مقدمة
يشكل العدد (185) من مجلة النجف الأشرف لوحة ثقافية ومعرفية متعددة الأبعاد، تتجاور فيها المقالة الفكرية مع البحث التاريخي، والدراسة الأدبية مع المادة الدينية، والسرد القصصي مع المتابعة الإنسانية والعلمية. وقد عكست موضوعات العدد طبيعة المرحلة التي صدر فيها، بما حفلت به من تحديات صحية واجتماعية وفكرية، الأمر الذي منح مواده قدرًا من الحيوية والارتباط بالواقع.
ويلاحظ القارئ منذ الصفحات الأولى حضور الإنسان بوصفه المحور الأساس لمعظم الموضوعات؛ فالإنسان المؤمن بقيمه ومبادئه، والإنسان المكافح في مواجهة الأزمات، والإنسان الباحث عن المعرفة والمعنى وسط عالم متغير. كما برزت في العدد ثنائية الذاكرة والأمل؛ إذ استحضرت بعض المواد تاريخ النجف الأشرف وأحيائها وشخصياتها، فيما اتجهت مواد أخرى إلى استشراف المستقبل ومواجهة تحدياته، سواء في ميدان التعليم أو الطب أو الثقافة.
ومن الجوانب اللافتة في هذا العدد حضور البعد الحسيني حضورًا فكريًا وثقافيًا لا يقتصر على الجانب العاطفي، بل يمتد إلى استلهام القيم والمبادئ التي تمثلها النهضة الحسينية في مجالات الإصلاح والوعي والكرامة الإنسانية. كما تميز العدد بتنوع أقلامه بين الباحث والمؤرخ والأديب والطبيب والمفكر، مما أضفى على مواده ثراءً معرفيًا وتعددًا في زوايا النظر.
- أول الكلام: أربعون يوماً مدتها ألف عام
الكاتب: غيث شبر
ينطلق مدير التحرير من زيارة الأربعين بوصفها ظاهرة تتجاوز حدود المناسبة الزمنية لتتحول إلى مشروع أخلاقي وإنساني متجدد. فالنص لا ينظر إلى الأربعين باعتبارها مسيرة أيام معدودة، بل باعتبارها مسيرة قيم تمتد عبر الأجيال والأمكنة. ويبرز الكاتب مشاهد الإيثار والتواضع والبذل التي تتجسد في خدمة الزائرين، ليجعل منها دليلاً على قدرة القيم الحسينية على صناعة مجتمع متراحم ومتكاتف. كما يربط المناسبة بالظرف الصحي الذي فرضه وباء كورونا، مؤكدًا ضرورة الجمع بين الإيمان والوعي والمسؤولية. وتترك المقالة لدى القارئ شعورًا بأن الأربعين ليست حدثًا عابرًا، بل مدرسة أخلاقية متحركة تعيد اكتشاف الخير الكامن في الإنسان.
- ويؤثرون على أنفسهم
حراك إنساني لمؤسسة العين
تعكس هذه المادة صورة ناصعة للتكافل الاجتماعي في أوقات المحن، إذ توثق جانبًا من الجهود التي بذلتها مؤسسة العين لدعم القطاع الصحي خلال جائحة كورونا. وتبرز قيمة النص في أنه يسلط الضوء على البعد الإنساني للعمل الخيري بعيدًا عن المظاهر الإعلامية، حيث يتحول العطاء إلى مسؤولية أخلاقية ووطنية. كما يكشف التقرير عن أهمية المبادرات المجتمعية في سد النقص الذي قد تواجهه المؤسسات الصحية في الظروف الاستثنائية. ويشعر القارئ أن هذه الجهود لم تكن مجرد تبرعات أو مساعدات عابرة، بل مساهمة حقيقية في حماية الأرواح وتقليل آثار الأزمة. ولهذا تترك المادة انطباعًا بأن التضامن الإنساني يبقى أحد أهم عناصر القوة في مواجهة الكوارث.
- عكد الطاوغلي (عكد آل حمود)
الكاتب: البروفيسور صادق المخزومي
يواصل الكاتب مشروعه التوثيقي لمدينة النجف الأشرف من خلال استحضار واحد من أزقتها القديمة وما ارتبط به من عائلات وأحداث وذكريات. وتكمن أهمية المادة في أنها لا تؤرخ للمكان بوصفه جغرافيا جامدة، بل بوصفه فضاءً اجتماعيًا نابضًا بالحياة، تشكلت فيه العلاقات الإنسانية والحكايات الشعبية. كما ينجح الكاتب في تقديم كم كبير من التفاصيل التي تجعل القارئ يعيش أجواء الحي وأسماء ساكنيه وتحولات بيوته عبر العقود. ويبرز في النص احترام واضح للذاكرة المحلية وحرص على حفظها من الضياع. ومن هنا تكتسب المادة قيمتها بوصفها سجلًا اجتماعيًا وثقافيًا يوثق جانبًا من تاريخ النجف غير المكتوب في المصادر الرسمية.
- الإمام الحسين يؤسس للطموح المشروع
الكاتب: حسن جوادي
تطرح المادة فكرة مميزة تتمثل في قراءة النهضة الحسينية من زاوية الطموح الإنساني المشروع، وهو مدخل لا يحظى غالبًا بالاهتمام الكافي في الكتابات التقليدية. ويبين الكاتب أن الإمام الحسين (عليه السلام) قدم نموذجًا للطموح المرتبط بالإصلاح والكرامة والعدل، لا بالطموحات الشخصية الضيقة. كما يوضح أن السعي نحو التغيير الإيجابي لا يتعارض مع القيم الدينية، بل يمثل أحد تجلياتها العليا. وتمنح المقالة القارئ فهمًا أعمق لمعنى النجاح والإنجاز في المنظور القيمي، بعيدًا عن المقاييس المادية البحتة. ولذلك تبرز المادة بوصفها دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم الطموح وربطه بالمسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.
- بارمنيدس وأصول الأسئلة الفلسفية الكبرى
باب: حكمة
تفتح هذه المادة باب التأمل في الجذور الأولى للفكر الفلسفي، من خلال التوقف عند شخصية بارمنيدس وأفكاره التي ما زالت حاضرة في النقاشات الفلسفية المعاصرة. وتكمن أهمية النص في أنه يوضح كيف أن بعض القضايا التي تبدو حديثة اليوم تمتد جذورها إلى قرون بعيدة. كما يكشف المقال عن قدرة الفلسفة على طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالوجود والحقيقة والهوية، وهي أسئلة لا تفقد راهنيتها مهما تغيرت الأزمنة. ويشعر القارئ أن الفكر الإنساني سلسلة مترابطة من المحاولات لفهم العالم والذات. ولهذا تمنح المادة فرصة للتعرف على أحد المؤسسين الأوائل لمسيرة التفكير الفلسفي المنظم.
-الأم تتجاوز تلال الحزن
الكاتب: حسن بجوح
تقدم هذه القصة صورة مؤلمة لمعاناة المرأة في بيئة اجتماعية قاسية، حيث تعيش البطلة "نسرين" بين العنف الأسري والفقد والحرمان. ويتميز النص بقدرته على بناء التوتر النفسي تدريجيًا، من خلال وصف الخوف والقلق والوحدة التي تحاصر الشخصية الرئيسة. كما ينجح الكاتب في نقل مشاعر الانكسار الإنساني بلغة مؤثرة تجعل القارئ متعاطفًا مع البطلة منذ الصفحات الأولى. وتتحول القصة في نهايتها إلى احتفاء بقوة الأمومة وقدرتها على التضحية، إذ تصبح الأم رمزًا للصبر والتحدي في مواجهة أقسى الظروف. وتترك القصة انطباعًا بأن الأم تمتلك طاقة استثنائية تجعلها تتجاوز كل "تلال الحزن" من أجل أبنائها.
- بلازما النقاهة.. علاج محتمل لفيروس كورونا المستجد
الكاتب: د. سند محمد علي الباغي
يعالج الكاتب موضوعًا طبيًا كان في صدارة الاهتمام العالمي خلال جائحة كورونا، مقدمًا عرضًا علميًا مبسطًا لمفهوم "بلازما النقاهة" وآلية عملها العلاجية. وتمتاز المادة بالجمع بين المعلومات الطبية الدقيقة واللغة السهلة التي تمكن القارئ غير المتخصص من فهم الموضوع. كما يحرص الكاتب على عرض الآراء العلمية المؤيدة والمتحفظة، مما يمنح النص قدرًا من الموضوعية والاتزان. ويبرز المقال أهمية البحث العلمي في التعامل مع الأزمات الصحية العالمية، ويؤكد أن النتائج الأولية الواعدة تحتاج دائمًا إلى المزيد من الدراسات والتجارب. لذلك تشكل المادة نموذجًا جيدًا للكتابة العلمية التثقيفية التي تجمع بين الفائدة والدقة.
مستشفى الكفيل التخصصي.. تقنيات تضاهي الدول المتقدمة
متابعات
تسلط المادة الضوء على التطور الطبي الملحوظ الذي حققه مستشفى الكفيل التخصصي في كربلاء المقدسة، من خلال استعراض أعداد العمليات الجراحية ونسب النجاح المرتفعة والتقنيات الحديثة المستخدمة فيه. ويبرز التقرير حجم الجهد الذي بذلته الكوادر الطبية والإدارية في تقديم خدمات متقدمة داخل العراق، الأمر الذي أسهم في تقليل الحاجة إلى العلاج خارج البلاد. كما يعكس النص صورة إيجابية عن قدرة المؤسسات الصحية العراقية على مواكبة التطورات العالمية متى ما توفرت الإمكانات المناسبة. ويترك التقرير لدى القارئ شعورًا بالفخر بما تحقق من إنجازات طبية وعلمية. وتكمن أهميته في إبراز النماذج الناجحة التي تعزز الثقة بالقطاع الصحي الوطني.
- بارمنيدس.. عظيم المدرسة الإيلية
الكاتب: موفق هاشم عبيد
يأخذنا الكاتب في رحلة فلسفية إلى واحد من أبرز فلاسفة اليونان قبل سقراط، مسلطًا الضوء على أفكاره المتعلقة بالوجود والمعرفة والحقيقة. وتمتاز المادة بأسلوبها الأكاديمي الرصين الذي يجمع بين السرد التاريخي والتحليل الفلسفي، مما يجعلها مناسبة للقراء المهتمين بتاريخ الفكر الإنساني. كما يبين المقال كيف أسهم بارمنيدس في تأسيس رؤية عقلية للوجود تقوم على الثبات والوحدة، في مواجهة التفسيرات الحسية المتغيرة للعالم. ويظهر من خلال النص حجم التأثير الذي تركه هذا الفيلسوف في الأجيال اللاحقة من المفكرين. ولذلك تمثل المادة مدخلًا مهمًا لفهم أحد الجذور الأساسية للفلسفة الغربية.
- الشيبة
باب: فلوكلور
تعرض المادة نموذجًا من الموروث الشعبي الرافديني الذي جمع بين الخيال والحكمة الاجتماعية في آن واحد. فالشيبة بوصفها كائنًا أسطوريًا لا تُقرأ على أنها مجرد حكاية للتسلية، بل باعتبارها رمزًا يحمل رسائل تربوية وثقافية مرتبطة بالهوية والسلوك الإنساني. كما تكشف المادة عن قدرة المجتمعات القديمة على توظيف الأسطورة لتوصيل مفاهيم أخلاقية معقدة بلغة قريبة من عامة الناس. ويمنح النص القارئ فرصة للتعرف على جانب من المخزون الشعبي العراقي الذي يعكس طبيعة التفكير الجمعي في الأزمنة الماضية. وتبرز أهميته في المحافظة على هذا التراث بوصفه جزءًا من الذاكرة الثقافية للمجتمع.
- التعليم في زمن كورونا.. إلى أين؟
الكاتبة: سوسن المقداد
يعالج المقال واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا خلال جائحة كورونا، وهي مصير العملية التعليمية في ظل المخاطر الصحية المتزايدة. وتطرح الكاتبة تساؤلات واقعية حول قدرة المدارس والأسر على التكيف مع الظروف الاستثنائية، مبينةً أن التعليم لا يقل أهمية عن سلامة الأبناء، بل إن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بينهما. كما يناقش المقال نماذج التعليم الإلكتروني والمباشر والمختلط، مع تحليل مزايا كل نموذج وسلبياته بعيدًا عن الأحكام المتسرعة. وتبرز الكاتبة خبرة تربوية واضحة في تشخيص المشكلات التي تواجه الطلبة والأسر، ولا سيما الفوارق التقنية والاجتماعية بين البيئات المختلفة. ويترك المقال لدى القارئ انطباعًا بأن الأزمة الصحية كشفت الحاجة إلى إعادة النظر في أساليب التعليم التقليدية وبناء منظومة أكثر مرونة للمستقبل.
- يحسين ابضمايرنه.. قصيدة صنعت الذاكرة الحسينية
الكاتب: حمد القلابجي
يتناول الكاتب واحدة من أشهر القصائد الشعبية الحسينية التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الجماعية لأتباع أهل البيت (عليهم السلام). ويكشف المقال عن الخصائص الفنية والشعورية التي جعلت هذه القصيدة تتجاوز حدود المناسبة الزمنية لتصبح نشيدًا متجددًا في وجدان الجماهير. كما يوضح العلاقة الوثيقة بين النص الشعري والأداء الرادودي، مبينًا كيف أسهم الصوت الحزين لياسين الرميثي في ترسيخ حضور القصيدة وانتشارها. ويتميز المقال بنزعته التحليلية التي تربط بين الفن الحسيني والواقع الاجتماعي والسياسي الذي نشأت فيه القصيدة. ومن خلال ذلك ينجح الكاتب في إبراز دور الشعر الشعبي في حفظ الهوية والذاكرة الدينية.
- قراءة أنثروبولوجية في قصيدة «لا تبجين»
الكاتب: البروفيسور صادق المخزومي
يقدم الباحث قراءة مختلفة للقصيدة الحسينية من زاوية أنثروبولوجية، متتبعًا علاقتها بالبنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع الريفي العراقي. ويتميز المقال بقدرته على الربط بين النص الشعري والموروث الشعبي والرموز الثقافية المتجذرة في الوعي الجمعي. كما يستحضر الكاتب مفاهيم من علم الإنسان لفهم دلالات الحزن والصبر والبطولة كما تتجسد في الخطاب الحسيني. ويضفي هذا المنهج الأكاديمي عمقًا خاصًا على القراءة، إذ ينتقل بالقارئ من التلقي العاطفي إلى التأمل الفكري في بنية النص. ولذلك يمثل المقال إضافة معرفية مهمة للدراسات الحسينية المعاصرة.
قراءة انطباعية في كتاب «الطريق»
الكاتب: عدنان الياسري
يقدم الكاتب عدنان الياسري قراءة معرفية وأدبية لرواية «الطريق» للروائي الأمريكي كورماك مكارثي، كاشفًا عن أبعادها الإنسانية والفلسفية العميقة. وتمتاز المادة بأسلوبها السلس الذي يجمع بين التعريف بالكاتب واستعراض أبرز أعماله، ثم الانتقال إلى تحليل مضمون الرواية وأفكارها الأساسية. كما ينجح المقال في تقريب عالم الرواية للقارئ العربي من خلال عرض أبرز مشاهدها ورموزها ودلالاتها الوجودية. وتبرز القراءة قيمة الأدب في استشراف المخاطر الإنسانية الكبرى، وتدفع القارئ للتأمل في معنى الحياة والأمل وسط الخراب. وتترك المادة انطباعًا بأن الرواية ليست حكاية نجاة فحسب، بل تأمل عميق في طبيعة الإنسان عندما يفقد كل شيء إلا إنسانيته.
- كورماك مكارثي.. سيرة مبدع صنع عالماً من الرماد
الكاتب: عدنان الياسري
يتوقف الكاتب عند سيرة الروائي الأمريكي كورماك مكارثي، مستعرضًا محطات حياته وأبرز أعماله الأدبية والجوائز التي نالها. ويُظهر المقال كيف انعكست تجارب الكاتب القاسية على عالمه الروائي الذي اتسم بالعنف والأسئلة الوجودية العميقة. كما يلفت الانتباه إلى نجاح العديد من رواياته في التحول إلى أعمال سينمائية حازت شهرة واسعة. ويبرز في المادة تقدير واضح لمنجز مكارثي الأدبي بوصفه أحد أبرز كتاب الرواية الأمريكية المعاصرة. ومن خلال هذا العرض يشعر القارئ أنه أمام تجربة إبداعية استثنائية تركت أثرًا كبيرًا في الأدب العالمي الحديث.
- ملحمة الطف.. صوت العدالة الخالد
من مقتطفات كلمات سماحة السيد حميد باقر السيستاني
يستعرض النص عظمة ملحمة الطف بوصفها حدثًا استثنائيًا في التاريخ الإسلامي والإنساني، من حيث حجم الظلم الذي تعرض له الإمام الحسين (عليه السلام) وحجم التضحية التي قدمها من أجل الدين. ويؤكد أن هذه النهضة لم تكن حدثًا عابرًا، بل محطة مفصلية أسهمت في حفظ الإسلام وإحياء قيم العدل والكرامة. كما يبرز النص الأثر العميق الذي تركته الواقعة في وجدان الأمة عبر العصور. وتتميز المادة بلغة إيمانية تجمع بين التحليل التاريخي والاستلهام القيمي. لذلك يشعر القارئ بأن كربلاء ما زالت تمثل مدرسة متجددة للحرية والإباء.
- الوفاء للحسين (ع) بين الشعور والممارسة
من مقتطفات كلمات سماحة السيد حميد باقر السيستاني
يركز النص على مفهوم الوفاء للإمام الحسين (عليه السلام)، مبينًا أن هذا الوفاء لا يقتصر على المشاعر، بل يتجسد في إحياء ذكره واستلهام مبادئه في الحياة. كما يشدد على أهمية البعد العاطفي في الشعائر الحسينية لما له من دور في ترسيخ القيم الإيمانية في النفوس. ويبين أن المجالس الحسينية أسهمت عبر التاريخ في نشر الوعي الديني والأخلاقي إلى جانب إحياء المصيبة. ويكشف النص عن رؤية متوازنة تجمع بين العاطفة والفكر في فهم الشعائر الحسينية. ومن ثم فإنه يقدم تصورًا عميقًا لدور هذه المجالس في بناء الإنسان المؤمن.
- بعد فاجعة الطف.. لماذا بقيت الذكرى حيّة؟
من مقتطفات كلمات سماحة السيد حميد باقر السيستاني
يتناول النص الأسباب التي جعلت ذكرى عاشوراء حاضرة بقوة في وجدان المسلمين رغم مرور القرون. ويؤكد أن الملحمة الحسينية جسدت أسمى صور التضحية والثبات على المبدأ، مما منحها طابعًا خالدًا يتجاوز حدود الزمان والمكان. كما يوضح أن استذكار هذه الفاجعة يوقظ الضمائر ويحفز النفوس على التمسك بالقيم النبيلة. ويبرز النص دور المجالس الحسينية في الحفاظ على هذه الرسالة ونقلها بين الأجيال. ولذلك تبدو عاشوراء في هذه القراءة مشروعًا دائمًا للإصلاح والتغيير الإيجابي.
الشخصية الدينية النموذجية
باب: سؤال وجوابه
يطرح النص سؤالًا مهمًا حول النموذج الذي يسعى الدين إلى بنائه في الإنسان، ثم يقدم إجابة متكاملة تجمع بين الفضائل الأخلاقية والرشد العقلي. ويؤكد أن التدين الحقيقي لا ينفصل عن الوعي والبصيرة والتفكر، بل إن العقلانية تمثل جزءًا أساسيًا من الشخصية المؤمنة. كما يستشهد بكلمات الإمام علي (عليه السلام) في وصف المتقين، بما يمنح الموضوع بعدًا تربويًا وأخلاقيًا عميقًا. ويتميز الطرح بقدرته على تصحيح بعض التصورات الخاطئة التي تفصل بين الدين والعقل. ومن ثم فإن المادة تقدم رؤية متوازنة للإنسان المؤمن الذي يجمع بين الإيمان والوعي والعمل الصالح.
بعد التجوال بين صفحات العدد (185) من مجلة النجف الأشرف تتشكل لدى القارئ قناعة واضحة بأنه أمام مشروع ثقافي يتجاوز حدود النشر الدوري إلى أداء رسالة معرفية وتربوية متكاملة. فقد نجحت المجلة في الجمع بين موضوعات متنوعة، شملت الفكر والدين والأدب والتاريخ والطب والمتابعات الإنسانية، مع المحافظة على وحدة الرسالة الثقافية التي تجمع هذه الموضوعات المختلفة.
وقد برز في العدد اهتمام واضح بالإنسان وقضاياه المعاصرة، ولا سيما في ظل جائحة كورونا وما فرضته من تحديات صحية وتعليمية واجتماعية، كما تجلت العناية بالتراث والذاكرة المحلية من خلال المقالات التي وثقت بعض معالم النجف الأشرف وأحيائها وشخصياتها. وفي الجانب الأدبي والفكري، قدمت المجلة مواد فتحت آفاقًا للتأمل في قضايا الوجود والأمل والهوية والقيم، سواء عبر القصة والرواية أو عبر الدراسات الفكرية والفلسفية.
أما المواد الدينية، فقد أكدت أن النهضة الحسينية ما زالت تمثل مصدر إلهام متجددًا في بناء الوعي وترسيخ مبادئ العدل والكرامة والإصلاح، وأن استذكارها لا يقتصر على استحضار الماضي، بل يمتد إلى استلهام الدروس التي يحتاجها الإنسان في حاضره ومستقبله.
ويمكن القول إن العدد (185) نجح في تحقيق توازن بين الأصالة والمعاصرة، وبين المحلي والإنساني، وبين المعرفة والمتعة الفكرية، الأمر الذي يجعل منه عددًا ثريًا بالمضامين والدلالات. ومن هنا تأتي أهمية هذه المجلة بوصفها نافذة ثقافية تسهم في حفظ الذاكرة، ونشر المعرفة، وتعزيز الحوار بين الفكر والتاريخ والواقع، بما يخدم القارئ ويثري المشهد الثقافي العراقي والعربي.
185.pdf

التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!