كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

بلاد الرافدين بلا زراعة.. من المستفيد؟ أعناب قرية طوير 5 نموذجًا

 اليوم ملف الأمن الغذائي العراقي على طاولة القرار القومي، فما يحدث في بساتيننا ليس مجرد أزمة فلاح، بل هو استنزاف ممنهج لهوية البلد الاقتصادية.

إن بساتين صلاح الدين وديالى، وتحديدًا ناحية الحاتمية وقرية "طوير 5" في قضاء بلد، التي تصدرت لعقود طويلة إنتاج أجود أنواع الأعناب في المنطقة، تواجه اليوم معركة كسر عظم غير متكافئة أمام طوفان الاستيراد العشوائي والتهريب.

المفارقة المؤلمة تكمن في أسواق الجملة؛ فبينما يكتسح العنب المستورد الأسواق بأسعار تتراوح بين 1750 إلى 2500 دينار عراقي، تُجبر بساتين بلد وقراها على بيع محصولها الوطني الفاخر بأسعار جملة متدنية في العلاوي، تتراوح بين 450 إلى 600 دينار فقط للكيلوغرام الواحد.

هذا الثمن الزهيد يجعل أرباح مزارعينا شحيحة جدًا، ولا تكاد تغطي كلف السقي، والأسمدة، وأجور الجني، وصناديق التعبئة، مما يحرم الفلاح العراقي من جنى تعبه السنوي لصالح دعم اقتصادات دول الجوار عبر نزيف مستمر لعملتنا الصعبة خارج الحدود.

إن تقارير منظمة الأغذية والزراعة (FAO) تدق ناقوس الخطر؛ حيث لا تتجاوز مساهمة القطاع الزراعي الإجمالية 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي، رغم استيعابه نحو 19% من الأيدي العاملة الوطنية.

هذا الخلل يفرض على الحكومة انتهاج سياسة حازمة لإحلال الواردات، أسوة بالتجارب الأوروبية؛ إذ يطبق الاتحاد الأوروبي سياسة زراعية مشتركة تضمن الدعم المباشر لمدخلات الإنتاج، مع فرض تعرفة جمركية مرنة ترتفع تلقائيًا لحماية المزارع عند وفرة المعروض المحلي، فيما نجحت فرنسا في حماية مزارع العنب لديها عبر إلزام الأسواق الكبرى بشراء حصص ثابتة من المنتج الوطني وفرض معايير بيئية وصحية معقدة تعيق تدفق السلع الأجنبية.

لإنقاذ ما تبقى من هذا الموسم والمواسم القادمة، نضع أمام الجهات التنفيذية والتشريعية خارطة طريق عاجلة:

تفعيل الرزنامة الرقمية الحمائية:
حظر استيراد العنب والمحاصيل الموسمية تمامًا خلال أشهر الذروة (تموز، آب، وأيلول).

أتمتة الحدود الجمركية:
توحيد السياسة الجمركية بين المركز والإقليم، وضرب شبكات التهريب في السيطرات الداخلية.

تطبيق الحجر الزراعي الذكي:
فرض فحوصات مختبرية مطولة على السلع المستوردة لإبطاء تدفقها لحين تصريف المنتج الوطني.

تحديد كف سعرية عادلة:
إلزام أسواق الجملة بحد أدنى للشراء لا يقل عن 1000 دينار لكيلو العنب المحلي لضمان ربح مجزٍ للفلاح.

المشتريات السيادية الحكومية:
إلزام مؤسسات الدولة والوزارات الأمنية والصحية بشراء المحاصيل العراقية حصرًا في مطاعمها.

تأسيس صندوق سيادي للتكنولوجيا:
توجيه وفر العملة الصعبة لدعم مزارع الحاتمية وطوير 5 وبلد بتقنيات الري الحديثة وشاشات التظليل.

تطوير الصناعات التحويلية:
منح قروض صفرية لإنشاء معامل تجفيف الزبيب، والكشمش، وتعليب العصائر، ودبس العنب لامتصاص فائض الإنتاج.

إن حماية الفلاح وبساتين العنب في الحاتمية وطوير 5 وقرى بلد وصلاح الدين وديالى ليست انحيازًا فئويًا، بل هي خط الدفاع الأول عن الأمن القومي الغذائي والمالي للعراق.

حان الوقت لتقطع الدولة بوابات الاستيراد الضار، لتعود الروح إلى الأرض التي علّمت البشرية أولى أبجديات الزراعة.

✦ كتابات في الميزان ✦  

يضع المقال أزمة العنب العراقي في إطار أوسع من خسارة محصول موسمي، إذ يربطها بالأمن الغذائي ونزيف العملة وإضعاف الفلاح المحلي. ويبرز التناقض بين وفرة الإنتاج الوطني ورخص أسعاره مقابل استمرار تدفق المستورد، داعيًا إلى تدخل حكومي يحمي الموسم ويعيد التوازن إلى السوق. وتكتسب قرية طوير 5 ومدينة بلد هنا دلالة نموذجية على ما يواجهه القطاع الزراعي العراقي عمومًا.

الزراعية.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!