تتحدث أغلب الوثائق التي عثرنا عليها عن أشياء تكشف عمق الفساد الإداري الذي كان يربط بين واردات العتبات المقدسة والبذخ الإعلامي الذي خُصّص لدعم الجهد الممجِّد لـ«قائد الضرورة».
ولم يكن الأمر يتوقف عند الحدود المادية فحسب، بل تكشف تلك الوثائق عن مدى الحقد الذي رافق عملية الانتقاء السلبي لرموز التولية والإشراف على العتبات، من قبل شلّة مريضة نفسيًا، خبيثة المسعى، ومعروفة لدى جميع الناس بهشاشة سمعتها وانتماءاتها. وقد استغلت هذه الشلّة مناصبها، واتخذت أساليب ملتوية لا علاقة لها بالأخلاق، من أجل الوصول إلى غاية واحدة، هي إرضاء مسؤوليها والمحافظة على مناصبها.
لذلك، حاول هؤلاء مسخ الهوية الولائية، وسعوا إلى تصفية أصحاب الانتماءات الحسينية الصادقة والموالين لأهل البيت (عليهم السلام)، وحاربوا كل من ينادي: «يا حسين». كما اتخذوا كل سبيل لنشر أفكار حزبهم الفاشي، من دون أن يحسبوا حسابًا لحرمة العتبات وقدسيتها.
وإلّا، فهل من الجائز صرف آلاف الدنانير، التي تعادل اليوم ملايين طائلة، على مشاريع تافهة؟ ومن ذلك الأموال التي صُرفت لدعم كتاب «في سبيل البعث»، وكتب أخرى تمجّد «قائد الضرورة»، فضلًا عن آلاف الدنانير التي أُنفقت، بحسب قيمتها في ذلك الوقت، على طباعة مشجّرة الرئيس، وآلاف أخرى لطباعة كتاب «وصايا القائد».
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل طُبعت تلك الوصايا منفردة، وأُعدّت لها إعلانات ضوئية مكلفة، عُلّقت في شوارع كربلاء ودوائرها، إضافة إلى إنشاء نُصب معمارية باهظة الكلفة تحمل صورة «قائد الضرورة». وكانت جميع هذه الأموال تُصرف تحت عناوين ثقافية وفنية.
إنها تجاوزات كثيرة تورث القلب حسرة، وتجعلنا نشعر بالضيم كلما جلسنا أمام هذه الوثائق. فقد عثرنا على وثائق رسمية بالغة الغرابة، كانت تصدر بأوامر مخابراتية وأمنية وحزبية، وبموافقة أتباع النظام، وترد إلى العتبة لغرض الصرف والتنفيذ فحسب.
فهل يُعقل أن تصل الخسّة بهم إلى حد أن تصدر اللجنة المسؤولة في المحافظة، التي كان يترأسها المحافظ بنفسه، أوامر بسداد نفقات تسوّق عائلته وبعض عائلات المسؤولين من واردات الأضرحة المقدسة، وبصورة رسمية؟ وهل يُعقل أن تُنفق تلك الأموال على موائد المجون التي كانت تقيمها الدوائر المخابراتية والأمنية، تحت مسمّيات مخجلة وغريبة عن الإسلام؟
وهل من المعقول أن يُكرَّم البغاة من واردات الأضرحة، تثمينًا لما كانوا يسمّونه «دورهم البطولي المتميز»، وهو لم يكن سوى محاربة الزائرين وتعذيبهم وإحصاء أنفاس زائري أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)؟
كانت جميع هذه الأعمال تُدار بصورة رسمية و«أصولية»، كما كانوا يسمّونها. وكانت المتاجرة بالضمائر وبيع الدين والآخرة من أجل حفنة من الدنانير تجري علنًا. وكربلاء كلها كانت تعرف الفضائح التي كانت تُثار أحيانًا بشأن السرقات الكبيرة التي تحصل.
حتى إن أحد محافظي كربلاء استدعى ذات يوم جميع الملاكات الصحفية والإعلامية في المحافظة، وقال لهم باللهجة العامية: «كافي فضائح... رجل من الربع سرق من ضريح الحسين وعاقبناه، ليس أكثر... كافي فضائح».
وكانت تحصل كذلك فضائح أخلاقية كبيرة، أغلبها معروف لدى الناس. وحين نعلن اليوم عن هذه الوثائق التي عثرنا عليها في العتبة العباسية المطهرة، والتي تُظهر حجم الاضطهاد الذي كانت تعيشه العتبات المقدسة، وما سببه ذلك من تأخرها عمرانيًا، فإننا نعلم تمامًا أن أصل تلك الوقائع متداول بين الناس، ولن يضيف الكشف عنها جديدًا إليهم.
لكننا نسعى إلى كشف الوسائل الخفية والمدهشة التي كان يستخدمها النظام، والطريقة التي كان يدير بها تلك الممارسات وفق «الأصول» المتبعة لديه.
ملاحظة
هذه المذكرات لا أدّعي أنها ثمرة جهد فردي، بل هي حصيلة جهود ملاكات مجلة «صدى الروضتين».
❖ كتابات في الميزان ❖
تكشف الحلقة الثامنة عشرة، من خلال الوثائق التي عُثر عليها، جانبًا من توظيف واردات العتبات المقدسة لخدمة الدعاية السياسية وتمويل امتيازات مسؤولي النظام السابق. ولا يكتفي الكاتب باستعادة الوقائع المتداولة، بل يركّز على الوسائل الإدارية والرسمية التي أضفت غطاءً قانونيًا زائفًا على الاستحواذ والإنفاق. وتكتسب المذكرات قيمتها من ربط الذاكرة الشفوية بالوثيقة، بما يحفظ جانبًا مهمًا من تاريخ العتبات وما تعرضت له من اضطهاد.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!