روي عن النبي محمد "صلى الله عليه وآله وسلم" عند عمه وفاة أبي طالب "عليه السلام": ((يا عمِّ ربيتَ صغيرًا، وكفلتَ يتيمًا، ونصرتَ كبيرًا، فجزاكَ اللهُ عنِّي خيرًا )).
إنَّ في التاريخ الإسلامي أحداثًا متعددة، ووقائع مختلفة، تعدُّ صفحة مشرقة من صفحات التاريخ، التي بقيت يستضيء بها، ويفخرون بأيامها ورجالها، ومن أهم تلك الصفحات ما قام به عم النبي أبو طالب "عليه السلام" وزوجه السيدة المؤمنة فاطمة بنت أسد، فلقد كانت مواقف أبي طالب كثيرة جدًّا ومختلفة سجلتها تلك السنوات الأربعون التي قضاها في رفقة النبي "صلى الله عليه وآله وسلم" ابتداء من كفالته بعد وفاة أبيه السيد عبد المطلب الذي عهد بكفالته إليه من بعده والنبي عمره ثماني سنين يتيم الأبوين، فاقد لرؤيتهما، وحنان احتضانهما كغيره، فابتدأت كفالة ذلك الرجل العظيم الذي آواه الله إليه لطفًا به كما قال تعالى: ((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى)) [الضحى: ٦]، وامتدت سنوات العناية والرعاية والحفظ الجهاد والمواجهة وتحمل الأذى والجوع حتى الموت في سنوات حصار الكفار من أجل رسول الله والدفاع عن الإسلام ورسوله والمسلمين، حيث انقضت من البعثة النبوية ١٠ سنوات، ليختم هذا المجاهد العظيم أبو طالب ٤٢ عامًا لا يشغله شيء قط سوى (محمد) صغيرًا وفتًى وشابًّا ورجلًا ونبيًّا رسولًا، وهي مدة طويلة لم يشهدها أحد من رجال المسلمين بكل ما تنطوي عليه من حوادث كثيرة، وهو يصدح بكل جرأة وشجاعة دفاعًا عن دين الله ورسوله:
واللهِ لن يصلوا إليكَ بجمعِهِم-
حتى أُوَسَّدَ في الترابِ دفينا
وأحسن ابن أبي الحديد المعتزلي حيث قال في أبي طالب وابنه الإمام علي "عليه السلام" بما يشهد لهما ذلك المقام العظيم، والفضل الجزيل في التاريخ الإسلامي، بل على جميع المسلمين إلى آخر الدهر:
فلولا أبو طالبٕ وابنُهُ -
لَما مَثُلَ الدينُ شخصًا فقامَا
فذاكَ بمكةَ آوى وحامَا
وهذا بيثربَ جسَّ الحِمامَا
وقال المعتزلي كذلك: ((فإنَّ مَنْ قرأ علوم السِّيَر عرف أنَّ الإسلام لولا أبو طالب لم يكن شيئًا مذكورًا)) [شرح نهج البلاغة ج١ ص١٧٧]
ويمكن بيان بعض ما يتعلق بذلك إيجاز بالآتي:
١- إنَّ على المسلمين معرفة تاريخهم الإسلامي من مصادره الموثوقة، التي تنقل تلك الوقائع العظيمة ورجالها الذين بذلوا جهودهم، وجاهدوا في الله حق جهاده صادقين في نصرة الدين، وبيان منزلتهم ومقامهم التي لا بد من الفخر بها صفحات تاريخية مشرقة.
٢- ضرورة تعريف الأجيال بالرجال الأوائل الذين بذلوا تلك الجهود العظيمة لبذرة الإسلام، وتحملوا المعاناة الكبيرة، وخصوصًا أهل بيت الرسالة الذين كانوا عضدًا للنبي في حفظه، والدفاع عنه وعن الرسالة، بما يؤكد صدق إسلامهم وولائهم وعقيدتهم الراسخة.
٣- الإفادة من هذه الدروس التاريخية في الدفاع عن المقدسات، وبذل كل شيء من أجله، فالخلود قرين ذلك، وعلى الأساتذة تربية الجيل على الحب والولاء للعقيدة، والتضحية باللذات والشهوات تجاه الأمر الإلهي والفوز بطاعة الله ورضوانه.
ختامًا ..
إنَّ التاريخ الإسلامي ليس صفحات توثق معلومات تاريخية فحسب، بل توثق تضحيات رجال وأمة، وأبو طالب "عليه السلام" كان أمة في الإيمان والولاء والوفاء والعطاء، ولا بد من أداء حقه بما يليق بذلك. والسلام


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!