من المعلوم أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية منظمة حكومية دولية مستقلة ضمن منظومة الأمم المتحدة، وليست منظمة غير حكومية. وقد دخل نظامها الأساسي حيّز النفاذ في 29 تموز/يوليو 1957، بهدف تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، ومنع تحويل المواد والتقنيات النووية من الأغراض السلمية إلى الأغراض العسكرية.
وللاضطلاع بهذه المهمة، تمارس الوكالة أعمال الرقابة والتحقق والتفتيش في الدول التي أبرمت معها اتفاقات ضمانات، ولا سيما الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وهي تتمتع بنظام أساسي خاص، وترفع تقاريرها إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإلى مجلس الأمن الدولي عند الاقتضاء، وفقًا لطبيعة ولايتها والاتفاقات المبرمة مع الدول.
وقد بذل المجتمع الدولي جهودًا كبيرة لإقرار الاتفاقيات والمعاهدات التي تضع ضوابط استخدام الطاقة النووية، وحصرها في الأغراض السلمية، وإخضاعها لرقابة دولية. وفي هذا السياق، فُتحت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية للتوقيع عام 1968، لتؤسس إطارًا دوليًا يقوم على منع الانتشار، ونزع السلاح، وضمان الحق في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
الحياد أساس العمل الدولي
يُفترض في المنظمات الدولية، ولا سيما الهيئات الفنية ذات المهام الحساسة، أن تؤدي دورها بحياد واستقلال، وأن تطبق المعايير ذاتها على جميع الدول، بعيدًا عن الضغوط السياسية وموازين القوة.
لكن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، على الرغم من اعتماد الاتفاق بموجب قرار مجلس الأمن رقم (2231)، فتح الباب أمام أزمة سياسية وقانونية معقدة. وكان المتوقع أن تقف المؤسسات الدولية بوضوح أمام الإجراءات الأحادية التي قوضت الاتفاق، وأن تضغط باتجاه التزام الأطراف جميعًا بتعهداتها.
غير أن مسار الأحداث عزز الانطباع بأن بعض المؤسسات الدولية لم تستطع النأي بنفسها عن الصراع السياسي، وأن التقارير الفنية والقرارات الرقابية أصبحت جزءًا من أدوات الضغط المتبادل بين القوى الكبرى وإيران.
ومن واجب الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تحافظ على استقلالها الفني، وألّا تسمح بتحويل عملها الرقابي إلى وسيلة لخدمة الاستراتيجيات السياسية لواشنطن أو تل أبيب أو غيرهما؛ لأن فقدان الثقة بحيادها لا يضر بدولة واحدة فحسب، بل يهدد منظومة عدم الانتشار النووي بأكملها.
المعايير المزدوجة
تثير طريقة تعامل الوكالة مع الملفات النووية المختلفة تساؤلات بشأن ازدواجية المعايير. فالضغط المتواصل على إيران يقابله غياب رقابة دولية مماثلة على القدرات النووية الإسرائيلية غير المعلنة.
ويجب، من الناحية القانونية، الإشارة إلى أن الكيان الإسرائيلي ليس طرفًا في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولذلك لا تخضع جميع منشآته لاتفاق ضمانات شاملة مع الوكالة. إلا أن هذا الواقع القانوني لا يُنهي المشكلة، بل يكشف خللًا أعمق في النظام الدولي؛ إذ تبقى منشآت وقدرات نووية خارج الرقابة الشاملة، في وقت تتعرض فيه دول أخرى لأشد درجات التفتيش والضغط والعقوبات.
ومن هنا، فإن المطالبة بمنطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط يجب ألّا تبقى شعارًا، بل ينبغي أن تتحول إلى سياسة دولية عادلة تُطبق على جميع دول المنطقة بلا استثناء.
إيران بين الرقابة والضغوط السياسية
تؤكد إيران أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، وتنفي سعيها إلى إنتاج سلاح نووي، كما أعلنت مرارًا استعدادها للتفاوض وتسوية القضايا العالقة. وفي المقابل، تقول الوكالة إن لديها مسائل ضمانات لم تُحسم، وإن قدرتها على التحقق تأثرت بالقيود المفروضة على عمليات التفتيش.
والمشكلة هنا لا تكمن في حق الوكالة في طلب الإيضاحات أو ممارسة التحقق؛ فهذا من صميم ولايتها، بل في البيئة السياسية المحيطة بتقاريرها وقراراتها، وفي احتمال توظيف نتائج العمل الفني لتبرير ضغوط أو إجراءات عسكرية وسياسية معدة سلفًا.
وقد تعرضت إيران لهجمات عسكرية استهدفت منشآتها وشخصيات علمية وعسكرية ومدنيين، في وقت كانت فيه المسارات التفاوضية قائمة. والأشد إثارة للأسف أن بعض الجهات التي ترفع شعارات حقوق الإنسان والقانون الدولي سعت إلى تبرير تلك الهجمات بدلًا من إدانتها والتحذير من خطورتها على الأمن الإقليمي والدولي.
إن استهداف المنشآت النووية، بصرف النظر عن الخلاف السياسي مع الدولة المالكة لها، ينطوي على مخاطر جسيمة، وقد يقود إلى أضرار إشعاعية وبيئية تتجاوز حدود الدولة المستهدفة، فضلًا عن تقويض الدبلوماسية ودفع المنطقة نحو مواجهة أوسع.
منع الوفد الإيراني من المشاركة
أثارت واقعة منع رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، من حضور المؤتمر العام السبعين للوكالة في فيينا، في أيلول/سبتمبر 2026، جدلًا واسعًا بشأن حقوق الدول الأعضاء في التمثيل المتساوي داخل المنظمات الدولية.
ووفق المعطيات المنشورة، لم يكن المنع قرارًا مباشرًا من الوكالة؛ إذ ارتبط بحظر سفر أممي، وباعتراض الولايات المتحدة على منحه استثناءً يسمح له بدخول النمسا. غير أن النتيجة العملية بقيت واحدة: غياب رئيس وفد دولة عضو عن اجتماع الهيئة العامة للمنظمة المعنية مباشرة بملف بلاده.
وتشكل هذه الواقعة سابقة مقلقة؛ لأن السماح للخلافات السياسية والعقوبات بمنع ممثلي الدول الأعضاء من الحضور والدفاع عن مواقفهم قد يمس شرعية الاجتماعات الدولية ومبدأ المساواة بين الدول.
إحالة الملف الإيراني
زاد قرار مجلس محافظي الوكالة، في أيلول/سبتمبر 2026، بإحالة تقاريره وقراراته المتعلقة بالملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، من حدة التوتر.
وقد جاء القرار بمبادرة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية الثلاث: بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مستندًا إلى اتهام إيران بعدم تقديم المعلومات وإتاحة الوصول اللازمين بشأن بعض الأنشطة والمواد النووية.
لكن توقيت القرار والسياق السياسي والعسكري المحيط به يثيران تساؤلات مشروعة عن مدى الفصل بين العمل الفني للوكالة وبين أهداف القوى التي تسعى إلى تشديد الضغط على إيران. فحين تُتخذ القرارات في بيئة تتداخل فيها العقوبات والتهديدات والضربات العسكرية، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن الملف ما زال فنيًا بحتًا.
## خطر تسييس المؤسسات الدولية
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الوكالة الدولية للطاقة الذرية هو فقدان ثقة الدول الأعضاء بحيادها. فإذا شعرت الدول بأن التعاون والشفافية لا يحميانها من العقوبات أو الاعتداء، فقد تتراجع الحوافز للالتزام بأنظمة التفتيش والضمانات، وهو ما يضعف النظام الدولي بدلًا من تقويته.
ولا يعني انتقاد الوكالة الدعوة إلى تعطيل الرقابة أو تجاهل الأسئلة الفنية، بل المطالبة برقابة مهنية متوازنة لا تخضع للانتقائية. فالوكالة مطالبة بأن تستند في تقاريرها إلى الأدلة الفنية وحدها، وأن تبتعد عن التفسيرات السياسية، وأن تدافع عن حق جميع الدول الأعضاء في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، مقابل التزامها الكامل بواجبات الضمانات وعدم الانتشار.
الخلاصة
إن استمرار المعايير المزدوجة في التعامل مع الملفات النووية يهدد مصداقية النظام الدولي، ويحول المؤسسات الفنية إلى ساحات للصراع السياسي. ولا يمكن بناء أمن نووي عالمي مستدام إذا خضعت بعض الدول لأقصى درجات الرقابة، بينما بقيت دول أخرى خارج نظام الضمانات الشاملة.
إن المطلوب هو العودة إلى القانون الدولي، وحماية استقلال الوكالة، وضمان حق الدول في التمثيل والدفاع عن مواقفها، والعمل على إخضاع جميع البرامج النووية في الشرق الأوسط لمعايير موحدة. فالأمن لا يتحقق بالانتقائية أو الإقصاء أو القوة العسكرية، بل بالعدالة والشفافية والتفاوض واحترام حقوق جميع الدول والتزاماتها.
❖ كتابات في الميزان ❖
يناقش المقال مدى قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الحفاظ على حيادها الفني في ظل الصراع السياسي بشأن البرنامج النووي الإيراني. ويرى الكاتب أن تفاوت الرقابة بين إيران والكيان الإسرائيلي، ومنع رئيس المنظمة الإيرانية من حضور مؤتمر الوكالة، يعززان الشكوك بشأن ازدواجية المعايير. ويخلص إلى أن تسييس الرقابة النووية يضعف الثقة الدولية ويهدد منظومة عدم الانتشار بدلًا من حمايتها.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!