كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

العراق وبدائل هرمز

 بدأ العراق خطوات عملية لإعادة رسم خريطة صادراته النفطية، بهدف تقليص الاعتماد على مضيق هرمز وفتح منافذ بديلة باتجاه البحر الأحمر والبحر المتوسط.
وكشف رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي أن العمل جارٍ لتصدير النفط عبر ميناء العقبة في الأردن وميناء بانياس في سوريا، في إطار توجه أوسع لتنويع مسارات التصدير، يشمل أيضاً تركيا والمملكة العربية السعودية. وتبحث بغداد بذلك عن بدائل طويلة الأجل، لا مجرد ترتيبات مؤقتة لعبور الناقلات.
دوافع استراتيجية
تمر النسبة الأكبر من صادرات النفط العراقية عبر الموانئ الجنوبية في الخليج العربي، ومن ثم عبر مضيق هرمز. ويجعل هذا التركّز الاقتصاد العراقي عرضة لأي اضطراب محتمل في الملاحة أو تصاعد للتوترات الإقليمية.
لذلك تسعى بغداد إلى تحقيق هدفين متلازمين: ضمان استمرار تصدير النفط في حال حدوث اضطراب في الخليج، وتوزيع المخاطر الجغرافية من خلال تعدد المنافذ والطرق.
المسارات البديلة
أولاً: تركيا – ميناء جيهان
يمثل المسار التركي البديل الأكثر واقعية حالياً، إذ يجري التصدير عبر خط أنابيب كركوك–جيهان إلى ميناء جيهان على البحر المتوسط. وتكمن أهمية هذا المسار في وجود بنية تحتية قائمة ومنفذ مباشر على الأسواق الأوروبية والمتوسطية.
ثانياً: الأردن – ميناء العقبة
تعمل بغداد على بحث وإنشاء مسار يربط الحقول العراقية بميناء العقبة على البحر الأحمر. ومن شأن هذا الخيار أن يمنح العراق منفذاً بحرياً بعيداً عن الخليج، إلى جانب تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الأردن.
ثالثاً: سوريا – ميناء بانياس
تبحث بغداد أيضاً إمكانية إعادة تشغيل خط كركوك–بانياس الذي كان مستخدماً في السابق. ويتميز هذا المسار بقصر المسافة نسبياً إلى البحر المتوسط، إلا أن تفعيله يرتبط بالوضع في سوريا، فضلاً عن الاتفاقيات الفنية والمالية والأمنية المطلوبة.
رابعاً: السعودية – البحر الأحمر
يمثل خيار تصدير النفط العراقي عبر الأراضي السعودية إلى موانئ البحر الأحمر أحد الخيارات التي طُرحت منذ سنوات. ويمكن لهذا المسار، في حال تنفيذه، الاستفادة من شبكة الأنابيب السعودية والوصول إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر.
تحديات وفرص
لكن تعدد المسارات لا يعني أن الطريق أصبح مفتوحاً أمام العراق. فكل خيار يحتاج إلى اتفاقيات عبور مع الدول المعنية، واستثمارات كبيرة لإنشاء أو تأهيل خطوط الأنابيب، فضلاً عن ترتيبات أمنية وفنية تضمن استمرار تدفق النفط.
كما تحتاج بغداد إلى إجراء دراسات جدوى دقيقة تقارن بين كلفة النقل عبر هذه المسارات والكلفة الحالية للتصدير عبر الخليج، لأن البديل النفطي لا يقاس فقط بقدرته على تجاوز هرمز، وإنما أيضاً بجدواه الاقتصادية واستدامته.
في المقابل، يمنح تنويع منافذ التصدير العراق فرصة لتعزيز علاقاته الاقتصادية مع دول الجوار، وفتح مسارات أوسع نحو الأسواق الأوروبية والآسيوية عبر البحرين المتوسط والأحمر.
الخلاصة
لا يبدو أن العراق يبحث عن إلغاء دوره النفطي عبر الخليج، بقدر ما يسعى إلى تقليل اعتماده على منفذ واحد. فامتلاك أكثر من طريق لتصدير النفط يعني امتلاك هامش أوسع للمناورة في الأزمات، وتقليل قدرة أي اضطراب إقليمي على التأثير المباشر في شريان الاقتصاد العراقي.
وإذا نجحت بغداد في تحويل هذه المشاريع من خطط واتفاقيات إلى خطوط تصدير فعلية، فإنها ستكون أمام خريطة نفطية مختلفة: الخليج وهرمز، تركيا والبحر المتوسط، الأردن والبحر الأحمر، وسوريا كنافذة متوسطية أخرى، إلى جانب الخيار السعودي.
وهنا تكمن أهمية «بدائل هرمز»: فالقضية لا تتعلق بأنبوب جديد أو ميناء إضافي، وإنما بمحاولة العراق الانتقال من اقتصاد يعتمد على طريق تصدير رئيسي إلى اقتصاد يمتلك خيارات متعددة عندما تتغير ظروف المنطقة.

✦ كتابات في الميزان ✦

يناقش المقال مسعى العراق إلى تنويع منافذ تصدير النفط بوصفه ضرورةً لحماية الاقتصاد من مخاطر الاعتماد شبه الكامل على مضيق هرمز. وتتمثل قوته في رسم خريطة واضحة للبدائل التركية والأردنية والسورية والسعودية، وربطها بالأمن الاقتصادي والسيادة. وكان سيغدو أكثر إقناعًا بإضافة الطاقات التصديرية والكلف والمدد الزمنية، مع التمييز بوضوح بين المسار العامل والمشروعات المخطط لها والخيارات التي ما تزال قيد البحث. فبدائل هرمز ليست خطوطًا متساوية الجاهزية، لكنها تمثل بداية تفكير استراتيجي طال انتظاره.

مضيق_هرمز.jpeg

التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!