كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

حماقة أم عمالة؟

أنعم الله عز وجل على أرض نجد والحجاز بأن جعل فيها مهبط الرسالة، وقبلة المسلمين، ومسجد النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقبره الشريف، فغدت تُعرف بأرض الحرمين الشريفين. وبعد قيام الدولة السعودية الحديثة، حملت البلاد اسم الأسرة الحاكمة، ثم زادت الثروة النفطية من أهميتها الاقتصادية والسياسية، وجعلتها لاعبًا مؤثرًا في المنطقة والعالم.

شهدت الجزيرة العربية، خلال الحربين العالميتين وما أعقبهما، تحولات سياسية عميقة ارتبطت بضعف الدولة العثمانية، وتصاعد النفوذ البريطاني، والتحالفات التي أعادت تشكيل المنطقة. وقد انتهت تلك التحولات بقيام المملكة العربية السعودية وترسيخها واقعًا سياسيًا قائمًا، بصرف النظر عن الجدل التاريخي بشأن التحالفات والصراعات التي رافقت نشأتها.

أما اليوم، فقد تغيرت الظروف جذريًا، وأصبحت العلاقة السعودية ـ الأميركية من أبرز العوامل المؤثرة في سياسة المملكة، ولا سيما بعد عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وما رافقها من تصريحات ومواقف أثارت تساؤلات عن طبيعة هذه العلاقة وحدود استقلال القرار السعودي.

اليمن وسؤال التدخل السعودي

يتصدر المشهد اليمني حديث المنطقة، ولا سيما بعد تجدد المواجهات وتبادل الضربات. ومن المؤسف أن يُقتل اليمني أو السعودي في حرب لا تبدو لها نهاية واضحة، ولا تلوح في أفقها تسوية تضمن أمن البلدين وكرامة شعبيهما.

وهنا يُطرح السؤال: ما الغاية التي تسعى إليها السعودية من استمرار تدخلها في الشأن اليمني؟ وهل تنظر إلى اليمن من زاوية أمنية وجغرافية، أم من منظور سياسي وعقائدي، أم أن حساباتها مرتبطة بتحالفات إقليمية ودولية أوسع؟

أعلنت السعودية، في آذار/مارس 2015، انطلاق عملية «عاصفة الحزم» بمشاركة تحالف عسكري، تحت عنوان إعادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا إلى السلطة. لكن سنوات الحرب لم تحقق تسوية نهائية، فيما دفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا من القتلى والدمار والنزوح والجوع وانهيار الخدمات.

لقد برهنت التجربة أن القوة العسكرية، مهما بلغ حجمها، لا تستطيع وحدها حل أزمة سياسية واجتماعية شديدة التعقيد كالأزمة اليمنية. كما أن الحصار والتضييق الاقتصادي لا يؤديان إلى الاستقرار، بل يزيدان معاناة المدنيين ويعمقان مشاعر العداء والرغبة في الانتقام.

الإهانة السياسية وكرامة الدولة

أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان استياءً واسعًا؛ لما حملته من لغة جارحة لا تليق بالعلاقات بين الدول. وكان ترامب قد استخدم تعبيرًا سوقيًا قال فيه، وفقًا لما نُشر عن تصريحاته: «لم يكن يعتقد أنه سيقبّل مؤخرتي»، قبل أن يثني على ولي العهد ويصفه لاحقًا بأنه رجل محارب ومميز. وهذا يختلف عن الصياغة المتداولة التي تقول إن ترامب أمره مباشرة بفعل ذلك. نص التصريح وسياقه.

إن الإهانة التي تستهدف رئيس دولة أو ولي عهدها لا تبقى محصورة في شخصه، بل تمس صورة الدولة وكرامة شعبها. ومن هنا كان المنتظر موقفًا رسميًا واضحًا يرفض هذه اللغة، ويحفظ للمملكة وشعبها مكانتهما، بدلًا من استمرار التعامل مع العلاقة الأميركية باعتبارها فوق النقد والمساءلة.

وفي الوقت الذي لم يظهر فيه رد سعودي معلن يتناسب مع فظاظة التصريح، استمرت المواجهة مع حركة أنصار الله في اليمن، بما يثير سؤالًا مشروعًا عن الأولويات: لماذا يُظهر بعض الحكومات حزمًا كبيرًا في صراعاتها الإقليمية، بينما تتعامل بصمت مع الإهانات الصادرة عن حلفائها الدوليين؟

أنصار الله جزء من المعادلة اليمنية

إن حركة أنصار الله ليست الشعب اليمني كله، لكنها قوة يمنية سياسية وعسكرية تمتلك قاعدة اجتماعية وتسيطر على مساحات واسعة من البلاد. ولذلك لا يمكن تجاهل وجودها أو إلغاؤها بالقوة، كما لا يمكن اختزال اليمن بجميع مكوناته في طرف واحد.

إن الحل الواقعي لا يكون بمحاولة محو الخصم، بل بإيجاد تسوية يمنية شاملة تحفظ وحدة البلاد وسيادتها، وتضمن مشاركة القوى السياسية والاجتماعية المختلفة في صياغة مستقبلها. وعلى أنصار الله، في المقابل، أن يدركوا أن شرعية أي حل دائم لا تتحقق بالسلاح وحده، بل بالتوافق الوطني وضمان حقوق بقية مكونات الشعب اليمني.

البحر الأحمر والوساطة العُمانية

استطاعت أنصار الله التأثير في الملاحة بالبحر الأحمر من خلال استهداف السفن وتهديد خطوط الشحن، لكنها لم تُغلق البحر الأحمر إغلاقًا كاملًا. وقد دفعت هذه العمليات الولايات المتحدة وحلفاءها إلى شن ضربات عسكرية، من دون أن تؤدي تلك الضربات إلى إنهاء قدرات الحركة.

وتوسطت سلطنة عُمان، في أيار/مايو 2025، في اتفاق لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وأنصار الله، التزم بموجبه الطرفان عدم استهداف أحدهما الآخر، بما يشمل السفن الأميركية في البحر الأحمر وباب المندب. غير أنه لم يظهر في النصوص والتقارير الموثوقة المتاحة ما يثبت أن الوساطة تضمنت عرضًا أميركيًا يمنح الحركة «كل ما تريد» مقابل قطع علاقتها بإيران؛ ولذلك لا يصح تقديم هذا الادعاء بوصفه حقيقة ثابتة. تقرير عن الوساطة العُمانية.

ضرب المنشآت الاقتصادية

أعلنت أنصار الله، خلال التصعيد الأخير، استهداف منشآت تابعة لأرامكو ومواقع سعودية أخرى. وأكدت تقارير إخبارية وقوع عدد من الهجمات، ومنها استهداف مصفاة جازان ومواقع في نجران، مع اختلاف البيانات بشأن حجم الأضرار ونتائج بعض الضربات. رويترز: استهداف مصفاة جازان، ورويترز: هجمات نجران وأرامكو.

هذه التطورات تطرح سؤالًا بالغ الخطورة: لماذا تُعرّض السعودية المنشآت التي بنتها خلال عقود لخطر الاستهداف، ما دام باب التسوية السياسية ممكنًا؟ وماذا يُنتظر من حركة مسلحة تتعرض مناطق سيطرتها للقصف: الاستسلام، أم الرد وتوسيع دائرة المواجهة؟

لقد جُرّبت الحرب سنوات طويلة، ولم يتمكن أي طرف من حسمها بصورة نهائية. وكل جولة جديدة لا تفعل سوى زيادة الخسائر، وتهديد أمن الملاحة والطاقة، وإشعال أزمة إقليمية قد تتجاوز حدود اليمن والسعودية.

السلام أكثر واقعية من الحرب

الأجدى بالسعودية أن تعمل على عقد اتفاقات واضحة مع اليمن بكل مكوناته، وأن تواصل الحوار الإقليمي مع إيران بما يضمن أمنها وسلامة أراضيها ومصالح شعبها. فالخلاف الفكري أو العقائدي لا ينبغي أن يتحول إلى حرب مفتوحة، كما أن الخوف من الآخر لا يُعالج بالقصف والحصار، بل بالحوار والضمانات المتبادلة واحترام السيادة.

ولا يمكن استبعاد أن يؤدي استنزاف اليمن والسعودية في مواجهات متبادلة إلى خدمة أطراف أخرى، وفي مقدمتها حكومة بنيامين نتنياهو، التي تواصل عملياتها العسكرية في غزة ولبنان. لكن القول بوجود خطة متعمدة لإشغال اليمن لمصلحة إسرائيل يحتاج إلى أدلة مباشرة؛ والأدق تقديمه بوصفه احتمالًا سياسيًا أو نتيجة موضوعية للتصعيد، لا حقيقة محسومة.

إن السؤال المطروح أمام صانعي القرار في السعودية هو: هل يقود استمرار الحرب إلى تحقيق الأمن، أم يفتح أبوابًا جديدة للاستنزاف؟ وهل تضمن المواجهة العسكرية استقرار الحدود والمنشآت الاقتصادية، أم أن التسوية السياسية أكثر قدرة على حماية البلاد؟

إذا كانت الحرب قد عجزت عن تحقيق أهدافها طوال هذه السنوات، فإن الإصرار عليها لا يمكن تبريره بالحكمة السياسية. وهنا يصبح السؤال الذي يحمله عنوان المقال مشروعًا: هل ما يجري ناتج عن سوء تقدير وحماقة سياسية، أم عن ارتهان القرار لحسابات ومصالح خارجية؟

حرب اليمن.png

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!