إنَّ الحديث في مقالة عن بعض الأعلام حقيقة يعدُّ ظلمًا وإجحافًا لها؛ حيث لا يمكن لكلمات معدودات كما هو شأن المقالات بيان ما يتعلق بذلك، ولكن وكما يقال (لا يسقط المعسور بالميسور)، وتتم هذه المحاولات التعريفية الإجمالية؛ لأداء حق أولئك الأعلام على الأمة من جهة؛ وفتح باب السؤال والبحث عن تلك الجهود العلمية الكبيرة من جهة ثانية؛ ودعوة الشباب في التأمل بالعلم وآثاره في خلود الإنسان من جهة ثالثة وغيرها ..
والسيد حسن الصدر الكاظمي "رضوان الله عليه" المتوفى سنة (1354هـ) من أعلام الإسلام ومدرسة اهل البيت "عليهم السلام" الذي خدم الأمة في مجالات كثيرة، تفخر الأمة بأمثاله فيها برغم رحيله قبل أكثر من تسعين عامًا، ولكن للآن اسمه يتردد على ألسن العلماء والخطباء والباحثين، ومؤلفاته تنتقل بين أيدي المختصين والمحققين، ومكتبته العامة كعبة للمطالعين والمؤلفين.
لقد قضى حياته كلها في مناهل العلم وموارده حيث الكاظمية والنجف الأشرف وسامراء متعلِّمًا ومعلِّمًا، وطالبًا ومجتهدًا بين العلم والمعرفة والتأليف والتحقيق والتدقيق والمراجعة والمتابعة وأمور المسلمين العامة والخاصة، وحفظ البلاد من المستعمرين وغوائلهم، وآثر أنْ لا يغادر الدنيا من غير أنْ يترك ما يخلِّده كما في مضمون الرواية الشريفة: ((إذا مات الإنسان انقطع عن عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وصدقة جارية، وولد صالح))، بل يبقى حيًّا في الأمة خالدًا.
👈🏻ففي العلم النافع: كانت تلك المؤلفات الكثيرة في العلوم المختلفة التي له السبق في تأليفها حيث منها:
١- تأسيس الشيعة الكرام لسائر فنون الإسلام، والشيعة وفنون الإسلام والعنوان يؤكد مضمون الكتاب الدال على مدى تتبع المؤلف ودرايته وإحاطته بالعلوم المختلفة وبالمؤلفات والمؤلفين، وجهاده من أجل بيان مكانة الشيعة في جميع تلك العلوم، وريادتهم في ذلك، بما يؤكد أهمية هذه المؤلفات التي تفتح الآفاق لدى الباحثين من جهة، وتصدُّ ادعاء الأعداء للشيعة من جهة أخرى.
٢- تكملة أمل الآمل وهو تكملة لما كتبه شيخنا الحر العاملي "رضوان الله عليه" في ترجمات علماء جبل عامل ليشمل العلماء من غيرهم؛ فيكون موسوعة رجالية كبيرة تتضمن أولئك العلماء والأعلام الذين خدموا الأمة بمؤلفاتهم ومواقفهم وتضحياتهم من أجل العلم وطلبته تارة، وخدمة المجتمه وأهله ثانية، ونشر علوم آل محمد ثالثة، حتى عُدَّ الكتاب مصدرًا مهمًّا في الرجوع إليه بالنسبة للباحثين والمختصين والمحققين.
٣- الإجازات الروائية المتعددة التي تدل على مقامه الكبير في هذا الجانب العلمي والتراثي، ما بين الإجازات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة التي تضمَّنت معلومات كثيرة، فهو شيخ الإجازات في وقته والكل بتشرف أنْ يروي بسنده عنه إلى رجال الإسلام وثم إلى آل محمد "صلوات الله عليه"، والذي يراجع تلك الإجازات المطبوعة للآن والتي يوجد بعضها لم يطبع يقينًا تتأكد له موسوعية السيد حسن الصدر وما يحمله ذلك العقل البشري من علوم جمَّة.
ومؤلفات أخرى كثيرة في الفقه، وأصول الفقه، والأخلاق، والسيرة، والحديث، والرجال، والتاريخ ..
وفي الصدقة الجارية: حيث تلك المكتبة الخاصة والعامة التي قضى شطرًا كبيرًا من حياته مجاهدًا بجهده وماله ومن أجل الحصول على المخطوطات الفريدة في العالم الإسلامي، والمؤلفات الأخرى، ويراجعها ويكتب عليها التعليقات والتصويبات والتوضيحات، وتهيئتها في مكان خاص حفاظًا عليها من شياطين الإنس وعاديات الزمان -وما أكثرها في العراق المبتلى-؛ لنراها اليوم معلَمًا كبيرًا من معالم العلم في العالم الإسلامي بمدينة الكاظمية المقدسة، تضمُّ المخطوطات والمطبوعات لتكون بين أيدي الباحثين والمؤلفين والمطالعين فتقدم لهم زادًا فكريًّا له أثر عظيم في حياة الأمة، والعمل جارٍ على إدامتها وحفظها وفهرستها وتقديم خدماتها على وفق ما تستطيع القيام به في هذه الظروف الصعبة التي تعيشها الأمة، ولكنها قد أعادت رونقها وجمالها لتفاخر أخواتها، بل لعله تفوق عليهم.
وفي الولد الصالح: فالسلالة الكريمة من هذه الأسرة العلمية الطيبة التي لها مقامها الخاص في المجتمع العلمي وغيره يغني عن الحديث عنهم، فالكل يفخر بهذا الانتماء الأسري، ويقينًا يعمل جاهدًا -إن شاء الله- للحفاظ على ذلك الإرث العلمي والحضاري الذي تفخر الأمة به.
ختامًا ..
إنَّ السيد حسن الصدر كان أمة .. وله أثر كبير في إحياء تراث الأئمة .. ويجب على الأمة أنْ تحفظ له ذلك الجهد والجهاد (وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان) .. والسلام


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!