يمثل الابتكار والبحث العلمي الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها اقتصادات الدول القوية في العصر الحديث، ولم تعد الثروات الطبيعية والمواد الخام وحدها كافية لضمان مستقبل زاهر، دون وجود عقول وطنية قادرة على تحويل الأفكار إلى واقع ملموس وناتج اقتصادي.
يمتلك العراق خزينًا هائلًا من الكفاءات العلمية والمخترعين في الداخل والمغتربين في الخارج، والذين يواصلون حصد الجوائز العالمية وبراءات الاختراع، إلا أن هذه الجهود تظل، في كثير من الأحيان، حبيسة الأدراج أو مستغلة خارج الحدود.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة لإطلاق مبادرة وطنية كبرى تتمثل في إقامة «المعرض السنوي للاختراعات والابتكارات العراقية» على أرض معرض بغداد الدولي، برعاية مباشرة من رئيس مجلس الوزراء، وبمشاركة فاعلة من الوزارات والهيئات والجامعات كافة؛ ليكون منصة حقيقية لاستثمار العقول وتحقيق نقلة نوعية في التحفيز على التطوير.
مبررات إقامة المعرض والفائدة المرجوة منه
تتطلب المرحلة الحالية الانتقال الجاد من مرحلة الاقتصاد الريعي شبه الكلي القائم على النفط إلى مرحلة اقتصاد المعرفة.
وتتلخص مبررات إقامة هذا المحفل السنوي في تشخيص الفجوة الحالية بين النتاج الأكاديمي والواقع التطبيقي، والحد من ظاهرة «هجرة العقول» عبر احتضان الكفاءات وتوجيهها لخدمة التنمية المحلية.
إن الأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، التابع لوزارة التخطيط، تشير إلى أن العراق يمتلك حراكًا ابتكاريًا متصاعدًا؛ حيث سجلت البلاد أكثر من 8450 براءة اختراع منذ عام 1970 وحتى الآن، بمعدل يلامس حاجز الـ800 براءة اختراع سنويًا في السنوات الأخيرة، تتوزع في قطاعات حيوية كالطب، والهندسة، والنانو تكنولوجي، والنفط والغاز.
الفائدة المرجوة من المعرض هي تحويل هذا الحجم الإحصائي الهائل من مجرد «شهادات ووثائق مخزنة» إلى مشروعات إنتاجية، عبر توفير منصة جامعة تربط بين المخترع العراقي وجهات التمويل والاستثمار.
نموذج الإبهار الصيني: العبرة بالاستثمار والتشجيع
وعند النظر إلى التجارب الدولية، تبرز التجربة الصينية كأكبر مصدر إبهار للعالم في مجالات الابتكار والتصنيع.
لم تصل الصين إلى قيادة أكثر من نصف براءات الاختراع عالميًا فجأة، بل تبنت استراتيجية تقوم على تشجيع أي اختراع أو ابتكار أو تطوير، مهما كان صغيرًا، بسيطًا أو رخيصًا.
آمنت الصين بأن التطور التكنولوجي يبدأ بخطوات بسيطة؛ فدعمت الورش الصغيرة والمبتكرين الهواة إلى جانب المؤسسات الكبرى، ووفرت لهم التسهيلات التمويلية والتسويقية لتحويل الأفكار البسيطة إلى منتجات تجارية تغزو الأسواق العالمية.
إن هذا النهج يثبت أن توفير البيئة المحفزة للمخترع وتبني أفكاره ـ حتى وإن بدت متواضعة في بدايتها ـ هو السر الكامن وراء القفزات الاقتصادية العملاقة، وهو ما نحتاجه تمامًا في بيئتنا الوطنية.
انعكاس الابتكارات على الصناعة الوطنية (المدنية والعسكرية)
إن المستفيد الأكبر من هذا المحفل العلمي والعملي هو قطاع الصناعة الوطنية بشقيه المدني والعسكري:
في الشق المدني:
يتيح المعرض للمصانع والشركات المحلية (العامة والخاصة) الاطلاع على حلول مبتكرة لتقليل كلف الإنتاج، وتطوير خطوط الإنتاج، وحل مشكلات الطاقة والمياه المستعصية؛ مما يرفع من جودة المنتج العراقي ويجعله قادرًا على منافسة البضائع المستوردة وإحلال الواردات.
في الشق العسكري:
تسهم الابتكارات الوطنية في تعزيز الأمن القومي عبر تطوير المنظومات الدفاعية، وصيانة العتاد والمعدات بخبرات محلية، وتقديم حلول ذكية في مجالات الأمن السيبراني والاتصالات؛ مما يقلل الاعتماد على الاستيراد الخارجي ويوفر مبالغ طائلة للموازنة العامة للدولة.
التحفيز والجوائز السنوية ورعاية الدولة
تؤكد التجارب الناجحة أن الدول التي ترعى المبتكرين لا تكتفي بتقديم الدعم المالي المؤقت، بل تمنحهم حماية قانونية صارمة، وتسهيلات لتأسيس الشركات الناشئة، وإعفاءات ضريبية، وحاضنات أعمال مجانية.
ولضمان ديمومة هذا الحراك العلمي في العراق، نقترح تخصيص «جوائز الدولة السنوية للاختراعات والابتكارات المتميزة»، تُمنح في ختام المعرض، بتكريم من أعلى سلطة تنفيذية.
إن تسليط الضوء الإعلامي والرسمي على هذه الابتكارات سيبعث برسالة واضحة للأجيال الشابة بأن التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي ليسا مستحيلين، بل هما نتاج حتمي ومتوقع عندما تتوفر البيئة المناسبة والمحفزة.
إن إقامة هذا المعرض بجهد وطني موحد يربط الجامعات والمؤسسات الحكومية بالقطاع الصناعي، على أرض معرض بغداد الدولي، ستكون حجر الأساس لبناء عراق متطور يعتمد على سواعد وعقول أبنائه في الداخل والخارج.
✦ كتابات في الميزان ✦
يدعو المقال إلى تحويل الاختراعات العراقية من وثائق محفوظة إلى مشروعات إنتاجية تسهم في بناء اقتصاد المعرفة. ويطرح إقامة معرض وطني سنوي بوصفه حلقة وصل بين المخترعين والجامعات والمؤسسات الصناعية وجهات التمويل والاستثمار. كما يؤكد أن رعاية العقول العراقية وحماية ابتكاراتها يمكن أن تحدّا من هجرتها، وتدعما الصناعة الوطنية، وتفتحا أمام العراق مسارات اقتصادية تتجاوز الاعتماد شبه الكلي على النفط.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!