تجاوزتْ الخمسينَ يوما، وأنا أتجولُ بينَ عددٍ منْ المدنِ الأوروبية، أتنقلُ منْ مكانٍ إلى آخر، أرى مدنا جميلة، وشوارع نظيفة، وأنظمة دقيقة، ومتاحف تحفظُ ذاكرةْ الأمم، وأنهارا تعانقُ المدن، وحدائق تتسعُ للناس، ولأحلامهم.
كنت أرى وأشاهد كلّ ذلكَ بإعجاب، وأقولُ في نفسي: ما أجملَ أنْ يعيشَ الإنسانُ في مدينةٍ يحترمُ فيها القانون، وتصانُ فيها كرامته، ويشعرُ أنَ الدولةَ موجودةٌ منْ أجله، لكنَ الغريبَ أنَ كلما ابتعدتْ أكثر، اقتربتْ مني بغدادُ أكثر. فالغربةُ لا تجعلنا ننسى أوطاننا، بلْ تجعلنا نراها منْ بعيد، فنكتشفُ أنَ في الوطنِ أشياءَ لا ترى إلا عندما نفتقدها.
هناك، بينَ شوارعِ المدنِ الأوروبية، كنت أفتقدُ شيئا لا تمنحهُ العمارات الجميلة، ولا الحدائق الواسعة، ولا وسائل النقلِ الحديثة.
كنت أفتقدُ بغداد، أفتقدُ دجلة حينَ يمرُ هادئا بينَ جانبيْ المدينة، والجسر الذي كانَ يحملُ خطواتنا وأحلامنا، والشارع الرشيدِ بما تختزنهُ أزقته منْ حكايات، وأبو نواس الذي كانَ يطلُ على النهرِ كأنهُ قصيدةٌ مفتوحة، والكرخ والرصافة، وأسواقَ الشورجة، وأزقةَ بغدادَ القديمة، ومقاهيها التي كانتْ تجمعُ الناسَ حولَ فنجانِ شايٍ وحديثٍ طويل.
أفتقدُ بغدادَ التي عرفناها في طفولتنا، قبلَ أنْ تتغيرَ ملامحها، وقبلَ أنْ تتعبها السنوات.
أفتقدُ وجوهَ أهلها؛ ذلكَ العراقيّ الذي قدْ يختلفُ معك في كلِ شيء، لكنهُ يفتحُ لك بيته وقلبه إذا احتجتْ إليه. أفتقدُ الأصدقاء، والجيران، وأحاديثَ المساء، ولهجةَ بغدادَ التي لا تستطيعُ مدينةٌ أخرى أنْ تمنحني مثلها.
كلما اشتقت إليها، تذكرتْ قولَ اللهِ سبحانه وتعالى: (وجعلنا منَ الماءِ كلَ شيءٍ حيٍ ) سورة الأنبياء: 30 ، فأتذكرُ دجلة، ذلكَ النهر الذي لمْ يكنْ بالنسبةِ لنا ماء يجري، بلْ كانَ جزءا منْ ذاكرتنا، وشاهدا على أيامنا، ورفيقا لمدينةٍ عاشتْ على ضفتيهِ قرونا طويلة.
أتذكرُ بغدادَ كما وصفها الشعراء، وكأنَ الجواهريَ كانَ يعرفُ أنَ بغدادَ لا تسكنُ في الخرائط، وإنما تسكنُ في القلب: سلامٌ على هضباتِ العراقِ وشطيهِ والجرفِ والمنحنى، ثمَ أعودُ إلى بيتٍ آخرَ طالما التصقَ ببغدادَ في ذاكرتنا: بغدادُ يا قلعةَ الأسودَ يا كعبةَ المجدِ والخلودِ، فما أكثر ما كتبَ الشعراءُ عنْ بغداد، وما أقلّ ما تستطيعُ الكلماتُ أنْ تفيها حقها.
بغدادُ ليستْ شارعا، ولا جسرا، ولا نهرا، ولا بيتا قديما. بغدادُ ذاكرة. هيَ صوت الأمِ حينَ تناد، ورائحةْ الخبزِ في الصباح، وفنجان الشايِ في المساء، وضحكة صديق قديم، ووجهَ أبا أوْ أما، وبيتا تركناه، ثمَ بقيَ في داخلنا إلى الأبد.
قدْ تعلم الغربة، أنَ الإنسانَ يستطيعُ أنْ يعيشَ بعيدا عنْ وطنه، لكنهُ لا يستطيعُ أنْ يخرجَ وطنه منْ قلبه.
نعم، رأيت في أوروبا أشياء جميلة تستحقُ الإعجاب، رأيت احتراما للقانون، نظاما في الحياة، اهتماما بالإنسان، وهيَ أمورٌ نتمنى أنْ نراها في بلادنا، لكنني أدركتْ أيضا أنَ المطلوبَ ليسَ أنْ نهربَ منْ أوطاننا، وإنما أنْ نبنيَ أوطانا لا يضطرُ أبناؤها إلى الهروبِ منها.
نريدُ عراقا يحترمُ الإنسان، يضعُ المواطنة فوقَ الطائفةِ والمذهبِ والعرق، يجعلُ القانون مظلة للجميع، ويمنحُ أبناءهُ الأمن والكرامة والعدالة.
نريدُ بغداد التي نستطيعُ أنْ نعودَ إليها، لا لنستعيدَ ذكرياتنا فقط، وإنما لنصنع فيها ذكرياتٍ جديدة، ولعلَ أجملَ ما يقولهُ الإنسانُ عنْ وطنهِ ليس: كمْ هوَ جميل؟ ، وإنما: أستطيعُ أنْ أعيشَ فيهِ مطمئنا.
لقدْ قالتْ العربُ قديما: بلادي، وإنَ جارتْ عليٌ عزيزة وأهلي، وإنْ ضنوا عليَ كرام.
قدْ يكونُ في البيتِ مبالغةْ المحب، لكنَ الوطنَ في النهايةِ ليسَ مكانا كاملا، ولا مدينة بلا عيوب؛ الوطن هوَ المكانُ الذي إذا ابتعدنا عنه، ظلَ شيئا في داخلنا يشدنا إليه، لهذا، وبعدَ أكثرَ منْ خمسينَ يوما منْ السفر، وبعدَ أنْ رأيت مدنا كثيرة، أجدني أحنُ إلى مدينةٍ واحدة.
إلى بغداد، إلى دجلة، إلى الجسور، إلى شوارعها القديمة، إلى أهلها، إلى أصواتها، إلى صباحاتها ومساءاتها، وإلى كلِ أولئكَ الذينَ تركتهمْ فيها.
وأتذكرُ قولَ اللهِ سبحانه وتعالى: ( وقلْ ربِ أنزلني منزلا مباركا وأنتَ خيرُ المنزلينَ) سورة المؤمنون: 29.
فأقولُ في سري: بغدادُ … متى أعودُ إليك؟
ربما تكونُ المدنُ جميلة، وتكونُ الغربةُ مريحة، قدْ يجدُ الإنسان في بلادِ الآخرينَ ما افتقدهُ في بلاده، لكنْ هناكَ شيئا لا يستطيعُ أحدٌ أنْ يمنحهُ لنا: ذلكَ الشعورُ حينَ نرى مآذنَ بغداد، ونسمعُ لهجتها، ونمشي في شوارعها؛
فنقول: هنا أنا … وهنا أهليّ … وهنا ذاكرتي. بغدادُ … اشتقت إليك.
اشتقت إلى دجلةَ أكثر مما كنت أظن، إلى شوارعك أكثر مما توقعت، إلى أهلك أكثر مما أستطيعُ أنْ أصف. وسأعودُ … لا لأنَ الغربةَ سيئة، ولا لأنَ مدنَ العالمِ لا تستحقُ الإعجاب، وإنما لأنَ الإنسان، مهما طالَ سفره، يبقى يبحثُ عنْ المكانِ الذي يقولُ له: أنتَ لست غريبا هنا.
حينَ أعودُ إلى بغداد، لنْ أقولَ لها: عدتْ لأنني لمْ أجدْ أجمل منك.
بلْ سأقول: عدتْ لأنك، بكلِ ما فيك منْ تعبٍ وجمال، بقيتْ في قلبي … وطنا لا يستبدل.
✦ كتابات في الميزان ✦
لا يكتفي المقال باستعادة بغداد بوصفها مدينةً تسكن الذاكرة، بل يجعل الغربة مرآةً تكشف جمال الوطن ونواقصه في آنٍ واحد. وبين دجلة والجسور والأزقة القديمة، يتحول الحنين إلى دعوة لبناء وطن يحفظ كرامة أبنائه، كي تكون العودة إليه اختيارًا مطمئنًا لا مجرد شوق إلى الماضي. إنها شهادة محبة صادقة ترى بغداد بكل ما فيها من تعب وجمال، وطنًا يسكن القلب ولا يُستبدل.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!