كتابات في الميزان
كتابات في الميزان

الجريمة الصامتة: شبكات تزوير رسمية تلتهم أملاك الدولة وتحتل عقارات الغائبين!

تعد الثروة العقارية، العامة والخاصة، الركيزة الأساسية للاستقرار المجتمعي والاقتصادي في أي دولة تسعى للبناء. غير أن هذه الثروة تواجه اليوم تهديداً خطيراً وممنهجاً يتمثل في شبكات التزوير والاستيلاء غير القانوني على الأراضي والمباني. وتظهر التجارب الدولية والمحلية أن الموظفين الفاسدين الذين يتحكمون بسجلات الأملاك العقارية هم الحلقة الأخطر والأقوى في هذه المنظومة الإجرامية. يتحول هؤلاء الفاسدون، بفعل غياب الضمير الرقابي، إلى "سماسرة ظل" يبحثون في الدفاتر الرسمية عن أي عقار غاب أو ابتعد عنه أصحابه؛ سواء أكانوا من الموتى الذين غادروا الدنيا ولم يعلم ورثتهم بأمر العقار، أو ممن ابتعدوا عن ديارهم خشية الملاحقات، أو أقعدهم المرض العضال فأنساهم أملاكهم، أو أولئك الذين انشغلوا عنها مجبرين بظروف العمل القاسية ومشاغل الحياة المعقدة.

لا تقتصر هذه الظاهرة على منطقة دون غيرها، بل هي جريمة عابرة للحدود تكررت عالمياً بأرقام صادمة وتواريخ موثقة.
ففي الولايات المتحدة، كشفت وزارة العدل في 13 فبراير 2025 عن قضية احتيال عقاري كبرى قادها الموظف التنفيذي كيفين فينغ غاو (Kevin Feng Gao)، حيث استغل وثائق مزورة وحسابات غير مصرح بها للاستيلاء على مشروع عقاري ضخم وتحويل 30 مليون دولار لحسابه الخاص.
وفي تجربة عالمية أخرى، أعلن "مكتب تسجيل الأراضي البريطاني" (HM Land Registry) أنه في الفترة الممتدة بين عامي 2024 و2025 تم رصد وإيقاف 86 محاولة تزوير واحتيال عقاري استهدفت غالبيتها عقارات شاغرة غاب أصحابها، بقيمة مالية تقديرية بلغت 58 مليون جنيه إسترليني.
وفي جنوب أفريقيا، شهدت المحاكم قضية بطلتها المحتالة نيثيبي ليبوكو (Nthibi Leboko) التي زورت مستندات رسمية وادعت أنها أرملة المالك المتوفي جيرميا راديبي (Jeremiah Radebe) لتستولي على تركته العقارية وتسجل عليها رهوناً مصرفية غير قانونية قبل أن يبطل القضاء تلك الوثائق المزورة.

أمام هذه المخاطر المنظمة، تبرز "دائرة عقارات الدولة" باعتبارها الجهة المؤتمنة قانوناً وأخلاقاً على قضية هذه الأملاك العامة والخاصة وحمايتها من أيدي العابثين.
إن صيانة هذه الأصول الوطنية تتطلب حتماً أن يكون موظفو هذه الدائرة ومسؤولوها ممن يمتلكون أعلى درجات شرف المهنية، والحس الوطني العالي، والنزاهة المطلقة لإحباط أي اختراق داخلي أو مساومة على حقوق المواطنين.

ولتحقيق الحماية الكاملة وتحديد المسؤولية بشكل قاطع، ينبغي إحكام عمليات بيع أو تخصيص أو استثمار أي عقار تابع للدولة، وحصر هذه الصلاحية حصرياً بجهة رقابية وتنفيذية نزيهة ومستقلة بنسبة 100% تعتمد على الأنظمة الإلكترونية الحديثة.
بالتوازي مع ذلك، يجب تشديد إجراءات التدقيق والمطابقة على العقارات الخاصة، وعدم السماح ببيعها إلا وفق شروط صارمة تضمن عدم النصب والتزوير والإحتيال، وتمنع استغلال الظروف الإنسانية والصحية لأصحاب الحقوق الأصليين.
إن رقمنة السجلات وتحصينها بالنزاهة هو السبيل الوحيد لإغلاق منافذ الفساد وحفظ أمن المجتمعات وهيبة القانون.

✦ كتابات في الميزان ✦

يكشف المقال أن التزوير العقاري لا يبدأ من وثيقة مزيفة فحسب، بل من اختراقٍ داخلي يستغل السجلات الرسمية وغياب أصحاب الحقوق أو ضعف قدرتهم على المتابعة. وتمنح الأمثلة الدولية القضية بعدًا يتجاوز الحدود، مؤكدة أن العقارات الشاغرة وتركات المتوفين تمثل أهدافًا مفضلة لشبكات الاحتيال. ويضع النص المسؤولية أمام المؤسسات المعنية لحماية الملكية العامة والخاصة عبر رقابة مستقلة وإجراءات تحقق صارمة. فالرقمنة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بالنزاهة، وتوثيق العمليات، والمحاسبة التي تمنع الموظف المؤتمن من التحول إلى شريك في الجريمة.

العقاري.jpg




التعليقات

لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!