ويرى أن «عمر» و«عثمان» وكنية «أبي بكر» كانت متداولة في المجتمع العربي، ولذلك لا تكفي التسمية وحدها لإثبات المحبة أو الولاء. ويستشهد بتسمية عثمان تيمنًا بالصحابي عثمان بن مظعون، داعيًا إلى قراءة القضية بعيدًا عن إسقاط العقلية المذهبية المعاصرة على المجتمع الإسلامي الأول.

دلالة_الاسماء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!