إن سيطرة الجيش الإسرائيلي على تلة «علي الطاهر» الاستراتيجية، بالتزامن مع شنّ هجمات واسعة على البنية التحتية في لبنان، لا تمثل عملية عسكرية محدودة فحسب، بل قد تفتح صفحة جديدة في المعادلات الإقليمية. ويمكن قراءة هذا التطور ضمن مسعى إسرائيلي لفرض منطقة أمنية عازلة وإحداث تغيير جيوستراتيجي في جنوب لبنان.
يستند هذا الطرح إلى تحليل للناشط والمحلل السياسي علي محمد نماز، نشرته صحيفة «آرمان ملّي» الإيرانية.
ماذا تعني السيطرة على تلة «علي الطاهر»؟
أعلن الجيش الإسرائيلي، في الثالث من أيلول/سبتمبر 2026، فرض «سيطرة عملياتية» على تلة «علي الطاهر» وشبكة من الأنفاق الواقعة تحتها، بعد أسابيع من المواجهات. لكن مدى هذه السيطرة الميدانية ظل غير واضح؛ إذ استمر القصف بعد الإعلان، ولم يصدر عن حزب الله تأكيد رسمي لسقوط التلة أو نفي له. كما أفاد مصور لوكالة أسوشيتد برس، زار منطقة قريبة، بأنه لم يشاهد وجودًا عسكريًا إسرائيليًا ظاهرًا فوقها. أسوشيتد برس
تقع مرتفعات «علي الطاهر» شمال نهر الليطاني، بالقرب من مدينة النبطية، ويبلغ ارتفاعها نحو 600 متر عن سطح البحر. وتشرف على قرى وطرق رئيسة تربط النبطية بإقليم التفاح ومناطق أخرى في الجنوب، ما يمنحها أهمية عسكرية واستخباراتية كبيرة.
وإذا تأكدت السيطرة الإسرائيلية الكاملة والمستقرة عليها، فقد تؤثر في قدرة حزب الله على الرصد الميداني المبكر، وتضغط على بعض طرق الحركة والإمداد في المنطقة. غير أن خسارة موقع مهم، إن ثبتت، لا تعني انهيار منظومة الحزب العسكرية بأكملها؛ لأن تلك المنظومة موزعة على نطاق جغرافي أوسع وتقوم على مواقع ووسائل متعددة.
وتشير التجربة السابقة للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، بين عامي 1982 و2000، إلى أن السيطرة على المرتفعات تشكل عنصرًا مهمًا في المراقبة وجمع المعلومات والتحكم الناري. وكانت إسرائيل قد أقامت موقعًا عسكريًا على تلة «علي الطاهر» خلال تلك المرحلة، قبل انسحابها من لبنان عام 2000.
ويبقى احتمال أن يكون انسحاب مقاتلي حزب الله من بعض المواقع تكتيكيًا أو مخططًا له أمرًا واردًا، إلا أن الحكم على ذلك يتطلب انتظار اتضاح الصورة الميدانية وطبيعة الخطوات التي سيتخذها الحزب في المرحلة المقبلة.
بين العجز الحكومي وحدود التحرك الدبلوماسي
ينتقد صاحب التحليل أداء الحكومة اللبنانية، ويرى أن اكتفاءها بتقديم الشكاوى إلى مجلس الأمن والتواصل مع الأمين العام للأمم المتحدة لا يمثل ردًا حازمًا على الغارات اليومية والتوغل داخل الأراضي اللبنانية.
غير أن وصف الموقف الحكومي بـ«الخيانة» حكم سياسي لا يمكن تقديمه بوصفه حقيقةً مثبتة. فالحكومة اللبنانية أدانت الهجمات الإسرائيلية، ووصف الرئيس اللبناني جوزيف عون الضربات الأخيرة بأنها تصعيد خطير وانتهاك للاتفاقات القائمة. ويتركز الجدل، في حقيقة الأمر، على مدى فاعلية تحركات الدولة وقدرتها على حماية السيادة، لا على غياب الإدانة الرسمية.
لقد أدى قصف الجسور والمنشآت والطرق والمناطق السكنية إلى سقوط ضحايا ونزوح أعداد من المواطنين، وزاد المخاوف من فصل الجنوب جغرافيًا واقتصاديًا عن بقية البلاد. كما أن استمرار العمليات العسكرية، بالتوازي مع تعثر تنفيذ اتفاق الانسحاب وانتشار الجيش اللبناني، يجعل السلطة أمام اختبار صعب بين محدودية إمكاناتها الداخلية وضغوط الأطراف الخارجية.
ويرى منتقدو الحكومة أن العمل الدبلوماسي وحده لم ينجح في وقف الاعتداءات، بينما تؤكد الدولة أن استعادة سيادتها تتطلب تجنب حرب شاملة وتعزيز دور الجيش اللبناني وتفعيل الضمانات الدولية.
مشروع المنطقة الأمنية
تتجاوز خطورة التطورات احتلال تلة واحدة إلى احتمال تكريس وجود عسكري إسرائيلي طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية. فإعلان السيطرة على موقع يقع شمال الليطاني يثير تساؤلات عن الحدود الفعلية لما تسميه إسرائيل «منطقة أمنية»، وعن احتمال توسيعها تدريجيًا.
ويخشى مراقبون أن يؤدي بقاء القوات الإسرائيلية في التلال والمواقع الحاكمة إلى إنشاء واقع ميداني جديد، تصبح العودة عنه أكثر صعوبة بمرور الوقت. كما قد تستخدم هذه المواقع لمراقبة الطرق والقرى، وتقييد حركة حزب الله، وفرض شروط إسرائيلية على أي ترتيبات أمنية مقبلة.
وترتبط هذه المخاوف بذاكرة الاحتلال السابق، حين تحولت مواقع عسكرية بدأت تحت عناوين أمنية إلى شريط محتل استمر نحو ثمانية عشر عامًا. ولذلك ينظر كثير من اللبنانيين إلى المصطلحات الإسرائيلية المتعلقة بـ«الأمن» و«المناطق العازلة» بحذر بالغ.
المياه في الحسابات الإسرائيلية
تمثل المياه عنصرًا مهمًا في الأمن القومي لدول المنطقة، وقد ارتبطت تاريخيًا بالصراع على الحدود والموارد، ولا سيما في الجولان المحتل وحوض نهر الأردن.
ويرى صاحب التحليل أن السيطرة الإسرائيلية على أجزاء من جنوب لبنان قد ترتبط كذلك بأطماع في مياه نهر الليطاني. غير أن هذه الفرضية تحتاج إلى أدلة مباشرة، ولا يكفي الاستناد إلى الأهمية العامة للمياه أو إلى مشاريع إسرائيلية قديمة لإثبات وجود خطة حالية لنقل مياه الليطاني.
لذلك يمكن التعامل مع عامل المياه بوصفه أحد الهواجس الجيوسياسية المطروحة، لا حقيقةً مثبتة بشأن العملية العسكرية الراهنة. أما الدافع المباشر المعلن إسرائيليًا، فهو إقامة ترتيبات أمنية تحول دون استخدام المنطقة في شن هجمات على شمال إسرائيل.
مخاطر فرض واقع طويل الأمد
ترسم هذه التطورات أفقًا خطرًا أمام لبنان والمنطقة؛ فالقلق الرئيس لا يكمن في مصير تلة واحدة، على أهميتها، وإنما في احتمال تطبيع التوغل العسكري وفرض نظام أمني جديد يخدم المصالح الإسرائيلية على حساب السيادة اللبنانية.
إن الإصرار الإسرائيلي على إقامة منطقة أمنية داخل جنوب لبنان قد يتحول إلى خارطة طريق لتغيير خطوط السيطرة وفرض واقع يصعب التراجع عنه. وإذا استمر المسار الحالي، في ظل ضعف الضغط الدولي وتعثر التفاهمات الداخلية، فقد تتكرر تجربة الاحتلال طويل الأمد، بما يرسخ الحصار الجغرافي والعسكري على حزب الله ويؤثر في مجمل المعادلات الأمنية في غرب آسيا.
ولا تزال النتيجة النهائية مرتبطة بعوامل متعددة، منها قدرة حزب الله على مواصلة المواجهة، وموقف الجيش والدولة في لبنان، ومدى فاعلية الضغوط الدولية، وطبيعة الأهداف الإسرائيلية بعد إعلان السيطرة العملياتية على التلة.
❖ كتابات في الميزان ❖
يضع المقال السيطرة الإسرائيلية المعلنة على تلة «علي الطاهر» ضمن مشروع أوسع لتثبيت منطقة أمنية وتغيير موازين القوة في جنوب لبنان. وتكمن أهمية التلة في موقعها المرتفع وإشرافها على طرق النبطية وإقليم التفاح، لكن حجم السيطرة الفعلية وتداعياتها العسكرية لا يزالان غير محسومين. كما يحتاج الربط بين العملية ومياه الليطاني أو ضم الأراضي إلى أدلة إضافية، بينما يبقى الخطر الأكثر وضوحًا هو تحوّل الوجود العسكري المؤقت إلى احتلال طويل الأمد.

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!