كلما حاولت أن أبتعد عن هذا الضجيج، وعن هذا المستنقع الذي امتلأ بالضفادع التي تصدّع رؤوسنا، أجدني أعود إلى الكتابة؛ لأن الصمت أحياناً يكون مشاركةً في الخطأ.
نحن نعيش في بلد تتعدد فيه الطوائف والمذاهب والقوميات، ولهذا يجب أن يكون الولاء الأول والأخير للعراق. لكل إنسان أن يمارس طقوسه ومعتقداته بحرية، شرط ألا يمس مشاعر الآخرين أو كرامتهم. فحين يتحول الانتماء العقائدي إلى ولاء يتقدم على الوطن، يبدأ التناحر، ويتحول البلد شيئًا فشيئًا إلى خربة تتغذى فيها الخرافة والتخلف والطفيليات.
ومن أكثر ما يؤلمني أن يتحول بعض الخطاب الاجتماعي إلى صراخ واستعراض، بدل أن يكون وسيلةً للحوار. تارةً يخرج علينا مهوال أو مهوسجي أو رادود أو شيخ عشيرة، فلا يجد لغةً حضاريةً يعبّر بها عن مطالبه، وتارةً تتحول بعض المناسبات التي يفترض أن تكون مساحةً للفرح إلى مشاهد تثير الخوف والنفور.
وأتوقف هنا عند مشهد رأيناه في إحدى رقصات الجوبي، حين تحولت الرقصة إلى تمثيل لمشهد الذبح، واستُخدمت السكين داخل الحلقة وكأنها جزء من الفلكلور.
هذا ليس فلكلورًا نفتخر به، ولا صورةً جميلةً من تراثنا.
الجوبي رقصة عراقية شعبية لها تاريخها وخصوصيتها، تقوم على الجماعة والحركة والإيقاع والفرح، وانتشرت في البيئات الريفية والبدوية على امتداد مناطق العراق، وتُعرف في بعض المناطق باسم جوبي المسعود أو الجوبي المسعودي. وهي من صور الفرح الشعبي التي يفترض أن تجمع الناس، لا أن تزرع في نفوسهم الرعب.
أما إدخال السكين وتمثيل الذبح في هذه الرقصة، فهو برأيي تشويهٌ لمعناها قبل أن يكون تشويهًا لصورتها.
أي رسالة تريدون إيصالها حين يمسك الراقص سكينًا ويمثّل بها ذبح إنسان؟
هل أصبح الفرح بحاجة إلى الدم حتى يكون مثيرًا؟
وهل أصبح الفلكلور بحاجة إلى مشاهد العنف حتى يثبت حضوره؟
إن المتلقي اليوم يعيش وسط عالم امتلأ بصور القتل والعنف، ولذلك فإن إعادة إنتاج مشهد الذبح في مناسبة اجتماعية، ثم تبريره بأنه مجرد تقليد أو فلكلور، أمر يستحق النقد والتوقف عنده. فالصورة أحيانًا أقوى من الكلام، وما يراه الطفل والشاب والضيف القادم من خارج المكان يبقى في الذاكرة أكثر مما تبقى مئات الكلمات.
وقد انتقد الدكتور حذيفة الحديثي هذا المشهد، وهو نقد يستحق التأمل.
وأنا شخصيًا أتذكر أيام الشباب، حين كنا في الصيف نذهب مجموعات إلى زيارة السيد أحمد بن هاشم، ونشاهد حلقات الجوبي المسعود. كانت هناك فرحة، وحركة، وإيقاع، وروح جماعية، لكنني لا أتذكر أن الجوبي كان بحاجة إلى سكين أو تمثيل للذبح حتى يكون جميلًا.
وهنا أسأل أبناء العشائر والمهتمين بهذا التراث:
ألا يوجد بينكم رجل حكيم، أو مثقف، أو شيخ عشيرة، يقول: كفى؟
لماذا لا نحافظ على جمال تراثنا بدل أن نضيف إليه ما يشوّه صورته؟
التراث ليس مقدسًا بحيث لا يجوز نقده، وليس كل ما ورثناه يجب أن يبقى كما هو. ما ينسجم مع قيمنا الإنسانية نحافظ عليه، وما يسيء إلى الذوق العام أو يثير العنف والكراهية نتركه وراءنا.
وأقولها للجميع، من الغربية إلى الوسط والجنوب، ومن الشمال إلى أقصى الجنوب:
لا تجعلوا العراق محطةً مؤقتةً لانتماءاتكم الأخرى.
أهل الغربية، لا تتوقعوا أن تحتضنكم سوريا أو السعودية أو الأردن كما يحتضنكم وطنكم.
وأهل الوسط والجنوب، لا تتوقعوا أن تكون إيران وطنكم حين يضيق بكم العراق.
وأهل الشمال، لا تبحثوا عن وطن بديل؛ فالعراق وطننا جميعًا.
قد نختلف في المذهب والقومية والعشيرة والطقوس، لكننا نشترك في بيت واحد اسمه العراق.
فحافظوا عليه بما أوتيتم من وعي وقوة.
لا تجعلوا خلافاتنا سكاكين في أيدي أبنائنا، ولا تجعلوا تراثنا مسرحًا للعنف، ولا تجعلوا الفلكلور ذريعةً لتطبيع صورة الذبح.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من السكاكين...
العراق يحتاج إلى أيادٍ تتشابك، وعقولٍ تتحاور، وقلوبٍ تعرف أن الوطن أكبر من الجميع.
#العراق اولاً وكفى
#حمورابي معقولة أنت من العراق؟
✦ كتابات في الميزان ✦
ينتقد المقال تحويل رقصة الجوبي من مساحة للفرح والتلاحم الاجتماعي إلى مشهد يستعرض السكين ويحاكي الذبح، بما يشوّه جوهرها الشعبي. فالتراث ليس بمنأى عن المراجعة، وحمايته تعني تنقيته مما يطبع العنف في وعي الأطفال والمجتمع. ومن نقد مشهدٍ فلكلوري، يرتفع النص إلى دعوة وطنية تجعل العراق مظلةً جامعةً فوق الانتماءات الطائفية والقومية والعشائرية.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!