في كل مرة تعلن فيها الرياض عن اعتراض صاروخ أو مسيّرة «قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة المكرمة»، ينقسم العالم الإسلامي تلقائياً إلى معسكرين: معسكر يرى في الحوثيين جماعة لا تتورع عن تهديد قبلة المسلمين، ومعسكر يرى في الرواية السعودية مسرحية مكشوفة لاستثارة العواطف. والحقيقة، كالعادة، قد لا تقيم في أي من المعسكرين.
يوم الثلاثاء 15 سبتمبر، أعلن التحالف اعتراض مسيّرة جنوب مكة. فوراً خرجت بيانات الإدانة من إسلام آباد إلى منظمة التعاون الإسلامي. وبعد ساعات، خرج يحيى سريع نافياً: أهدافنا نفطية وعسكرية، بعيدة كل البعد عن المشاعر المقدسة.
هذا المشهد ليس جديداً. رأيناه في أكتوبر 2016، ويوليو 2017، ويونيو 2019. في كل مرة تقول السعودية «مكة»، ويقول الحوثيون «جدة والطائف». والجغرافيا هي كلمة السر التي يتجاهلها الجميع عمداً.
مطار جدة، والمنشآت النفطية في محيطها، والمواقع العسكرية في منطقة الطائف، كلها أهداف تقع في نطاق جغرافي قريب نسبياً من مكة. وفي ظروف الحرب، لا يمكن استبعاد احتمال الخطأ في المسار أو فشل الاعتراض، خصوصاً مع استخدام أسلحة بعيدة المدى في بيئة معقدة من التشويش والدفاعات الجوية.
يمكن عندها أن يكون الاعتراض «جنوب مكة» صحيحاً تقنياً، وأن يكون النفي الحوثي «لم نستهدف مكة» صحيحاً من حيث القصد أيضاً.
لكن المشكلة ليست في الصاروخ، بل في توظيفه. وهنا ننتقل من حرب الصواريخ إلى حرب إدارة العواطف.
الصاروخ قد يخطئ هدفه، لكن الخبر عن الصاروخ لا يخطئ أبداً هدفه العاطفي.
بالنسبة للسعودية، ورقة «استهداف مكة» هي أقوى سلاح تعبئة تملكه. هي تنقل الحرب من كونها صراع نفوذ في اليمن، إلى كونها دفاعاً عن الإسلام نفسه. كلمة «مكة» وحدها كفيلة بإلغاء العقل. من يستطيع أن يتعاطف مع جماعة تحاول قصف الكعبة؟ بهذه الجملة البسيطة يتم إسكات أي نقاش عن حرب اليمن أو غارات التحالف. يتم تحريك عاطفة مليار ونصف مسلم بضغطة زر.
وبالنسبة للحوثيين، فإن نفي استهداف مكة هو مسألة بقاء عقائدي. الجماعة التي تقدم نفسها كحركة قرآنية وجزء من محور المقاومة، تعرف أن تهمة تهديد الحرمين كفيلة بنزع أي شرعية دينية عنها، حتى لدى جمهورها وحلفائها. لذلك ستنفي استهداف مكة، وتؤكد أن أهدافها عسكرية واقتصادية وبعيدة عن المشاعر المقدسة. هي أيضاً تدير عاطفة جمهورها: نحن لا نحارب مكة، نحن نحارب من نراه مسؤولاً عن الحرب.
نحن أمام استغلال مزدوج للمقدس.
المقدس الذي كان يجب أن يبقى خطاً أحمر فوق الحرب، أصبح هو نفسه وقوداً للحرب. أصبح زراً أحمر يُضغط عليه لشحن الناس إلى الحرب، لا لحمايتهم منها.
السؤال الذي يجب أن نسأله ليس فقط: «هل أطلق الحوثيون؟»، بل: «هل توجد أدلة تثبت أنهم أرادوا قصف مكة؟»
أي عقل عسكري يقرر قصف مكان يتواجد فيه ملايين الحجاج والمعتمرين، وهو يعلم أن الفعل سيجعله عدواً لجزء كبير من الأمة الإسلامية، من دون مكسب عسكري واضح؟
الحقيقة أن الأمر يحتاج إلى أكثر من رواية رسمية أو نفي سياسي. يحتاج إلى أدلة مستقلة تحدد مسار السلاح، ونقطة إطلاقه، ونوعه، والهدف الذي كان يتجه إليه.
لذلك، لا نستطيع حتى الآن أن نجزم بأن مكة كانت هدفاً مقصوداً، كما لا نستطيع أن نجزم بأن احتمال الخطأ أو الانحراف كان مستحيلاً.
لكن شيئاً واحداً يبدو واضحاً: مكة تحولت إلى هدف في الحرب الإعلامية، حتى لو لم تكن هدفاً للصاروخ.
والخلاصة: مكة لم تُثبت أنها استُهدفت كهدف مقصود. لكنها استُخدمت كهدف لإدارة العواطف.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!