كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

كيف تسهم الأعمال الكبرى في صناعة الذاكرة الوطنية وتخليد الهوية؟

ينطلق هذا المقال من إشكالية الهوية الوطنية العراقية، وضعف حضور العلماء والمفكرين والأدباء والرواد الذين صنعوا تاريخ العراق في فضائه العام.

لا تُبنى الهوية الوطنية للمجتمعات من الفراغ، ولا تستمر بمجرد الشعارات العاطفية، بل تتجسد عملية بنائها في الأعمال الكبرى؛ أي ذلك الأثر الذي يتركه الرجال والنساء العظماء ليظل شاخصًا حيًا في حياة المواطن، يربطه بأرضه، وينسج خيوطًا غير مرئية بين ماضيه وحاضره ومستقبله.

إن تأمل تجارب الأمم يوضح كيف أدركت دول كثيرة أن الرموز الوطنية والصروح المعمارية وأسماء الشوارع والمؤسسات ليست مجرد أحجار أو تسميات، بل هي نوع من «هندسة الوعي الجمعي». فالإنسان يتعلم تاريخ بلاده من المدرسة، لكنه يختبر حضور هذا التاريخ حين يسير في شارع يحمل اسم شاعر، أو يدخل مكتبة تحمل اسم مفكر، أو يعبر جسرًا يخلّد عالمًا أو مصلحًا أو شخصية أسهمت في خدمة المجتمع.

فرنسا… حين يتحول الصرح إلى ذاكرة وطنية

كانت الكنائس والأديرة في فرنسا، حتى القرن الثامن عشر، من أبرز الأماكن التي تحفظ قبور الشخصيات ومآثرها. ومع الثورة الفرنسية أدركت السلطة المدنية الناشئة أن بناء الدولة الحديثة يتطلب صناعة رمزية وطنية جامعة تتجاوز الانتماءات الفردية.

ومن أبرز تجليات ذلك صرح «البانتيون» في باريس. وقد شُيّد المبنى أساسًا بين عامي 1758 و1790 ليكون كنيسة مكرسة للقديسة جينيفييف، ثم قررت الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1791 تحويله إلى ضريح وطني لتكريم الشخصيات التي عدّتها الأمة جديرة بالتخليد. ويضم اليوم رفات أو شواهد تكريمية لشخصيات مثل فولتير، وجان جاك روسو، وفيكتور هوغو، وإميل زولا، وألكسندر دوما، وماري كوري. الموقع الرسمي للبانتيون.

ولم تتوقف فرنسا عند هذا الصرح؛ فقد حملت جسورها ومتاحفها ومكتباتها أسماء شخصيات سياسية وفكرية وأدبية، مثل جسر شارل ديغول، وجسر المشاة سيمون دو بوفوار، وجسر ليوبولد سيدار سنغور، ومركز جورج بومبيدو، ومتحف «كي برانلي ـ جاك شيراك»، وموقع «فرانسوا ميتران» التابع للمكتبة الوطنية الفرنسية.

وهكذا يصبح السير في المدينة درسًا يوميًا في التاريخ، وتتحول الجغرافيا إلى سجل مفتوح يربط المواطن بالذاكرة الوطنية.

تركيا… العمارة في خدمة سردية الدولة

بعد تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، صيغ جانب مهم من هويتها العامة حول تخليد المؤسسين والشخصيات الأدبية والثقافية. ويتجسد ذلك بوضوح في صرح «أنıتكابير» في أنقرة، الذي يضم ضريح مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية وأول رئيس لها.

بدأ تشييد الصرح عام 1944، واكتمل عام 1953، وتحول إلى معلم وطني ومتحف وساحة للمراسم الرسمية. كما تحمل جامعات ومراكز ثقافية وشوارع ومؤسسات تركية أسماء شخصيات مثل المعمار سنان والشاعر يونس إمره، في محاولة لربط الدولة الحديثة بامتدادها الثقافي والتاريخي.

إيران… الشعراء في قلب جغرافية المدن

يتجلى مفهوم الذاكرة الوطنية في إيران من خلال العناية بأضرحة الشعراء والمفكرين الذين أسهموا في تشكيل اللغة والوجدان الثقافي، مثل ضريح الفردوسي في طوس، وضريحي حافظ وسعدي في شيراز.

ولا تؤدي هذه الأضرحة وظيفة جنائزية فقط، بل أصبحت مراكز ثقافية وسياحية تستحضر النصوص الأدبية وسِيَر أصحابها، وتعرّف الأجيال الجديدة بمكانتهم.

كذلك تحمل ميادين وشوارع رئيسة في طهران ومدن أخرى أسماء الفردوسي وحافظ وعمر الخيام وأبي علي بن سينا وجلال الدين الرومي وناصر خسرو؛ فأضحى التاريخ حاضرًا في جغرافية المدينة، وأصبح الاسم مدخلًا إلى التعرف على صاحبه وإرثه.

المملكة المتحدة… الذاكرة على جدران البيوت

تعتمد بريطانيا وسائل متعددة لتخليد شخصياتها، من أبرزها «ركن الشعراء» في دير ويستمنستر، حيث دُفن أو خُلّد بنصب تذكاري أكثر من مئة شاعر وكاتب، من بينهم تشارلز ديكنز، فيما وُضعت شواهد تكريمية لشكسبير وجين أوستن والأخوات برونتي وغيرهم. أما إسحاق نيوتن، فهو مدفون في دير ويستمنستر، ولكن ليس ضمن «ركن الشعراء» تحديدًا. دير ويستمنستر.

وتبرز كذلك تجربة «اللوحات الزرقاء» التي توضع على المباني للتذكير بشخصيات عاشت أو عملت فيها. وبذلك يتحول البيت أو الشارع الذي قد يبدو عاديًا إلى محطة معرفية تربط الجغرافيا اليومية بسيرة شخصية علمية أو أدبية أو فنية.

إيطاليا… أسماء النهضة في الحياة اليومية

تستحضر إيطاليا شخصياتها التاريخية والعلمية والفنية في أسماء المطارات والجامعات والميادين والمؤسسات. فمطار روما الدولي يحمل اسم ليوناردو دا فينشي، ومطار بيزا يحمل اسم غاليليو غاليلي، ومطار البندقية يحمل اسم الرحالة ماركو بولو، ومطار بولونيا يحمل اسم العالم غولييلمو ماركوني، فيما يحمل مطار باليرمو اسم القاضيين جيوفاني فالكوني وباولو بورسيلينو اللذين اغتالتهما المافيا.

تكشف هذه الأمثلة أن تخليد الأسماء لا يقتصر على الفنانين ورجال النهضة، بل يشمل العلماء والمستكشفين والقضاة والرموز المدنية الذين جسدوا قيمًا ترغب الدولة في إبقائها حاضرة في الوعي العام.

المشهد العراقي… حضور موجود لكنه غير مؤسسي

على الضفة الأخرى، يعاني العراق ضعفًا واضحًا في توظيف الفضاء العام لبناء ذاكرة وطنية جامعة. ولا يعني ذلك غياب أسماء العظماء تمامًا؛ فبغداد تضم شوارع ومعالم تحمل أسماء شخصيات بارزة، مثل شارع الرشيد وشارع المتنبي وشارع أبي نؤاس وشارع السعدون، فضلًا عن مؤسسات وجامعات ومدارس تحمل أسماء شخصيات تاريخية وعلمية.

لكن المشكلة تكمن في محدودية هذا الحضور، وغياب سياسة وطنية متكاملة تنظّم اختيار الأسماء، وتشرح سير أصحابها، وتربط المعلم أو المؤسسة ببرنامج ثقافي وتربوي دائم.

ففي بغداد، تغلب على عدد من الشوارع والميادين والجسور تسميات عامة أو جغرافية، مثل شارع الجمهورية، وشارع الكفاح، وشارع النضال، وشارع حيفا، وشارع النهر، وشارع فلسطين، إلى جانب جسور الجمهورية والأحرار والشهداء.

ولا تكمن المشكلة في هذه الأسماء بذاتها؛ فبعضها يحمل دلالات وطنية وتاريخية مهمة، وإنما في اختلال التوازن بين التسميات العامة وبين الأسماء التي تستحضر أشخاصًا أسهموا في بناء العراق علميًا وأدبيًا وسياسيًا واجتماعيًا.

أما في المحافظات، فتتفاوت الصورة من مدينة إلى أخرى، غير أن حضور العلماء والشعراء والمفكرين والفنانين والرواد العراقيين في أسماء المدارس والمستشفيات والجسور والساحات لا يزال دون مستوى الثروة الحضارية التي يمتلكها البلد.

لقد أنجب العراق الخليل بن أحمد الفراهيدي، والجاحظ، والكندي، وأبا حنيفة، والشيخ المفيد، والشريفين الرضي والمرتضى، والمتنبي، والسياب، والجواهري، ونازك الملائكة، وعلي الوردي، ومصطفى جواد، وطه باقر، وجواد علي، وزها حديد، وغيرهم من الشخصيات التي يمكن أن تشكل ذاكرتها جسورًا ثقافية بين العراقيين.

ومع ذلك، لا يزال كثير من هذه الأسماء غائبًا عن الفضاء العام، أو حاضرًا بطريقة محدودة لا تتناسب مع أثره.

ليست القضية مجرد تغيير للأسماء

إن تخليد الشخصيات لا يتحقق بوضع أسمائها على اللافتات فقط. فقد يحمل شارع اسم عالم كبير، بينما يجهل المارّة من يكون، وماذا قدّم للعراق والإنسانية. لذلك ينبغي أن تقترن التسمية بلوحة تعريفية موجزة، ورمز إلكتروني يقود إلى سيرة موثقة، وبرنامج ثقافي أو تعليمي يشرح سبب اختيار الاسم.

كما أن بناء الذاكرة الوطنية لا يقتصر على القبور والتماثيل؛ فهو يشمل المتاحف، والمكتبات، ودور المحفوظات، والأفلام الوثائقية، والمناهج الدراسية، والجوائز العلمية، والمنح البحثية، وترميم بيوت الشخصيات التاريخية وتحويلها إلى مراكز ثقافية.

ويجب ألا تتحول هذه العملية إلى وسيلة لفرض ذاكرة حزبية أو طائفية أو قومية أحادية. فاختيار الشخصيات المخلدة يحتاج إلى معايير معلنة، ولجان علمية مستقلة، وتمثيل عادل لمناطق العراق ومكوناته، مع إفساح المجال للعلماء والأدباء والفنانين والنساء والرائدات والشخصيات المدنية، وعدم حصر التكريم بالسياسيين وأصحاب السلطة.

استعادة الذاكرة لبناء المستقبل

إن بناء الهوية الوطنية العراقية يتطلب إعادة التفكير في الفضاء العام. فلا يمكن للمواطن أن يشعر بانتمائه الكامل إلى أمة لا يرى رموزها الحضارية حاضرة في تفاصيل حياته اليومية، ولا يعرف سِيَر الذين أسهموا في تشكيل تاريخها وثقافتها.

إن إطلاق أسماء العلماء والمفكرين والشعراء والرواد العراقيين على الشوارع والمؤسسات التعليمية والصحية والثقافية، وتشييد صروح تخلّد مآثرهم، ليس ترفًا تنظيميًا أو جماليًا، بل خطوة ضرورية لترميم الذاكرة الجمعية، ومنع انفصال الأجيال المقبلة عن جذورها التاريخية.

غير أن الذاكرة الوطنية الحقيقية لا تُبنى بتقديس الأشخاص، بل بتقديم سيرهم بوصفها تجارب إنسانية قابلة للدراسة والنقد والتعلم. فالأمة الواثقة من تاريخها لا تصنع أصنامًا من عظمائها، ولا تمحوهم من فضائها العام؛ بل تحفظ منجزاتهم، وتناقش أخطاءهم، وتحوّل حضورهم إلى مصدر معرفة وإلهام.

وحين تتحدث شوارع العراق وجسوره ومدارسه ومستشفياته بأسماء علمائه ومفكريه ومبدعيه، فإنها لن تكون مجرد منشآت تحمل لافتات جديدة، بل صفحات مفتوحة من كتاب الهوية الوطنية.

❖ كتابات في الميزان ❖

يطرح المقال الفضاء العام بوصفه أداة لصناعة الذاكرة الوطنية، ويقارن بين تجارب دول جعلت من صروحها وشوارعها سجلًا حيًا لعظمائها وبين الحضور المحدود وغير المنظم للرموز العراقية. ولا تكمن المشكلة في غياب الأسماء كليًا، بل في افتقار العراق إلى سياسة مؤسسية تربط التسمية بالتعريف والتعليم والتوثيق. ويقدم النص رؤية متوازنة حين يشترط أن يكون التخليد جامعًا وتعدديًا، لا وسيلة لإنتاج ذاكرة حزبية أو طائفية جديدة.

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!