بعد ستة أشهر من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، تبدو الصورة مختلفة كثيرًا عن الشعارات التي رافقت بدايتها. ما قُدّم في البداية بوصفه عملية عسكرية محدودة وقصيرة، انتهى إلى مواجهة مفتوحة على احتمالات عدة، وعادت واشنطن مرة أخرى إلى سلاح العقوبات والضغط الاقتصادي.
الفارق هذه المرة أن الطريق إلى العقوبات مرّ عبر جولة عسكرية مكلفة، استنزفت جزءًا من القدرات والذخائر والنفوذ، من دون أن تحقق الحسم الذي كان متوقعًا.
1. فشل الرهان على الضربة الخاطفة
في فبراير 2026، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن نجاح الضربات التي استهدفت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان، وقدمها باعتبارها ضربة قاسية للبرنامج النووي الإيراني. وكان الرهان واضحًا: توجيه ضربة مركزة تؤدي إلى إضعاف إيران، وربما دفعها إلى تقديم تنازلات سريعة.
لكن، بعد ستة أشهر، لم نشهد استسلامًا في طهران، ولا سقوطًا للنظام، ولا عودة إلى مفاوضات بالشروط الأمريكية. بدلًا من ذلك، دخلت المنطقة في وضع أكثر تعقيدًا، يمكن وصفه بأنه «لا حرب ولا سلم».
لقد أثبتت المواجهة أن التفوق العسكري الأمريكي، رغم اتساعه، لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق أهداف سياسية سريعة. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير أهداف محددة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج تسوية سياسية أو تغيير سلوك دولة بحجم إيران.
وهنا تكمن إحدى أهم نتائج الحرب: القوة العسكرية حسمت بعض الأهداف، لكنها لم تحسم الصراع.
2. العودة إلى العقوبات… من القوة العسكرية إلى الضغط الاقتصادي
في 24 أغسطس، عادت الإدارة الأمريكية إلى توسيع دائرة العقوبات على إيران، مستهدفة عشرات الكيانات والشركات والمؤسسات المالية، مع تحذيرات للدول التي تتعامل اقتصاديًا مع طهران.
ورافق ذلك خطاب أمريكي يؤكد أن الضغط الاقتصادي قادر على دفع إيران نحو التراجع.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل تمثل العقوبات استراتيجية جديدة، أم عودة إلى أداة جُرّبت طويلًا؟
العقوبات تبقى وسيلة ضغط مهمة، لكنها لا تصبح بالضرورة أكثر فاعلية لمجرد استخدامها بعد حرب. بل إن التجربة السابقة مع إيران أظهرت قدرة كبيرة على التكيف مع القيود الاقتصادية، عبر إعادة ترتيب التجارة، وتوسيع العلاقات مع قوى دولية أخرى، والاعتماد على اقتصاد أكثر قدرة على تحمل العقوبات.
ولهذا، فإن العودة إلى العقوبات لا تعني بالضرورة انتصارًا أمريكيًا، كما أنها لا تعني تلقائيًا فشل السياسة العسكرية. لكنها تكشف أن واشنطن باتت تبحث عن أدوات أخرى لتحقيق أهداف لم تتمكن القوة العسكرية وحدها من تحقيقها.
3. واشنطن أمام التجربة نفسها
منذ انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي عام 2018، تعرض الاقتصاد الإيراني إلى واحدة من أشد حملات الضغط الاقتصادي. ومع ذلك، لم تؤد العقوبات إلى انهيار الدولة الإيرانية أو تغيير نظامها السياسي.
على العكس، تكيفت طهران تدريجيًا مع البيئة الجديدة، ووسعت علاقاتها الاقتصادية مع الصين وروسيا ودول أخرى، وطورت وسائل للالتفاف على العقوبات.
واليوم، تعود واشنطن إلى الأداة نفسها، ولكن في بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا.
المشكلة أن الضغط الاقتصادي قد يضعف الاقتصاد الإيراني، لكنه لا يضمن وحده تغيير حسابات القيادة الإيرانية. بل قد يدفعها إلى مزيد من التشدد، خصوصًا إذا شعرت أن الهدف النهائي للعقوبات هو تغيير النظام، وليس مجرد تعديل السلوك.
أما إسرائيل، التي كانت من أكثر الأطراف دفعًا نحو مواجهة إيران، فتواصل النظر إلى الضغط الأمريكي بوصفه جزءًا من استراتيجية أوسع لمواجهة الخطر الإيراني. لكن السؤال يبقى حول حجم الكلفة التي ستتحملها واشنطن إذا طال أمد المواجهة، خصوصًا في ظل ارتباط أمن الخليج وأسواق الطاقة مباشرة بأي تصعيد جديد.
الخلاصة: استنزاف متبادل بلا أفق واضح
بعد نصف عام، لم تحقق الولايات المتحدة الحسم السياسي الذي كان يمكن أن يترتب على التفوق العسكري، وفي الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للانسحاب الكامل من المواجهة.
لذلك، قد يكون الخيار الذي يتشكل أمامها هو استراتيجية الاستنزاف الاقتصادي الطويل: ضغط وعقوبات وتهديدات، في انتظار أن تؤدي الكلفة المتراكمة إلى تغيير في الموقف الإيراني.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية يفترض أن إيران اليوم هي نفسها إيران التي واجهت العقوبات قبل أكثر من عقد. وهذا افتراض يحتاج إلى كثير من الحذر.
إيران تعلمت من سنوات العقوبات، وطورت بدائل اقتصادية وسياسية، وبنت علاقات أوسع مع قوى دولية لا تنظر إلى العقوبات الأمريكية بالطريقة نفسها التي تنظر بها واشنطن إليها.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم الآن: هل ستنهار إيران؟
بل: إلى أي مدى تستطيع واشنطن الاستمرار في مواجهة طويلة لا تحقق فيها انتصارًا حاسمًا، ولا تجد فيها مخرجًا سياسيًا واضحًا؟
نحن أمام فصل جديد من المواجهة؛ فصل قد تكون أدواته مختلفة عن القصف والصواريخ، لكن نتائجه قد تكون بالقدر نفسه من الخطورة.
فالعقوبات قد تستنزف الاقتصاد الإيراني، لكن استمرار المواجهة قد يستنزف أيضًا النفوذ الأمريكي، ويرفع مخاطر أمن الخليج، ويضع أسواق الطاقة أمام موجات جديدة من عدم الاستقرار.
وفي نهاية المطاف، يبقى الثمن الأكبر لهذه المواجهة مدفوعًا من شعوب المنطقة، التي وجدت نفسها مرة أخرى بين نار الحرب وضغوط الاقتصاد وارتفاع كلفة الطاقة.
من الوهم العسكري إلى وهم العقوبات… قد يكون التحدي الحقيقي هو الخروج من دائرة الاستنزاف قبل أن تتحول المواجهة إلى صراع مفتوح بلا نهاية.
✦ كتابات في الميزان ✦
يقرأ المقال انتقال واشنطن من الرهان على الحسم العسكري ضد إيران إلى توسيع العقوبات والضغط الاقتصادي، بعد تعذر تحقيق نتائج سياسية سريعة. ويرى أن عودة العقوبات تكشف استمرار البحث عن أداة قادرة على تغيير الموقف الإيراني، رغم قدرة طهران المتراكمة على التكيف معها. وبين الاستنزاف العسكري والاقتصادي، تبقى شعوب المنطقة وأمن الخليج وأسواق الطاقة أمام كلفة مواجهة لا يظهر لها مخرج واضح.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!