كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

11 سبتمبر والبحث عن عدو جديد

شكّل انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 تحولًا محوريًا في النظام الدولي؛ إذ وجدت الولايات المتحدة نفسها، للمرة الأولى منذ منتصف القرن العشرين، القوة العظمى الوحيدة من دون منافس استراتيجي يوازيها. وطرح ذلك سؤالًا أساسيًا أمام دوائر صنع القرار الأميركي: ما طبيعة التهديد القادم؟ وكيف يمكن إعادة تعريف الأمن في عالم لم يعد فيه خصم واضح بحجم الاتحاد السوفيتي؟

من عدو واضح إلى تهديد مفتوح

مع انتهاء الحرب الباردة، ظهرت تصورات مختلفة لمستقبل النظام الدولي. تحدث بعضها عن انتصار النموذج الليبرالي واقتراب العالم من مرحلة جديدة من الاستقرار، بينما ركزت تصورات أخرى على احتمالات اندلاع الصراعات الإقليمية، وصعود الدول الرافضة للنظام الدولي، وبروز النزاعات ذات الأبعاد الحضارية والثقافية.

وفي الوقت نفسه، بدأت المؤسسات الأمنية ومراكز التفكير الأميركية إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي؛ فلم يعد التهديد مرتبطًا بالضرورة بدولة محددة أو جيش نظامي، بل صار يشمل جماعات مسلحة وشبكات عابرة للحدود وتهديدات غير متماثلة، يصعب التعامل معها بالوسائل العسكرية التقليدية.

ولم يكن تنظيم القاعدة نتاجًا مباشرًا لانهيار الاتحاد السوفيتي؛ فقد تأسس عام 1988 داخل البيئة التي صنعتها الحرب الأفغانية ضد القوات السوفيتية، في ظل دعم إقليمي ودولي واسع للمقاتلين الأفغان آنذاك. لكن انتهاء الحرب وتفكك الدولة الأفغانية غيّرا البيئة التي تحرك فيها التنظيم، كما تغيرت أولوياته وأهدافه. ويؤكد السجل التعريفي لمكتب التحقيقات الفيدرالي أن أسامة بن لادن قدّم دعمًا ماليًا ولوجستيًا للمقاتلين في أفغانستان قبل تأسيس القاعدة عام 1988. مكتب التحقيقات الفيدرالي.

وفي بيانات التنظيم خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، ركز خطابه على جملة من القضايا التي اتخذها مبررات لصراعه مع الولايات المتحدة، ومنها الوجود العسكري الأميركي في منطقة الخليج، والسياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية، والعقوبات المفروضة على العراق.

وهكذا ظهر أمام الولايات المتحدة نوع مختلف من الخصوم: تنظيم غير دولتي عابر للحدود، يمتلك خطابًا أيديولوجيًا، وشبكات للتمويل والتجنيد، وقدرة على تنفيذ عمليات في دول بعيدة عن قواعد وجوده.

11 سبتمبر… لحظة التحول

جاءت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 لتشكل نقطة تحول كبرى في السياسة الدولية؛ إذ وفرت المبرر السياسي والشعبي لإطلاق ما عُرف لاحقًا بـ«الحرب على الإرهاب».

ولم تكن هذه الحرب مواجهة تقليدية لها جبهة واحدة أو نهاية محددة، بل امتدت إلى أفغانستان والعراق ومناطق أخرى، واعتمدت على التدخل العسكري والعمل الاستخباري والضربات الجوية عن بُعد، فضلًا عن ملاحقة شبكات التمويل والاتصال، وتوسيع أنظمة المراقبة والتعاون الأمني بين الدول.

وكان غزو أفغانستان عام 2001 ردًا مباشرًا على هجمات 11 سبتمبر ووجود قيادة تنظيم القاعدة فيها. أما غزو العراق عام 2003 فلم يكن ردًا مباشرًا على الهجمات، ولم يثبت تقرير لجنة التحقيق الأميركية وجود علاقة تشغيلية بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة في تنفيذها؛ لكنه وقع داخل المناخ الأمني والسياسي الذي صنعته الهجمات، وروّجت له الإدارة الأميركية تحت عناوين أسلحة الدمار الشامل ومكافحة الإرهاب.

وبذلك انتقل «الإرهاب» من كونه تهديدًا أمنيًا محددًا إلى إطار واسع أعاد تشكيل السياسة الخارجية والعقيدة الأمنية الأميركية خلال العقدين التاليين.

العالم الإسلامي في قلب التداعيات

كانت الدول والمجتمعات الإسلامية من أكثر المتأثرين بهذه المرحلة، لا لأن الإرهاب ظاهرة إسلامية، بل لأن عددًا من أهم ساحات «الحرب على الإرهاب» كان داخل دول إسلامية.

ففي أفغانستان والعراق أدت التدخلات العسكرية إلى إسقاط نظامي الحكم، ثم دخل البلدان في سنوات طويلة من عدم الاستقرار والصراع المسلح، وظهرت تنظيمات جديدة أشد تطرفًا، استفادت من انهيار مؤسسات الدولة والفراغ الأمني والانقسامات السياسية والاجتماعية.

كما توسعت سياسات المراقبة ومكافحة التمويل والتعاون الاستخباري، وظهرت في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي صور نمطية تربط الإسلام بالإرهاب. وانعكس ذلك على الجاليات المسلمة، على الرغم من أن المجتمعات الإسلامية نفسها كانت من أكثر المجتمعات تعرضًا لجرائم التنظيمات المتطرفة.

وتؤكد بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي تسجيل 481 حادثة، تضمنت 546 جريمة و554 ضحية، بدافع التحيز ضد المسلمين في الولايات المتحدة خلال عام 2001، بما يوضح حجم ردود الفعل التي رافقت الهجمات. إحصائية مكتب التحقيقات الفيدرالي.

أما اقتصاديًا، فقد استنزفت الحروب موارد ضخمة، وألحقت أضرارًا كبيرة بالتنمية والاستثمار والسياحة والبنية التحتية في البلدان التي تحولت إلى ساحات مفتوحة للصراع.

هل يتغير تعريف العدو؟

من التبسيط القول إن تفكك الاتحاد السوفيتي «صنع» عدوًا جديدًا للولايات المتحدة، كما لا توجد أدلة تثبت أن هجمات 11 سبتمبر صُنعت لهذا الغرض. الأدق أن نهاية الحرب الباردة أوجدت فراغًا استراتيجيًا في تصور التهديد، تزامن مع صعود تنظيمات متطرفة تمتلك دوافع وأجندات خاصة بها. ثم جاءت الهجمات لتجمع بين المسارين، وتنتج عقيدة أمنية جديدة استمرت قرابة عقدين.

وكان العالم الإسلامي في قلب هذه المعادلة بوصفه الساحة الأوسع للعمليات العسكرية، وبوصف شعوبه أيضًا من أكثر المتضررين من الإرهاب والحروب والصور النمطية التي رافقت تلك المرحلة.

لكن التاريخ لا يترك فراغًا طويلًا في تعريف «العدو». فإذا تراجعت أولوية الإرهاب في الحسابات الاستراتيجية الكبرى، فمن سيكون الخصم التالي؟ وهل تعود الولايات المتحدة والعالم إلى منطق المنافسة بين القوى الكبرى، كما يظهر في الصعود الصيني والمواجهة مع روسيا، أم تأتي التهديدات المقبلة من مجالات مختلفة، مثل التكنولوجيا والفضاء والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي؟

إن السؤال لم يعد: أين يوجد العدو؟ بل: كيف يُعرَّف العدو في كل مرحلة، ومن يشارك في صياغة هذا التعريف، وكيف يتحول التهديد الحقيقي إلى عقيدة سياسية وأمنية قد تتجاوز حدود مواجهته؟

❖ كتابات في الميزان ❖

يتناول المقال هجمات 11 سبتمبر من زاوية التحول الذي أحدثته في مفهوم الأمن القومي الأميركي، مميزًا بين نشوء القاعدة بوصفه مسارًا تاريخيًا مستقلًا وبين توظيف الهجمات في بناء «الحرب على الإرهاب». وتنبع أهمية الطرح من تجنبه التفسير التآمري المباشر، وتركيزه على كيفية إعادة تعريف الخصم وفق تحولات النظام الدولي. كما يفتح خاتمته على سؤال معاصر: هل انتقل مركز التهديد من التنظيمات المسلحة إلى التنافس مع القوى الكبرى والتكنولوجيا والفضاء السيبراني؟

برج_التجارة.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!