دخل الأستاذ القاعة، فصمت الطلاب، ثم كتب على السبورة قوله تعالى على لسان فرعون:
﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
النازعات: 24.
التفت إلى الطلاب قائلًا:
ـ مَن منكم يذكر دليلًا على بطلان ادعاء فرعون الربوبية؟
رفع طالب يجلس قرب النافذة يده، فأذن له الأستاذ بالكلام، فقال:
ـ إن فرعون مخلوق مُحدَث، بينما الإله خالق غير مخلوق، أزلي غير مُحدَث.
شكره الأستاذ، ثم قال:
ـ أريد دليلًا آخر.
استأذن طالب ثانٍ في الحديث، فقال:
ـ كان فرعون يحتاج إلى مكان يجلس فيه وينام، بينما الإله غني عن المكان.
وعلى استحياء، رفع طالب خجول يده. كان قصير القامة، يضع نظارة تنزلق غالبًا إلى أرنبة أنفه، فيعيدها إلى موضعها بسبابته.
قال له الأستاذ:
ـ هاتِ يا محمد، ما دليلك على بطلان ربوبية فرعون؟
أجاب محمد بلسان متلعثم، وقد احمرّت أذناه:
ـ إن… إن… إن فرعون كان يأكل الطعام!
ساد القاعة صمت قصير، أعقبه ضحك هز أركانها، حتى قطعه الأستاذ حين ضرب بعصاه على المقعد الأول طالبًا الانتباه والسكوت.
قال الأستاذ:
ـ في الحقيقة، جميع الإجابات صحيحة، وكذلك إجابة محمد. لقد كان فرعون يأكل الطعام، والافتقار إلى الطعام لا ينسجم مع معنى الربوبية؛ فالإله غني، بينما يحتاج الإنسان إلى ما يحفظ حياته.
ثم أردف:
ـ يستلزم الأكل والشرب حاجات جسديةً وعمليات طبيعية تدل على ضعف المخلوق وافتقاره، بينما يتنزه الخالق سبحانه عن خصائص الأجسام ولوازمها.
ولهذا، حين تحدث القرآن الكريم عن المسيح عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام، قال:
﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾
المائدة: 75.
يفهم الناس جميعًا العبارة المباشرة حين يقال لهم إن عيسى وأمه ليسا إلهين، لكنهم يتفاوتون في إدراك الدلالة العميقة لقوله تعالى: ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾؛ فهي كناية بليغة تشير إلى حاجتهما البشرية وما يترتب على الأكل، من غير أن يصرّح النص بجميع التفاصيل.
هنا يظهر الامتحان الحقيقي في فهم الكلام البليغ، فالقرآن لا يكتفي أحيانًا بالتصريح، بل يفتح أمام العقل باب الاستدلال من اللازم إلى الملزوم، ومن العلامة الظاهرة إلى الحقيقة التي تقف وراءها.
الكناية و«الحسجة» العراقية
دعك الآن من الأستاذ والقاعة ومحمد؛ فما استخدمه القرآن في هذا الموضع هو الكناية، وهي لفظ يُراد به لازم معناه مع جواز إرادة المعنى الأصلي.
والكناية قريبة مما يُسمّى في بعض المجالس والمضايف العراقية بـ«الحسجة»؛ أي الكلام الذي لا يُصرّح فيه المتحدث بمراده، بل يترك للسامع أن يفهمه من الإشارة والسياق.
ويربط بعضهم تسمية «الحسجة» بمكان في الديوانية اشتهر أهله بالكنايات الرفيعة والعبارات غير المباشرة، لكن هذه النسبة متداولة شفهيًا وتحتاج إلى توثيق لغوي أو تاريخي، ولذلك نقول: العهدة على الراوي، ولعل أحد أبناء الديوانية يؤكد الحكاية أو يصححها.
ومن أمثلة الكناية قول الرجل لامرأته: «الحقي بأهلك»، فقد يُراد بها الطلاق بحسب نية المتكلم والسياق. أما الحكم الشرعي المترتب عليها، فيختلف باختلاف المذاهب والضوابط؛ وفي الفقه الإمامي لا يقع الطلاق بهذه العبارة، لاشتراط صيغة مخصوصة وشروط أخرى لصحة الطلاق.
رسالة الرمل والشوك والحنظل
ومن لطائف القصص المتداولة في باب الكناية ما يُروى عن رجل من بني العنبر، رأى بني حنظلة قد جمعوا عددًا كبيرًا وعدةً قوية، وهم يستعدون لغزو قومه.
كان الرجل يعيش بين ظهرانيهم، ولم يكن يستطيع أن يكتب إلى قومه رسالةً صريحة؛ فقد يُلقى القبض على حاملها وتنكشف خطته. ولم يكن قادرًا على الخروج من بينهم، لأن هروبه سيثير الشكوك ويفضح أمره.
لذلك بعث إلى قومه صرّةً حملها أحد التجار أو الجوالين، ووضع فيها ثلاثة أشياء: رملًا وشوكًا وحنظلًا.
كان الرمل كنايةً عن كثرة عدد المقاتلين، والشوك إشارةً إلى قوة أسلحتهم وشدة بأسهم، أما الحنظل فكان دليلًا على اسم القبيلة التي تستعد للغزو: بني حنظلة.
وحين وصلت الصرّة إلى قومه وفتحوها، أدركوا الرسالة واستعدوا لما كان يُدبّر لهم.
توضح هذه القصة أن الكناية تحتاج إلى ذكاء من الطرفين: المتكلم والسامع، والمرسِل والمتلقي. فإذا غابت المعرفة المشتركة بينهما، فقدت الرموز دلالتها ولم تصل الرسالة.
الكناية والرسائل المشفّرة
تعتمد بعض الأعمال الاستخباراتية والعسكرية على الرموز والشيفرات المتفق عليها مسبقًا؛ فتبدو الرسالة أمام الآخرين طبيعية، بينما تحمل للجهة المقصودة معنى خاصًا.
وتُروى حكايات عن اتفاق بعض المحطات الإذاعية، في زمن الحروب، مع عملاء أو متلقين على جعل مواد معينة علاماتٍ لبدء مهمة أو إيقافها. فإذا افتُتح البث بنص متفق عليه، حمل ذلك أمرًا محددًا لا يعرفه إلا طرفا الاتصال.
أما الزعم بأن إذاعة برلين في زمن هتلر استخدمت سورًا معينة، كالإخلاص أو الفاتحة، لإرسال أوامر محددة إلى عملائها العرب، فلم أعثر له على توثيق تاريخي موثوق. والثابت أن إذاعة برلين العربية، التي ارتبطت باسم المذيع العراقي يونس بحري، كانت تفتتح بعض برامجها بتلاوة القرآن لجذب الجمهور العربي؛ ولذلك ينبغي عرض قصة الشيفرات بوصفها مثالًا متداولًا، لا واقعةً تاريخية مؤكدة.
الحجة ومسؤولية الإنسان
نعود إلى رسول الله عيسى عليه السلام، إذ يقول الله تعالى له يوم القيامة:
﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
المائدة: 116.
الغرض من هذا السؤال ليس طلب معرفة أمر يخفى على الله، تعالى عن ذلك، بل هو سؤال تقريري يراد به توبيخ الذين اتخذوا عيسى وأمه إلهين، وإقامة الحجة عليهم أمام الخلق.
هل أمرهم عيسى ابن مريم بذلك؟ يأتي الجواب على لسانه عليه السلام:
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾
المائدة: 117.
ومن هنا نعلم أن الإنسان مسؤول عن كل قول يقوله وكل فعل يفعله، وأن الحجة عليه هي ما بلّغه الأنبياء والأوصياء من أمر الله تعالى. فلا يكفي أن يزعم المرء أن ما فعله كان باسم الدين، بل عليه أن يسأل: هل أمر الله بذلك؟ وهل ثبت عن الرسول أو المعصوم أنه دعا إليه؟
يفتقد كثير من الناس الحجة فيما يقولون ويكتبون، ثم يتوهمون أنهم يدافعون عن أمر الله، بينما قد يكونون في الحقيقة يكتبون الشبهات، ويروجون الأكاذيب، وينسبون إلى الدين ما ليس منه.
إن بلاغة الكناية تعلمنا أن للكلام ظاهرًا ودلالةً تتجاوز الظاهر، لكن هذه البلاغة لا تعني أن نحمّل النصوص ما لا تحتمله. فحسن الفهم مسؤولية، مثلما أن حسن القول مسؤولية؛ وبينهما تقوم الحجة التي سيُسأل عنها الإنسان.
❖ كتابات في الميزان ❖
ينطلق المقال من مشهد تعليمي بسيط ليفتح بابًا واسعًا على بلاغة الكناية، مستشهدًا بالتعبير القرآني ﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ في الاستدلال على بشرية المسيح وأمه. ثم يربط هذا الأسلوب بـ«الحسجة» العراقية والرموز والرسائل المشفرة، قبل أن ينتهي إلى مسؤولية الإنسان عن أقواله الدينية. وتتمثل فكرته المركزية في أن فهم المعنى الخفي يحتاج إلى بصيرة، لكنه لا يجيز اختراع دلالات لا يسندها النص أو الدليل.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!