كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

مقترح وطني لمعالجة التجاوزات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة وإنصاف المواطنين المتضررين

مقدمة

تُعد مشكلة التجاوزات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة من الملفات المهمة التي تحتاج إلى معالجة قانونية وإدارية واجتماعية شاملة، بعيداً عن الحلول العشوائية أو المعالجات المؤقتة.

وقد أصبحت هناك حالات عديدة تحولت فيها أراضٍ زراعية أو أراضٍ مملوكة للدولة إلى مناطق سكنية، وقام بعض المواطنين بشرائها من الدلالين أو بعض أصحاب العلاقة، ثم أنشأوا عليها مساكنهم، ليتبين لاحقاً أن الأرض ليست ملكاً للبائع، أو أنها مملوكة للدولة، أو أنها تقع ضمن مخطط مستقبلي لمشروع عام.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: كيف نحافظ على أملاك الدولة ونمنع التجاوز والتزوير، وفي الوقت نفسه ننصف المواطن الذي وقع ضحية للاحتيال أو اشترى قطعة واحدة بحسن نية؟
أولاً: إجراء مسح وطني شامل للأراضي

ينبغي للدولة أن تبدأ بمشروع وطني لحصر جميع الأراضي الزراعية وأملاك الدولة، وتحديد ملكية كل قطعة ومساحتها وحدودها وجنسها القانوني واستعمالها الحالي والتجاوزات الموجودة عليها والمشاريع المستقبلية المخصصة لها ووضعها ضمن المخطط العمراني.

ويجب ربط هذه المعلومات بنظام إلكتروني وخرائط جغرافية حديثة، بحيث يصبح لكل قطعة أرض سجل واضح يصعب التلاعب به.
ثانياً: حماية الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة

يجب أن تكون هناك حماية صارمة للأراضي الزراعية التي ما زالت صالحة للإنتاج. فالأرض الزراعية ليست مجرد عقار، وإنما تمثل جزءاً من الأمن الغذائي العراقي، ولا يجوز تحويلها بصورة عشوائية إلى مناطق سكنية أو تجارية.

كما ينبغي استخدام صور الأقمار الصناعية ونظم المعلومات الجغرافية لمراقبة أي تقسيم أو بناء جديد على الأراضي الزراعية.
ثالثاً: تسوية الأراضي الزراعية التي فقدت وظيفتها الزراعية

في المقابل، توجد أراضٍ أصبحت بحكم الواقع غير صالحة للزراعة أو فقدت وظيفتها الزراعية نتيجة التوسع العمراني، وتحولت منذ سنوات إلى مناطق سكنية قائمة.

وهنا يمكن للدولة أن تدرس تسوية وضع هذه المناطق قانونياً، بدلاً من تركها في حالة مخالفة دائمة. ولا يعني ذلك تمليك جميع المتجاوزين، وإنما وضع شروط واضحة تحقق العدالة وتحمي المال العام.
رابعاً: تمليك قطعة واحدة للمواطن المستحق

نقترح أن يسمح القانون بتمليك المواطن حسن النية قطعة سكنية واحدة فقط من الأراضي العائدة للدولة التي يمكن تسوية وضعها، بشرط أن تكون الأرض غير مخصصة لمشروع عام أو استراتيجي، وألا تكون أرضاً زراعية صالحة للإنتاج، وألا تكون ضمن الطرق أو الجسور أو مشاريع البنية التحتية، وألا تكون أثراً أو محمية أو ضمن منطقة خطرة.

كما يشترط أن يثبت المواطن شراء القطعة وإقامته عليها، وحسن نيته وعدم اشتراكه في التزوير أو الاحتيال، وألا يكون مالكاً لعقار سكني آخر وفق الضوابط التي يحددها القانون، وألا يحصل الشخص على أكثر من قطعة واحدة، وأن تستوفي الدولة قيمة عادلة للتمليك وفق تقييم رسمي، مع منع المضاربة وإعادة البيع لفترة يحددها القانون.
خامساً: ماذا لو كانت الأرض مخصصة لمشروع عام؟

هناك حالات أخرى لا يمكن فيها التمليك، لأن الأرض مخصصة لطريق سريع أو جسر أو مدرسة أو مستشفى أو مشروع ماء أو مجاري أو كهرباء أو مشروع استراتيجي آخر.

في هذه الحالة يجب أن تكون الأولوية للمصلحة العامة وتنفيذ المشروع، ولكن ذلك لا يعني ترك المواطن حسن النية بلا إنصاف.

بل نقترح اعتماد مبدأ: «المصلحة العامة مع التعويض العادل».

إذا ثبت أن المواطن اشترى قطعة واحدة بحسن نية، وبنى عليها مسكناً، ثم أصبح إخلاء العقار ضرورياً لتنفيذ مشروع عام، فيجب أن ينص القانون على تعويض عادل وفق آلية رسمية وقضائية واضحة.

وقد يشمل الحل، بحسب الحالة، تعويض قيمة البناء وفق تقييم رسمي، ومعالجة قيمة الأموال التي دفعها المواطن في عملية الشراء وفق ما يثبته القانون والقضاء، وتوفير قطعة سكنية بديلة أو وحدة سكنية ضمن مشروع حكومي، أو الجمع بين التعويض المالي والبديل السكني في الحالات المستحقة، وتعويض تكاليف الانتقال والإخلاء عندما يقرر القانون ذلك.
سادساً: المواطن لا ينبغي أن يتحمل وحده جريمة المحتال

إذا ثبت أن الدلال أو الوسيط أو البائع قام ببيع أرض لا يملكها، أو قدم وثائق مزورة، فإن المسؤولية يجب أن تقع على مرتكب الجريمة.

فليس من العدالة أن يخسر المواطن أمواله ومسكنه، بينما يختفي الشخص الذي باع الأرض أو استفاد من عملية الاحتيال.

ولهذا يجب فتح تحقيق في كل حالة وتحديد: من باع؟ ومن قبض الأموال؟ ومن زور؟ ومن سهّل المعاملة؟ وهل كان هناك موظف متواطئ؟
سابعاً: محاسبة المزورين والمتاجرين بأملاك الدولة

يجب أن تكون هناك عقوبات رادعة بحق كل من يزور السندات العقارية، أو يزور الوكالات، أو يبيع أرضاً لا يملكها، أو يقسم أراضي الدولة ويبيعها للمواطنين، أو يستولي على الأراضي بهدف المتاجرة، أو يستغل وظيفته لتغيير جنس الأرض أو حدودها، أو يسهل معاملات غير قانونية.

ولا ينبغي أن يستفيد هؤلاء من أي قانون لتسوية أوضاع العقارات. فالتمليك أو التعويض يجب أن يذهب إلى المواطن المستحق، بينما تتم محاسبة المتسبب بالضرر بصورة مستقلة.
ثامناً: حماية القوات الأمنية والموظفين المكلفين بإزالة التجاوزات

من أخطر جوانب مشكلة التجاوزات العقارية أن بعض عمليات الإزالة والتنفيذ قد تواجه مقاومة واعتداءً على القوات الأمنية والموظفين والجهات الحكومية المكلفة بتطبيق القانون، وقد تصل في بعض الحالات إلى إصابة أو قتل منتسبين أثناء أداء واجبهم.

وهذا أمر لا يمكن التساهل معه؛ لأن تطبيق القانون لا يمكن أن يتحول إلى مواجهة مسلحة أو إلى تهديد لحياة رجال الأمن والموظفين والمواطنين.

لذلك يجب أن يتضمن أي قانون لمعالجة التجاوزات حماية قانونية وأمنية واضحة للجهات المكلفة بالتنفيذ، مع وضع إجراءات مسبقة قبل تنفيذ الإزالة، تشمل التبليغ الرسمي، وإعطاء المهل القانونية عند الحاجة، وتقييم المخاطر الأمنية، وتأمين القوة المكلفة بالتنفيذ.

وفي الوقت نفسه، يجب أن يكون القانون واضحاً في أن الاعتراض على قرار الإزالة يكون عبر القضاء والطرق القانونية، وليس باستخدام السلاح أو العنف أو التهديد.

كما ينبغي تشديد العقوبات على كل من يعتدي على القوات الأمنية أو الموظفين المكلفين بتنفيذ القانون، خصوصاً إذا أدى الاعتداء إلى إصابة أو وفاة، مع ضمان عدم استخدام القوة إلا في الحدود التي يسمح بها القانون وبما يتناسب مع مستوى الخطر.

إن حماية رجل الأمن الذي يؤدي واجبه لا تتعارض مع حماية المواطن، بل إن الاثنين يمثلان جزءاً من دولة القانون.

«من له حق فليطالب به أمام القضاء، ومن يملك مستنداً فليقدمه، ومن يرفض قرار الدولة فله حق الطعن، أما الاعتداء على القوات الأمنية أو قتل من ينفذ القانون فلا يمكن أن يكون وسيلة لحماية أي حق.»
تاسعاً: رقمنة التسجيل العقاري

من أهم خطوات مكافحة التزوير إنشاء منظومة إلكترونية متكاملة للتسجيل العقاري، ترتبط بالبطاقة الوطنية والخرائط العقارية.

ويجب أن تسجل المنظومة كل عملية: بيع، شراء، رهن، إرث، وكالة، نقل ملكية، تغيير جنس العقار، وتغيير الحدود.

كما يجب أن يظهر في النظام الموظف الذي أجرى المعاملة وتاريخها، لمنع التلاعب وإمكانية الرجوع إلى المسؤول عند اكتشاف أي مخالفة.
عاشراً: إنشاء هيئة أو لجنة وطنية للتسوية العقارية

نقترح تشكيل لجنة وطنية عليا لمعالجة ملف التجاوزات العقارية، تضم وزارة العدل ووزارة الزراعة ووزارة المالية ووزارة الإعمار والإسكان والبلديات والتسجيل العقاري والمحافظات والتخطيط العمراني والجهات الرقابية.

وتقوم اللجنة بتصنيف الأراضي إلى: أراضٍ يجب حمايتها وإعادتها للدولة، وأراضٍ يمكن تسوية وضعها وتمليك قطعة واحدة للمستحق، وأراضٍ مخصصة لمشاريع عامة ويجب إخلاؤها مع تعويض المستحقين.

وهذا التصنيف يمنع اتخاذ قرار واحد على جميع الحالات المختلفة.
حادي عشر: إنشاء صندوق لتعويض المتضررين

يمكن إنشاء صندوق خاص لتعويض المواطنين الذين تثبت حالتهم كمواطنين حسني النية وتتعذر تسوية أوضاعهم بسبب حاجة الدولة إلى الأرض.

ويجب أن يخضع الصندوق لرقابة مالية وقانونية صارمة، حتى لا يتحول هو الآخر إلى باب للفساد.

كما يمكن تحميل المتسببين بالاحتيال والتزوير المسؤولية المالية والقانونية، واسترداد الأموال منهم وفق الأحكام القضائية.
ثاني عشر: العدالة بين المواطن والدولة

إن الدولة لها الحق في حماية أراضيها وأملاكها وتنفيذ مشاريعها، والمواطن له الحق في الحماية من الاحتيال والتزوير.

لذلك يجب ألا يكون الحل: تمليك جميع المتجاوزين، ولا إزالة جميع المساكن دون معالجة أو تعويض، وإنما الحل هو التصنيف والتدقيق والإنصاف.

فمن يستحق التمليك يُملّك وفق القانون وبقطعة واحدة. ومن تعذر تمليكه بسبب مشروع عام، يُعوض أو يوفر له البديل وفق القانون. ومن ثبت تورطه في الاحتيال أو التزوير أو المتاجرة بأملاك الدولة، يحال إلى القضاء.
الخلاصة

إن معالجة التجاوزات على الأراضي الزراعية وأملاك الدولة في العراق تحتاج إلى قانون عادل وشامل يوازن بين حماية المال العام وحقوق المواطنين والمصلحة العامة والعدالة الاجتماعية.

ونقترح اعتماد قاعدة واضحة:

«الأرض الزراعية الصالحة للزراعة تُحمى، والأرض التي فقدت وظيفتها الزراعية يمكن دراسة تسوية وضعها، والمواطن حسن النية يمكن تمليكه قطعة واحدة إذا لم توجد موانع قانونية أو تخطيطية، أما إذا كانت الأرض ضرورية لمشروع عام فيُعوض المواطن المستحق أو يوفر له البديل المناسب، بينما يحاسب المزور والمحتال والمتاجر بأملاك الدولة.»

إن هذه المعالجة يمكن أن تحول ملف التجاوزات من مشكلة مزمنة إلى مشروع وطني للإصلاح العقاري والسكني، يحفظ هيبة الدولة وحقوقها، ويحقق العدالة للمواطن، ويمنع استمرار الفساد والتزوير والمتاجرة غير القانونية بالأراضي.

فالعدالة ليست في حماية الأرض على حساب المواطن، ولا في حماية المواطن على حساب الدولة، وإنما في حماية حق الدولة وإنصاف المواطن ومحاسبة من تسبب بالضرر.

✦ كتابات في الميزان ✦
يقدّم المقال رؤية متوازنة لمعالجة ملف التجاوزات بعيدًا عن التعميم والحلول القسرية، فيفرّق بين المحتال والمتاجر بالأراضي وبين المواطن الذي اشترى بحسن نية. وتكمن أهمية الطرح في جمعه بين حماية الأراضي الزراعية والمشاريع العامة، وتسوية الحالات الممكنة، وتعويض المتضررين، مع الدعوة إلى رقمنة التسجيل العقاري ومحاسبة المزورين. إنها مقاربة تجعل القانون وسيلةً لحفظ هيبة الدولة وتحقيق العدالة، لا سببًا لإنتاج مظالم جديدة.

لتجاوزات.jpg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!