كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

 التنمية البشرية في القرآن الكريم وبناء الأمة -٢-  

تحدثنا في الحلقة السابقة في نقاط ثلاث عن دفاع الله تعالى عن رسوله محمد "صلى الله عليه وآله وسلم"، وأهمية طاعة الأمة وآثار ذلك في التنمية وبناء الشخصية والأمة، ومقام القرآن الكريم في ذلك.
 وننتقل إلى بيان تلك الصفات الأربع التي ذكرها الله عز وجل لرسوله وهي الآتي بإيجاز : 
١- مشقة النبي وأذاه فيما يصيب الناس بسبب معاداتها (عزيز عليه ما عنتم)، فالرسول لا يبلغ رسالته فحسب، بل يحاول جاهدًا هدية الأمة، وإقناعها بالإيمان واتباع تعاليم الشريعة المقدسة، فهو يتأذى بمخالفة الناس لدين الله تعالى وإعراضهم عنه، وارتكاب المعاصي؛ لأنه مبعوث رحمة لهم، وهذا الأذى الذي يسببه الناس للنبي في معاصيهم آنذاك هو نفسه ينطبق الآن على كُلِّ إنسان لا يفاد من نور الإسلام عامة، ومن المؤمنين خاصة.
 إضاءة وبناء
فعلى المؤمنين أنْ يتعلموا هذا الدرس التنموي التربوي في أنْ يتأذوا بسبب ابتعاد الناس عن تعاليم الدين، ويعتنوا بشتى الوسائل من أجل هدايتهم وصلاحهم، وعدم تركهم لأدنى الأسباب، وإنما العمل الجاد معهم، ومعرفة معاناتهم وما يمكن من خلاله رفع معاناتهم المعنوية والفكرية والمادية، كما كان حال النبي في الأمة.

٢- حرصه التام في تأدية رسالته في الأمة، وبيان أحكام دين الله، وحرصه في بيان آثار ذلك في سلوك الناس (حريصٌ عليكم)، وهذا الحرص دليل على محبته للأمة، ورعايته، والتضحية في سبيل تعليمهم وهدايتهم، وفي حرصه بيان لمعاناته التي كان عليها، وهذه إحدى صفات المربِّي والقائد المتفاني من أجل غيره.
 إضاءة وبناء
وفي ذلك درس مهم للأمة عامة، وللمصلحين والأعلام خاصة على أنْ يكونوا كذلك في تعاملهم مع الأمة واحتياجاتها المختلفة، ومدى التزامها بتعاليم الشريعة المقدسة والحرص على تمسكهم بها؛ لأجل بناء مجتمع واعٍ للرسالة وأهدافها.

٣- شديد الرعاية والعناية بالمؤمنين المتمسكين بتعاليم الشريعة المقدسة (رؤوفٌ)، وتهيئتهم إلى الارتقاء بهم مع الله تعالى من جهة في معرفتهم بالمرسل والرسول ورسالته، ومدى استعدادهم لأداء رسالتهم في الأمة من جهة أخرى، ورأفته بهم لا تنقطع أبدًا لدوام الرسالة وتعاليمها، فالمؤمنون لهم مقام عند الرسول، وعليهم أنْ يكونوا أهلًا لذلك المقام بالرحمة الإلهية لهم.
 إضاءة وبناء
إنَّ هذا الخُلق النبوي في تعامله مع المؤمنين فيه رسالة عظيمة بضرورة تراحم المؤمنين فيما بينهم، وبناء الإخوة الإيمانية القرآنية، حيث العقيدة التي تجمعهم، وما في ذلك من آثار تربوية تنموية كبيرة في بناء شخصية الفرد والأمة، وعدم فسح المجال لأسباب الخلاف بين المؤمنين، فضلًا عن الخلاف والتخاصم لا سمح الله.

٤- رحمة الرسول وعطفه على المؤمنين المذنبين العاصين (رحيم)، والعمل على توبتهم ورجوعهم إلى الله تعالى حيث رحمته الواسعة، وعدم تعامله معهم بما يقابل عصيانهم وتعدِّيهم على حدود تعاليم الشريعة؛ لأجل مقام الإيمان وعقيدتهم.
 إضاءة وبناء
إنَّ هذا التعامل الإصلاحي التربوي من الرسول تجاه العاصين يؤكد ضرورة احتضانهم وفتح أبواب الرجوع إلى المجتمع، وعدم إيجاد الحواجز تجاههم، بل تشجيعهم على صلاح أنفسهم وهدايتها، وبذل الجهد من أجل ذلك، وفيه تربية وتنمية للفرد والأمة.

 ختامًا .. 
 إنَّ ما تقدم في هذه الصفات الأربع العظيمة للرسول لا بد من معرفتها من قبل المؤمنين عامة، والعلماء والمصلحين والقادة والمربِّين خاصة؛ لأجل معرفة المنهج القرآني في التنمية البشرية، وتربية الأمة تربية إسلامية تليق بتلك التضحيات العظيمة في الأمة للأنبياء والمرسلين والأئمة عليهم السلام. والسلام

جاءكم_رسول.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!