كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

القرآن بوصفه مرجعية حاكمة قراءة انطباعية في كتاب «نظرية الهيمنة في القرآن الكريم: دراسة تحليلية»

يأخذ كتاب «نظرية الهيمنة في القرآن الكريم: دراسة تحليلية» قارئه إلى مساحة تتجاوز التفسير الجزئي لمفردة قرآنية، ليضعه أمام سؤال معرفي واسع: كيف يستعيد القرآن الكريم موقعه بوصفه مرجعية عليا تحكم الأفكار والمناهج والمعارف، ولا يكون مجرد نص يُستشهد به بعد اكتمالها؟

ينطلق الكتاب من قوله تعالى: ﴿ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، لكنه لا يتوقف عند الدلالة اللغوية أو السياق التفسيري المباشر للآية، بل يحاول اكتشاف ما يمكن أن يتأسس عليها من رؤية قرآنية متكاملة. فالهيمنة، وفق المسار الذي يتبناه الكتاب، ليست تسلطًا أو إلغاءً لما سبق، وإنما حضور معياري يجمع بين التصديق والحفظ والشهادة والتقويم، ويمنح القرآن موقع الحاكم على ما يُعرض عليه من موروثات وأفكار ومناهج.

وأبرز ما يلفت النظر في هذه الدراسة هو طموحها التأسيسي؛ فهي لا تكتفي باستدعاء النص القرآني لتأييد نظرية جاهزة، وإنما تسعى إلى اشتقاق النظرية من القرآن نفسه. وهنا تتبدل العلاقة بين النص والمعرفة: فلا يعود القرآن شاهدًا يُستدعى لتجميل خطاب فكري مكتمل، بل يصبح نقطة البداية التي تُبنى في ضوئها المفاهيم، وتُختبر بها النتائج.

يمنح هذا الاتجاه الكتاب قيمة خاصة في زمن تتعرض فيه الثقافة الإسلامية لسيل من المصطلحات والنظريات المستوردة. والمؤلف لا يدعو، كما يوحي مسار الكتاب، إلى إغلاق باب الاستفادة من المعرفة الإنسانية، ولا إلى رفض كل ما أنتجه الفكر الحديث، بل إلى امتلاك ميزان معرفي يحفظ للباحث استقلاله، ويمنعه من التعامل مع النظريات الوافدة بوصفها حقائق نهائية لا تقبل المراجعة.

إن استعادة مفهوم الهيمنة القرآنية تعني أن يكون القرآن حاضرًا في لحظة إنتاج المعرفة، لا في خاتمتها فقط؛ وأن يكون معيارًا لفحص المقولات المتعلقة بالإنسان والمجتمع والتاريخ والأخلاق، لا مصدرًا للبركة والاستشهاد المنفصل عن حركة التفكير. ومن هنا يبدو الكتاب دعوة إلى مراجعة طرائق تعاملنا مع القرآن قبل أن يكون بحثًا في مفهوم واحد من مفاهيمه.

كما يربط الكتاب بين الهيمنة وقضايا التصديق والخاتمية وعالمية الرسالة الإسلامية، فيكشف أن مرجعية القرآن لا تُفهم بمعزل عن موقعه في مسيرة الوحي. فالقرآن يصدّق ما سبقه من الكتب، لكنه لا يكررها؛ ويحفظ أصول الرسالات، لكنه يمتلك في الوقت نفسه سلطة البيان والتقويم. وبذلك تصبح الهيمنة امتدادًا طبيعيًّا لخاتمية الرسالة وعالميتها.

وتكشف كثرة المصادر القرآنية والكلامية والفقهية والفكرية التي استفاد منها البحث عن رغبة في بناء النظرية ضمن شبكة واسعة من المعارف. غير أن قيمة الكتاب لا تكمن في كثرة مراجعه وحدها، بل في السؤال الذي يحاول تنظيمها من خلاله: كيف يمكن تحويل مفهوم قرآني إلى قاعدة معرفية قادرة على الإسهام في بناء رؤية إسلامية معاصرة؟

يخرج القارئ من الكتاب وهو أكثر وعيًا بالفارق بين الرجوع إلى القرآن والاحتكام إليه. فقد نرجع إلى القرآن بحثًا عن آية تؤيد رأيًا سابقًا، لكن الاحتكام إليه يعني الاستعداد لمراجعة الرأي نفسه، وإعادة بنائه أو التخلي عنه إذا لم ينسجم مع ميزانه. وهذه النقلة من الاستشهاد إلى الاحتكام تمثل، في تقديري، جوهر المشروع الذي يسعى الكتاب إلى تأسيسه.

ومع أهمية هذا الطموح، تظل «نظرية الهيمنة» بحاجة إلى امتدادات تطبيقية تكشف كيفية عملها عند فحص النظريات الاجتماعية والإنسانية والفلسفية المعاصرة. فنجاح أي نظرية قرآنية لا يكتمل بتأصيل مفهومها فحسب، بل بقدرتها على إنتاج أدوات واضحة للتحليل والتقويم، وتقديم بدائل معرفية قابلة للحوار والاختبار.

لقراءة الكتاب كاملا : أضغط هنا 

نظرية_الهيمنة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!