لقدْ منحتْ الطبيعةُ والتاريخُ بلدَ العراقِ منْ الخيرات، هذا كلهُ منْ فضل- الله سبحانهُ وتعالى- على هذا الشعب الأبي، ما يكفي لصناعةِ دولةٍ قويةٍ ومزدهرة، لكنَ وفرةَ النعمِ لا تصنعُ نهضةُ ، ما لمْ تحملها إرادة تعرفُ كيفَ تحولَ الإمكانات إلى إنجاز، فالمشكلةُ لمْ تكنْ يوما في أرضٍ شحت، ولا في مواردَ نضبت، وإنما في هممٍ لمْ ترتقِ دائما إلى مستوى ما يملكهُ العراقُ منْ مقوماتٍ هنا تبدأُ الحكايةُ المؤلمة: كيفَ استطاعَ بلدٌ بهذهِ الثرواتِ أنْ يبقى أقلّ منْ إمكاناته؟
لمْ يكنْ العراقُ يوما بلدا تنقصهُ الموارد، أوْ تفتقرُ أرضهُ إلى مقوماتِ النهوض؛ فهوَ بلدُ النفطِ والثرواتِ الطبيعية، بلد الرافدين، وموقعٍ جغرافيٍ مهم، وإرث حضاريّ عريق، وثروة بشرية ، تمتلكُ منْ الكفاءاتِ والخبراتِ، ما يؤهلها لبناءِ دولةٍ قويةٍ ومستقرةٍ ومزدهرة، معَ ذلك، تبقى المفارقة المؤلمة أنَ هذهِ النعمَ الكثيرةَ لمْ تتحول، بالقدرِ الذي ينبغي، إلى إنجازاتِ تلمسُ حياةِ المواطن، وكأنَ المشكلةَ لمْ تعدْ فيما يملكهُ العراق، بلْ في كيفيةِ إدارةِ ما يملك.
هنا تسكنُ العبرات، رغمَ ذلك، ما زالتْ الكهرباءَ والخدماتِ والبنيةَ التحتيةَ ، تمثلُ تحديات مزمنة، يضاف اليها، التحديات المائية، فرغمَ امتلاكِه نهريْ دجلةَ والفراتِ وفروعهما، فسوء التوزيع ونقص المياه، تهددُ الزراعة والأمن الغذائيّ والاستقرار الاقتصادي.
إنَ الثرواتِ الطبيعية، مهما عظمت، لا تصنعُ دولةٌ قويةُ، ما لمْ ترافقها إدارةٌ رشيدةٌ وتخطيط بعيد المدى يحولُ المواردَ إلى مشاريعِ وتنميةِ وفرصِ عملٍ ومستقبلٍ أكثرَ أمنا، الأمر ذاته ينطبقُ على الإنسان، فالعراقُ ليسَ فقيرا بالكفاءات؛ ففيهِ أطباء ومهندسونَ وأساتذة وباحثونَ وخبرات مهنية، وفيهِ شبابٌ قادرونَ على الإبداعِ والمنافسةِ وصناعةِ المستقبل.
تكمنُ المشكلة الحقيقية، في أنَ هذهِ الطاقاتِ، لا تجدُ دائما البيئةَ التي تحتضنها، قدْ تتراجعُ الكفاءةُ أحيانا أمامَ اعتباراتِ لا علاقةً لها بالخبرةِ والاستحقاق، حينَ يوضعُ الشخص في المكانِ الخطأ، لا نخسرُ شخصا واحدا فحسب، بلْ نخسرُ معهُ مؤسسةً وفرصةً ووقتا منْ عمرِ الدولة.
أنَ هذا يحدثُ، في بلدٍ كانَ مهدا للحضارات، منْ سومر، وأكد، وبابل وآشور إلى بغداد، التي كانتْ يوما مركزا للعلمِ والمعرفةِ والثقافة، بلد ارتبطَ اسمهُ بالكتابةِ والحسابِ والقانونِ والإدارة، ثمَ يجدُ نفسهُ اليومَ ، أمامَ تحدياتٍ في التعليمِ والثقافةِ العامة، ليسَ أكثرَ قسوةٍ منْ أنْ يكونَ لنا هذا الإرث الحضاريّ الكبير، ثمَ نسمحُ للجهلِ أنْ يتقدمَ على العلم، وللمحسوبيةِ أنْ تتقدمَ على الكفاءة.
إنَ القضية، في جوهرها، ليستْ قضيةَ مواردَ فحسب، وإنما قضيةْ إدارةٍ وإرادة، فالثروةُ النفطيةُ يمكنُ أنْ تتحولَ إلى جامعاتٍ ومستشفياتٍ ومصانعِ وشبكاتِ نقل، لكنها قدْ تضيعُ في الفسادِ والهدرِ وسوءِ التخطيطِ وضعفِ الرقابة، والموقعِ الجغرافيِ؛ يمكنُ أنْ يجعلَ العراق، مركزا اقتصاديا وتجاريا مهما، لكنهُ يحتاجُ إلى رؤيةٍ وطنيةٍ تستثمرُ هذا الموقعَ بدلَ أنْ تتركهُ مجرد ميزةٍ على الخريطة.
إن بناءُ دولةٍ مستقرةٍ ، ولا يمكنُ دونِ أنْ يكونَ القانونُ هوَ المرجع، فالعراقُ الذي عرفَ القانونَ والتشريعَ منذُ عصورٍ مبكرة، يحتاجُ اليومَ إلى ترسيخِ دولةِ المؤسسات، بحيثُ يكونُ القانونُ فوقَ الأشخاصِ والانتماءات، وتكونُ العدالةُ متاحةً للجميع، وتصبحُ المحاسبةُ قاعدةَ لا استثناء.
أنَ احترامَ القانونِ، لا يبدأُ في قاعاتِ المحاكمِ وحدها، بلْ في تفاصيلِ الحياةِ اليومية: احترامُ النظام، والمحافظةِ على المالِ العام، والالتزامِ بالتعليمات، وأداءُ الواجب، ورفضُ تحويلِ الفوضى إلى سلوكٍ مألوف.
منْ هنا ، تبرزُ مشكلةٌ أخرى، لا تقلُ خطورة: تقديمُ الانتماءاتِ الضيقةِ على الانتماءِ الوطني، فالعشيرةُ والمذهبُ والقوميةُ والمناطقية، قدْ تكونُ مكوناتٌ اجتماعيةٌ لها حضورها الاعتباري، لكنها لا تنبغي أنْ تتحولَ إلى أدواتٍ لتقسيمِ الدولةِ أوْ توزيعِ المسؤولياتِ بعيدا عنْ معيارِ الكفاءة.
فالسؤالُ الذي ينبغي أنْ يطرحَ عندَ اختيارِ المسؤولِ ليس: منْ أيِ مدينةٍ جاء؟ أوْ إلى أيِ مكونٍ ينتمي؟ أوْ منْ يقفُ خلفه؟
وإنما: ماذا يستطيعُ أنْ يقدم؟ هلْ يمتلكُ الكفاءةَ والنزاهةَ والخبرةَ والأمانة؟
إنَ العراقَ لا يحتاجُ إلى معجزة؛ لكيْ ينهض؛ بلْ يحتاجُ إلى رؤيةٍ واضحة، وإدارةٍ كفؤة، ومؤسساتٍ قوية، وقانونٍ عادل، ورقابةٍ حقيقية، ومحاسبة لا تستثني أحدا، وكفاءات توضعُ في مواقعها الصحيحة، عندها يمكنُ أنْ يتحولَ النفطُ إلى تنمية، الماء إلى زراعة، الثروات إلى إعمار، الكفاءات إلى إنجاز، الجامعات إلى مراكزَ للعلم، والجيشِ إلى قوةٍ تحمي الوطن، القانونَ إلى عدالة، والوطنية إلى قرارٍ مستقل.
✦ كتابات في الميزان ✦
يضع الكاتب يده على واحدة من أكثر المفارقات إيلامًا في الواقع العراقي؛ فالمشكلة ليست في ندرة الموارد، بل في القدرة على تحويلها إلى دولة منتجة ومؤسسات فاعلة. فالعراق يمتلك الثروة والموقع والتاريخ والكفاءات البشرية، لكن هذه المقومات تفقد قيمتها حين تتقدم المحاصصة وسوء الإدارة على التخطيط والكفاءة. والمقال في جوهره دعوة إلى استعادة معيار الدولة: القانون، والنزاهة، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، حتى تتحول النِّعَم من أرقام وإمكانات إلى تنمية يلمسها المواطن.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!