كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

هرمز وباب المندب.. حين تصبح الجغرافيا سلاحاً

هناك على الخريطة نقطتان ضيقتان تكادان لا تريان، لكن العالم كله يتنفس من خلالهما. في الشرق مضيق هرمز، وفي الغرب باب المندب، وما بينهما بحر من النفط والغاز والسفن التي تحمل كل شيء، من برميل النفط إلى حبة القمح.
 
نحن لا نتحدث عن ممرين مائيين عابرين، بل عن شريانين للحياة الاقتصادية. فعبر هرمز وحدها يمر كل يوم ما يقارب عشرين مليون برميل من النفط، أي خمس ما يستهلكه كوكب الأرض، ومعه ثلث تجارة الغاز المسال التي تدفئ بيوت أوروبا وتشغل مصانع آسيا، وأغلبها قادم من قطر. أما باب المندب فهو البوابة التي إن أغلقت، انقطع الوصل بين الشرق والغرب، فمنه تمر التجارة المتجهة إلى قناة السويس، ومنه يعبر النفط القادم من الخليج إلى أوروبا وأمريكا.
 
ولأن أحدهما يكمل الآخر، فإن أي ارتباك في أحدهما يضاعف أثر الآخر. فحين تتعثر الملاحة في باب المندب، لا تملك شركات الشحن إلا أن تدور حول قارة أفريقيا بأكملها، عبر رأس الرجاء الصالح، في رحلة أطول بأسبوعين وأكثر كلفة بآلاف الدولارات لكل حاوية. وهنا تبدأ القصة الحقيقية، فأسعار النفط والغاز لم تعد تتحرك بسبب العرض والطلب وحدهما، بل دخل عليها عنصر جديد يمكن أن نسميه ثمن الخوف. فشركات التأمين ترفع أسعارها بمجرد سماعها خبر تهديد، وأجرة الناقلات تقفز في ساعات، وكل تلك الزيادات لا تبقى حبيسة بورصات الطاقة، بل تسافر حتى تصل إلى المستهلك البسيط في صورة ارتفاع في أجرة النقل، وفي سعر السلعة، وفي فاتورة التضخم التي تثقل كاهل الجميع.
 
وليس من العدل أن نضع كل الدول في سلة واحدة أمام هذه الأزمة. فهناك من قد يربح على المدى القصير من ارتفاع سعر البرميل، فيعوض به نقص الكميات المصدرة، وهناك من يخسر كثيراً لأنه لا يملك نفطاً ولا يملك بديلاً عن الممر المهدد، فيدفع ثمناً لم يتسبب فيه. من هنا يصبح تنويع طرق التصدير والإمداد ليس ترفاً اقتصادياً أو خياراً ثانوياً، بل هو صميم الأمن الوطني. فالدولة التي تضع كل صادراتها في سلة مضيق واحد، كمن يضع كل مدخراته في سفينة واحدة.
 
إن ما يجري في هرمز وباب المندب اليوم يؤكد أن أمن هذين الممرين لم يعد قضية إقليمية تخص دول الجوار وحده، بل هو قضية عالمية تمس استقرار الاقتصاد الدولي بأكمله. وأي اضطراب طويل فيهما قادر على إطلاق موجة جديدة من الغلاء والتضخم، وإعادة رسم خرائط التجارة التي استقرت لعقود.
 
الجغرافيا قدر ثابت، لا أحد يستطيع أن يغير مكان المضيقين. لكن طريقة إدارتهما وتأمينهما هي قرار بشري. العالم لا يستطيع أن ينقل هرمز أو يوسع باب المندب، لكنه يستطيع أن يقلل اعتماده المفرط عليهما، وأن يبني بدائل برية وبحرية، وأن يحمي حرية الملاحة كمبدأ لا يقبل المساومة. فالجغرافيا حين تدار بحكمة تكون جسراً يصل العالم بعضه ببعض، وحين تدخل في حسابات الصراع تتحول إلى سلاح اقتصادي لا يتوقف أثره عند شواطئ البحر الأحمر أو الخليج، بل يصل إلى كل بيت.

❖ كتابات في الميزان ❖ 

يضيء المقال العلاقة الوثيقة بين الجغرافيا والاقتصاد، مبينًا كيف يتحول مضيقا هرمز وباب المندب من ممرين بحريين إلى أداتين للتأثير في أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وينجح الكاتب في نقل آثار التوتر من خرائط الملاحة إلى حياة المستهلك وأسعار السلع والتضخم. كما يخلص إلى رؤية عملية تجعل تنويع مسارات التصدير والإمداد جزءًا أساسيًا من الأمن الوطني، لا مجرد خيار اقتصادي احتياطي.

هرمز.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!