عن جنون الرتب والنياشين والدكتوراه الفخرية في بعض البلدان، لا يحتاج الإنسان أحيانًا إلى أن يثبت شيئًا كي يحصل على لقب؛ يكفي أن يضع اللقب قبل اسمه، ثم يترك للناس مهمة اكتشاف: من أين جاء؟ ومتى حصل عليه؟ وهل يستحقه أصلًا؟
تقرأ اسم شخص في مناسبة أو منشور، فتجد أمامه سلسلة من الألقاب: الأستاذ الدكتور، البروفسور، المستشار، اللواء الركن، المهيب، العالم، الخبير الدولي... فتقف حائرًا: هل نحن أمام شخص واحد، أم أمام مجلس وزراء كامل اجتمع في رجل واحد؟
والأغرب أن بعض هذه الألقاب لا تعرف لها امتحانًا، ولا جامعة، ولا ميدانًا، ولا معركة، ولا حتى دورة تدريبية. لقب يأتي من باب المجاملة، وآخر من باب الصداقة، وثالث من جامعة لا يعرفها أحد، ورابع من مؤسسة إلكترونية لا تعرف أين تقع، وربما لا يحتاج الحصول عليه إلا إلى اتصال بالإنترنت وبضع صور شخصية!
البروفسور الذي نجح في أربعة أدوار!
ومن طرائف الألقاب العلمية أن تسمع عن شخص يُقدَّم بوصفه «بروفسورًا»، فإذا سألت عن إنجازاته العلمية، جاءك الجواب: «نجح في الامتحان الخارجي الأدبي بعد أربعة أدوار»!
وهنا لا بد من التمييز بين احترام الإنسان وتشجيعه على التعلم، وبين منحه ألقابًا علمية لها شروط وضوابط أكاديمية.
فالبروفسور ليس زينة لغوية تضاف إلى الاسم، ولا وسامًا اجتماعيًا يعلّق على الصدر، وإنما مرتبة أكاديمية لها مسار معروف من الدراسة والبحث والتخصص والخبرة العلمية.
والنياشين لها حكاية أخرى!
أما النياشين العسكرية، فبعضها يحتاج إلى خريطة كي تستطيع عدَّه. تجدها على صدر الرجل، ثم تنتقل إلى كتفه، ثم تكاد تصل إلى بطنه، ولولا أن للزي العسكري حدودًا، لربما وصلت إلى منتصف الساق!
وعندما تسأل: أين حصل على كل هذه النياشين؟ يأتيك الجواب أحيانًا بما يشبه اللغز العسكري:
«هذه عن الشجاعة، وهذه عن البطولة، وهذه عن الخدمة، وهذه عن المشاركة...».
فتسأل السؤال البريء: وأين كانت المعركة؟
فيقال لك: «لم يدخل معركة».
هل شارك في تمرين عسكري كبير؟
«ليس تمامًا».
قفز بالمظلة؟
«ليس من اختصاصه».
عبر نهر دجلة في دورة عسكرية؟
«لا».
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا كانت النياشين تكافئ الشجاعة والإنجاز والخدمة العسكرية، فمن أين جاءت كل هذه المعادن؟
لقد أصبح بعض الناس يحملون على صدورهم تاريخًا عسكريًا أطول من تاريخ الجيش نفسه!
دكتوراه فخرية من جامعة... فخرية!
ثم نصل إلى «الدكتوراه الفخرية»، وهي باب آخر من أبواب المفارقات.
الدكتوراه الفخرية في أصلها تكريم تمنحه الجامعات لشخصيات قدمت إسهامات بارزة في العلم أو الثقافة أو المجتمع أو الإنسانية، وليست شهادة بحثية تعادل الدكتوراه الأكاديمية التقليدية.
لكنها حين تتحول إلى وسيلة للتفاخر، يصبح التكريم نفسه موضعًا للسخرية.
وقد تجد شخصًا يقضي نهاره في سوق الهرج، ثم يستيقظ صباحًا وقد أصبح «دكتورًا» بفضل شهادة فخرية من جامعة أو مؤسسة ما، فيبدأ بتقديم نفسه للناس وكأنه عاد لتوّه من مختبرات أكسفورد أو قاعات السوربون!
وإذا اجتمع الناس في مضيفه، بدأ باستقبالهم بوجه الدكتور، وصوت الدكتور، ومجلس الدكتور، وربما طلب من الآخرين أن ينادوه بـ«الدكتور» حتى لا تضيع هيبة الشهادة!
المشكلة ليست في الشهادة الفخرية بحد ذاتها، وإنما في تحويلها من تكريم إلى ادعاء أكاديمي.
المستشار الذي ما زال في بداية الطريق!
أما كلمة «مستشار»، فقد أصبحت في بعض الأماكن أوسع من وظيفة الدولة نفسها.
موظف صغير في مقتبل العمر، لم تمضِ على تخرجه إلا سنوات قليلة، يصبح «مستشارًا»، بينما الاستشارة في كثير من التخصصات والمواقع ليست لقبًا تجميليًا، وإنما مسؤولية تتطلب خبرة طويلة وتراكمًا مهنيًا وعلميًا قد يستغرق عقودًا.
وهكذا أصبحنا أمام مفارقة عجيبة: شاب في أول الطريق يحمل رتبة لواء، وموظف في بداية السلم الوظيفي يحمل لقب مستشار، وشخص لم يدخل قاعة تدريس جامعية إلا زائرًا يحمل لقب بروفسور!
ولم يبقَ إلا أن نسمع يومًا عن «المارشال الأكاديمي» أو «المستشار الفخري لشؤون المجاملات»!
حين تتضخم الألقاب وتصغر الحقيقة
المشكلة الحقيقية ليست في الكلمات، وإنما في القيمة التي تختبئ خلف الكلمات.
فاللقب الحقيقي لا يحتاج إلى أن يصرخ صاحبه به في كل مجلس. والعالم الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكتب «العالم» قبل اسمه؛ لأن كتبه وأبحاثه تسبق اسمه إلى الناس.
والشاعر الحقيقي لا يحتاج إلى أن يضع «الشاعر الكبير» على بطاقة الدعوة؛ فقصيدته هي التي تقول ذلك.
والفيلسوف الحقيقي لا يطلب من الناس أن يصفقوا لفلسفته؛ لأن أفكاره هي التي تبقى بعد أن يرحل.
أما الألقاب المصطنعة، فإنها تشبه الملابس الواسعة جدًا: كلما كانت أكبر من صاحبها، ظهر الفراغ داخلها أكثر.
المشكلة قانونية قبل أن تكون أخلاقية
ومن هنا، فإن المسألة لا ينبغي أن تبقى مجرد مادة للسخرية الاجتماعية، بل تستحق معالجة قانونية واضحة.
ينبغي أن تكون هناك قوانين وتعليمات تحمي الألقاب العلمية والمهنية والعسكرية من الانتحال والتزييف، وأن تحدد بوضوح من يحق له استخدام اللقب العلمي، وما المقصود بالأستاذ والبروفسور، ومتى يجوز استخدام لقب المستشار، وما الشروط القانونية لمنح الرتب والأوسمة والنياشين، وكيف تُعتمد الشهادات الفخرية، وما العقوبة على من ينتحل لقبًا أو رتبة لا يملكها.
فكما يحمي القانون المال العام من السرقة، ينبغي أن يحمي أيضًا المكانة العلمية والوظيفية والعسكرية من التزييف.
ولا بد كذلك من مراجعة التعامل الاجتماعي مع الألقاب الوظيفية التي انتهت بانتهاء الوظيفة، حتى لا يتحول الموظف بعد خروجه من الخدمة إلى وزير دائم، أو وكيل دائم، أو «معالي» دائم، أو «سعادة» دائمة.
«معاليه»... إلى متى؟
ومن أطرف ما ابتليت به بعض المجتمعات العربية الإفراط في كلمات: معالي، سعادة، عطوفة، سيادة، الأستاذ، الدكتور، المستشار... حتى أصبح الحديث عن الشخص أحيانًا أطول من الحديث الذي يريد قوله!
فإذا كان الرجل وزيرًا اليوم، فمن الطبيعي أن يقال له «معالي الوزير» في إطار وظيفته الرسمية.
أما بعد انتهاء المنصب، فتبقى له مكانته واحترامه وتاريخه، لكن الوظيفة انتهت؛ فالإنسان لا يحمل معه إلى الأبد بطاقة وظيفته.
وفي النهاية، لا يبقى للإنسان أمام خالقه لقب، ولا رتبة، ولا نيشان، ولا «معالي»، ولا «سعادة».
يبقى اسمه وعمله وأخلاقه.
حين لا تنقذ الألقاب أصحابها
وقد علّمنا التاريخ أن الألقاب الضخمة لا تحمي أصحابها عندما تتغير الأنظمة أو تنكشف الحقيقة.
فقد عرفت دول عديدة شخصيات أحاطت نفسها أو أحاطتها السلطة بألقاب علمية وسياسية ضخمة، لكنها اختفت أو فقدت قيمتها بسقوط النظام الذي صنعها.
وهنا تكمن المفارقة: قد تستطيع السلطة أن تمنحك لقبًا، لكنها لا تستطيع أن تمنحك الخلود.
العظماء لا يحتاجون إلى لافتة
العلماء الحقيقيون، والشعراء الحقيقيون، والفلاسفة الحقيقيون، والمفكرون الحقيقيون لا يعيشون على الألقاب.
نحن لا نذكر نيوتن لأن أحدًا كان يسبق اسمه كل يوم بسلسلة من الألقاب، ولا نقرأ المتنبي لأن أحدًا كتب أمام اسمه «الشاعر الكبير» في كل سطر.
لقد بقي هؤلاء لأن أعمالهم بقيت.
فالناس في نهاية المطاف لا تحفظ اللقب بقدر ما تحفظ الأثر.
قد تنسى رتبة رجل، وتنسى منصبه، وتنسى عدد النياشين التي كانت على صدره، لكنك لا تنسى كتابًا غيّر فكرك، ولا قصيدة لامست قلبك، ولا عالمًا اكتشف شيئًا نفع البشرية، ولا إنسانًا عاش شريفًا ومات محترمًا.
وهنا للتذكير... ليس إلا!
لسنا ضد الألقاب، ولا ضد الرتب، ولا ضد التكريم، ولا ضد الشهادات الفخرية.
بل نحن ضد تحويلها إلى بديل عن الكفاءة.
نحن مع أن يأخذ كل إنسان حقه من التقدير، ولكننا مع أن يكون لكل لقب صاحبه الحقيقي.
فإذا كان الرجل أستاذًا، فليكن أستاذًا بعلمه.
وإذا كان مستشارًا، فليكن مستشارًا بخبرته.
وإذا كان لواءً، فلتكن رتبته مستحقة.
وإذا حمل نيشانًا، فليكن وراء النيشان موقف أو خدمة تستحقه.
وإذا حمل الدكتوراه الأكاديمية، فلتكن وراءها جامعة وعلم وبحث، لا مجرد ورقة مختومة.
أما الإنسان الذي يحتاج إلى عشرين لقبًا كي يقنع الناس بأنه مهم، فربما تكون المشكلة في الإنسان، لا في الألقاب.
وفي الحياة قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى قانون ولا إلى مرسوم:
كلما كان الإنسان عظيمًا حقًا، قلّت حاجته إلى أن يقول للناس إنه عظيم.
أما الألقاب، فليست سوى عناوين على باب الإنسان...
والعبرة دائمًا بما يوجد خلف الباب.
✦ كتابات في الميزان ✦
مقال ساخر يضع ظاهرة تضخم الألقاب تحت المجهر، متسائلًا عن المسافة بين الاسم الكبير والاستحقاق الحقيقي. فالعلم والرتبة والخبرة لا تصنعها الكلمات التي تسبق الاسم، وإنما يصنعها الإنجاز الذي يبقى بعد زوال المنصب والنيشان. والمشكلة تبدأ حين يصبح اللقب بديلًا عن الكفاءة، والمظهر أكبر من الحقيقة.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!