كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

العقد المعطّل

يردد العقل الجمعي في أوطاننا، عند كل انقطاع للتيار الكهربائي أو اتساع رقعة البطالة، عبارات التفويض القدري، فيقول: «هذا كله غضب الله؛ لأننا ابتعدنا عن ديننا»، محيلاً الفشل التنموي إلى قوى غيبية أو مؤامرات دولية غير مرئية، فيما يحيله البعض إلى الماسونية.

هذا الهروب الميتافيزيقي يعفي الجميع من الحساب، بينما تؤكد الحقيقة المعاصرة أن إدارة الحياة وصون كرامة الإنسان هما نتاج معادلة أرضية صارمة تُسمى «العقد الاجتماعي».

وعندما ننظر إلى دول توازينا في المداخيل النفطية والقدرات الاقتصادية، نجد أن الفارق لا يكمن في حجم الثروة، بل في دقة تفكيك المسؤوليات وتطبيق القانون.

المواطن بين الحقوق والواجبات

تبدأ الأزمة وتنتهي عند المواطن، الذي يطالب بحقوقه المشروعة، لكنه يقع أحياناً في فخ التراخي عن الواجبات. فرغم أن تقارير الجباية في قطاعات الطاقة لدينا تكشف عن عجز حاد في تحصيل أجور الخدمات، نتيجة التهرب أو ضعف الآليات، فإن المقارنات الدولية تشير إلى أن مؤشرات الالتزام بسداد فواتير المنافع الأساسية تتجاوز 90% في الدول النامية ذات الاقتصادات المستقرة والمداخيل الموازية.

إن المواطنة ليست استهلاكاً مجانياً، بل التزام متبادل بالعمل والإنتاج واحترام سلطة القانون.

الأحزاب وحلقة المحاصصة

لكن هذا المواطن لا يتحرك في فراغ، بل تحكمه حلقة سياسية مفرغة. فبعض الأحزاب السياسية تحولت من أدوات لبلورة الفكر التنموي إلى دكاكين للمحاصصة وصناعة الأزمات.

وفي البرلمان، تنعكس هذه المحاصصة تشريعاً مشلولاً؛ فبدلاً من تشريع قوانين تحمي المتقاعدين وتضمن كرامتهم، ينشغل المشرّع بالصراعات الجانبية.

وفي المقابل، تظهر الحكومة والجهات التنفيذية كحارس عاجز يفتقر إلى الإرادة. إن غياب المحاسبة التنفيذية جعل مشاريع الطاقة وأفكار التشغيل والتوظيف وتوفير فرص العمل حبراً على ورق، لتضيع كرامة الفرد بين أروقة البيروقراطية الفاسدة.

المؤسسات الدينية والمنظمات الدولية

في هذا المشهد المعقد، تبرز المؤسسات الدينية بوصفها لاعباً محورياً يفوق تأثيره أحياناً سلطة الدولة.

وبدلاً من أن تقتصر على الوعظ الروحي وتعميق قيم النزاهة والعمل، يتم أحياناً توظيف تأثيرها لتبرير الواقع أو إسكات صوت الاحتجاج الحقوقي، مما يمنح الفساد غطاءً شرعياً غير مباشر، رغم براءتها من التدخل والدعم.

أما المنظمات الدولية، فما هي إلا مرآة لضعفنا؛ إذ لا تملك الحلول السحرية، بل تقدم تقارير تشخيصية يوضع جلّها في أدراج النسيان.

الخلل الهيكلي

إذا قارنا واقعنا بدول ذات ناتج محلي إجمالي موازٍ، سنكتشف حجم الخلل الهيكلي. ففي تلك الدول، يضمن القانون تغطية شبكة الأمان الاجتماعي للمتقاعدين بنسب مستقرة تضاهي المعايير الدولية، ويحصل الخريجون على فرص عمل حقيقية عبر قطاع خاص مدعوم قانونياً بنسب نمو مستقرة.

كما ينعم المواطن هناك باستقرار أمني وكرامة إنسانية تُترجمان ميدانياً، في أدنى أمثلتهما، بتغذية كهربائية منتظمة. والفارق هنا ليس سحراً، بل هو نتاج تلازم صارم بين الحق والواجب.

استعادة العقد الاجتماعي

إن كرامة المواطن، باعتباره أساس الدولة، ليست هبةً من أحد، والأمان والاستقرار ليسا ترفاً. ولن يستقيم حال الوطن بالاعتماد على التبريرات الغيبية أو انتظار المعونات الخارجية.

إن الحل يبدأ بفك الارتباط بين الدين والصراعات السياسية، وعدم استغلال صلة المواطن بمرجعياته واحترامه لها، وبناء حكومة تنفيذية تحاسب الأحزاب، وبرلمان يشرّع للمستقبل وفق ترتيب الأولويات وما هو أقرب إلى يوم المواطن.

كما يبدأ بمواطن يدرك أن انتزاع حقوقه في العمل والكهرباء والعيش الكريم يمر حتماً عبر بوابة التزامه التام بواجباته الوطنية والقانونية.

❖ كتابات في الميزان ❖ 

يناقش المقال اختلال العقد الاجتماعي الناتج عن غياب التوازن بين حقوق المواطن وواجباته، وضعف أداء المؤسسات السياسية والتنفيذية. ويرفض تعليق الإخفاق التنموي على التفسيرات الغيبية والمؤامرات، مؤكداً أن بناء الدولة مرهون بالقانون والمحاسبة والإنتاج. كما يدعو إلى تحييد الدين عن الصراعات السياسية، وإعادة ترتيب الأولويات بما يحفظ كرامة المواطن ويوفر الخدمات وفرص العمل.

الكهرباء.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!