في عالم السياسة المعاصر، كثيراً ما تتشابك المصطلحات وتتبدل المفاهيم، لكن المشهد اليمني يقدّم نموذجاً فريداً ومحيّراً للمفارقات التي تتحدى المنطق السليم. إنها حالة يستدعي التأمل فيها الانتباه إلى حجم الفجوة بين الواقع القائم على الأرض وبين التوصيفات الدبلوماسية المعتمدة في أروقة المحافل الدولية.
مفارقة الشرعية والتمثيل الشعبي
تتجلى أسرع صور هذه المفارقة حين يُعاد تعريف "الشرعية" و"التمثيل الشعبي" وفق معايير الجغرافيا والإقامة:
*شرعية الفنادق والعواصم: يتساءل الشارع اليمني كيف يُصنف المجلس الرئاسي والمسؤولون المقيمون في الخارج بكونهم المعبرين المعتمدين عن إرادة الشعب، بينما يفصلهم الواقع الميداني واليومي عن تفاصيل معيشة هذا الشعب وأزماته الاقتصادية والخدمية.
*الحشود والساحات: في المقابل، تخرج التظاهرات والحشود الجماهيرية الممتدة في عشرات الساحات داخل العاصمة صنعاء والمحافظات الواقعة تحت سيطرة "أنصار الله" (الحوثيين)، في حركة شعبية واسعة يُنظر إليها محلياً كتعبير عن الموقف الميداني، بينما تُصنف دولياً في إطار "سلطات الأمر الواقع" أو المليشيات الانقلابية.
تبادل الاتهامات: الوطنية في مواجهة "الارتهان"
تتسع الفجوة أكثر عند استعراض السجال الكلامي والتصنيفات السياسية المتبادلة بين أطراف النزاع:
*المجلس الرئاسي والحكومة*: متهمون بالارتهان للخارج، والعيش بعيداً عن المعاناة، وتنفيذ أجندات الإقليم. | يرى نفسه الممثل الدستوري الشرعي، والمدافع عن النظام الجمهوري والدولة. |
*سلطة صنعاء (أنصار الله)*: متهمون بالانقلاب، والتبعية لإيران، وإعادة إنتاج الحكم الإمامي والكهنوت. | يرى نفسه خط الدفاع الأول عن سيادة الوطن ومواجهة التدخل العسكري الخارجي. |
اختلال المعادلة والبحث عن المخرج
إن هذه المفارقات الناشئة عن الصراع الطويل تشير إلى حالة من التشوه في التعاطي مع الأزمة اليمنية؛ حيث أصبحت أطراف الأزمة تتراشق بتهم التبعية والخيانة، بينما يدفع المواطن اليمني البسيط الثمن الأكبر في معيشتهم وأمنهم وتوقف مرتباتهم.
بقي شيء...
إن المخرج الحقيقي لليمن لن يتحقق بتبادل الاتهامات ولا بالارتهان للحلول المعلبة من الخارج، بل بالعودة إلى الواقع وإرادة الملايين المتواجدين على أرض الوطن، وصياغة حل سياسي شامل يعيد للسيادة معناها وللمواطن كرامته وحقوقه المسلوبة.
✦ كتابات في الميزان ✦
يتناول المقال مفارقة المشهد السياسي اليمني، مسلطًا الضوء على التباين بين مفاهيم الشرعية المعترف بها دوليًا والواقع الميداني الذي يفرض نفسه داخل البلاد. ويعرض كيف يتبادل أطراف الصراع الاتهامات بالارتهان والتبعية، بينما يبقى المواطن اليمني المتضرر الأكبر من استمرار الأزمة. ويخلص المقال إلى أن أي تسوية حقيقية لا يمكن أن تنجح إلا عبر حل سياسي شامل يستند إلى إرادة اليمنيين ويحفظ سيادة الدولة وحقوق مواطنيها.

.jpg)
التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!