كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مشهدٌ في أسبوع

 يُحكى أن الخليفة العباسي هارون الرشيد وقف يومًا في بغداد، فنظر إلى سحابة عابرة في السماء وقال كلمته الشهيرة: «أمطري حيث شئتِ، فسوف يأتيني خراجكِ».

لم تكن هذه العبارة مجرد إظهار للسلطة أو اتساع الرقعة الجغرافية، بل كانت تعبيرًا عن إدراكٍ عميق لشبكة معقدة تربط بين السياسة، المتمثلة في مركزية القرار ببغداد، والاقتصاد القائم على جباية الخراج وازدهار التجارة، والمجتمع الذي ارتبطت حياة أفراده بتلك الإيرادات، وصولًا إلى الثقافة التي صنعت عصرًا ذهبيًا للعلوم والفنون.

لقد كان الرشيد يرى «المشهد الشامل» الذي يتحرك فيه كل جزء ليدعم الآخر ويوجّهه.

أما اليوم، وفي ظل واقعنا العام وما يتمتع به بلدنا من ثقل جغرافي وسياسي وتاريخي، فنرى أن عجلة التطور قد توقفت منذ سنوات. والسبب واضح وجلي؛ إذ يسعى كثير ممن يتسنمون السلطة إلى تحقيق مكاسب شخصية واعتبارية، قبل أن يضعوا لبنةً واحدة في بناء بلدهم وتطويره.

عقود مضت ونحن ننتظر المخلّص الذي يعيد إلى الوطن قيمته الحقيقية ودوره الذي عُرف به عبر التاريخ.

فهذا البلد، الذي سُمّي قديمًا «بلاد الرافدين» وحمل لواء حضارة عريقة، أمسى هرمًا لا يُذكر إلا في أسفار التاريخ وسِيَر من حكموه قديمًا.

ويقف وراء هذا التراجع عدد من الأسباب الواضحة كالشمس في كبد السماء؛ فالمشهد السياسي يُدار بأهواء ومصالح متضاربة: مجموعة همّها الأول والأخير نهب الخيرات والتمتع بمظاهر الجاه والسلطة، ومجموعة خانعة تأتمر بأوامر داخلية وخارجية، لا تبغي سوى تنفيذ الأجندات ولو على أنقاض الوطن، ومجموعة أخرى تنظر إلى العراق الكبير على أنه ضيعة من ضيعاتها وميراث تختص به، فتسعى إلى الاستحواذ عليه بشتى الطرق، بصرف النظر عن فداحة النتائج.

إن ما خفي من الحقائق المدفونة قد يعادل أضعاف ما يظهر منها، وما يجري اليوم على سطح الواقع ليس سوى ذرة غبار في فضاء عاصف.

لقد عمد كثير ممن حكموا وازدهوا بالسلطة إلى تزييف التاريخ وخلط الأوراق؛ فتارةً يتطاول بعضهم على رجال التاريخ الذين جعلوا من بغداد عاصمةً للعلم والثقافة ورمزًا للسيادة، فيصفونهم بالقتلة والمجرمين، وربما صدقوا في جانب من وصفهم؛ لكن بعض هؤلاء، على الرغم من تورطهم في سفك الدماء، تركوا بصمات ثقافية وفنية وعلمية ما تزال حاضرةً في التاريخ.

وتارةً أخرى يصفون من حكموا البلاد حديثًا بالإجرام والدكتاتورية، وهم كذلك حقًا، غير أن الدولة في بعض تلك المراحل كانت تتمتع بهيبة وحضور في الداخل والخارج.

غير أن الحديث عن المنجز أو قوة الدولة لا يبرر سفك الدماء أو الاستبداد؛ فالتاريخ ينبغي أن يُقرأ كاملًا، من دون محو الإنجازات أو اتخاذها غطاءً للجرائم.

فأنتم، نعم أنتم، ماذا قدمتم لهذا الشعب سوى الخراب والخداع والسرقة والفساد والطائفية وسيل الدماء والأوجاع وضياع الحقوق؟ وماذا تركتم له غير انحدار التعليم والثقافة والتراجع في شتى مناحي الحياة؟

يُضاف إلى ذلك مسلسل الأزمات الذي أصبح خبرنا اليومي، ولعل أبرز مشاهد الأسبوع المنصرم تتلخص في الآتي:

شحّ مادة البنزين وعودة طوابير المركبات الممتدة في الشوارع.
تراجع ساعات تجهيز الكهرباء الوطنية وتحولها إلى كابوس مزعج في ظل القيظ وارتفاع درجات الحرارة.
تأخر صرف الرواتب وتعثرها، إلى جانب أزمات أخرى لا تُحصى.
استمرار أزمة تشكيل الحكومة وتعثر ملف حصر السلاح المنفلت بيد الدولة.

وفي خضم هذه الأحداث الجسام، برز في الأسبوع نفسه الحدث الثقافي الأهم، المتمثل في معرض بغداد الدولي للكتاب بدورته السابعة والعشرين، الذي افتتحه رئيس الوزراء الحالي وسط إجراءات أمنية مشددة، قيل إنها تضمنت إخلاء بعض الأجنحة من الزوار ومنع إدخال الهواتف النقالة والعطور والسكائر، حتى بالنسبة إلى بعض المنظمين.

وهنا يبرز السؤال: ما جدوى افتتاح معرض للكتاب إذا أُبعد عنه جمهوره؟ وهل تتحول الثقافة، هي الأخرى، إلى مناسبة رسمية تُقام من أجل الصورة والخطاب، بدل أن تكون فضاءً مفتوحًا للكاتب والناشر والقارئ؟

لن يتبدل الحال نحو الأفضل ما دامت الوجوه تتغير وتبقى الذهنية ذاتها، وما دامت الدولة تأتي بعد الحزب، والمصلحة العامة بعد المكاسب الشخصية.

أما إذا بقي الأمر على هذه الحال، فلن يتغير شيء إلا، كما يقول المثل الشعبي العراقي، «حين يبيض الدّيج»!

❖ كتابات في الميزان ❖  

يعرض المقال مفارقةً حادة بين مكانة العراق الحضارية وواقعه السياسي والخدمي، متخذًا من أزمات أسبوع واحد شاهدًا على خلل متراكم في إدارة الدولة. ويجمع الكاتب بين النقد السياسي والسخرية الشعبية،

بناء_العراق.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!