في كل عصرٍ تمرّ به الحوزات العلمية، تظهر شخصيات تحاول أن تقترب من موقع المرجعية الدينية دون أن تمتلك شروطها العلمية والأخلاقية والاجتماعية، فتستعير لغة العلماء، وتستخدم مفردات الفقهاء، وتحيط نفسها بهالة من الألقاب والاتباع، لتصنع لنفسها صورة “المرجع” وإن كانت بعيدة عن حقيقة المرجعية الرصينة. ومن هنا ظهر مصطلح “المتمرجع”.
والمتمرجع ليس مصطلحاً للانتقاص الشخصي أو الشتيمة، بل توصيف يُطلق على من يتصدّى لمقام المرجعية دون امتلاك المؤهلات الحقيقية التي أجمعت عليها الحوزة العلمية عبر قرون طويلة، سواء من حيث العلم، أو العدالة، أو شهادة أهل الخبرة، أو السيرة الأخلاقية، أو القدرة على إدارة شؤون الأمة بروح المسؤولية.
فالمرجعية في المدرسة الشيعية لم تكن يوماً منصباً إعلامياً، ولا مشروعاً شعبوياً، ولا حملة إلكترونية، بل كانت ثمرة عقود طويلة من البحث والتدريس والتقوى والزهد، حتى يصبح الفقيه محلّ ثقة كبار أهل العلم قبل عامة الناس.
ولهذا فإن أول علامات المتمرجع غالباً هي محاولته صناعة شرعيته بنفسه، عبر الدعاية والضجيج والاتهامات، بدلاً من أن تأتيه الشهادة العلمية من أهل الاختصاص. فالعالم الحقيقي تُقدّمه الحوزة، بينما المتمرجع يقدّم نفسه بنفسه.
ومن أبرز علامات المتمرجعين أيضاً:
التهجّم المستمر على المراجع العدول ومحاولة إسقاط هيبتهم أمام الناس.
الاعتماد على الخطاب العاطفي والصدامي بدلاً من البحث العلمي الرصين.
استغلال الأزمات الاجتماعية والسياسية لبناء جمهور سريع.
الإكثار من نظريات المؤامرة وادعاء امتلاك “الحقيقة المخفية”.
تضخيم الذات وربط الدين بشخصه بصورة مبالغ فيها.
تقديم نفسه بديلاً عن جميع المراجع والمؤسسات العلمية القائمة.
وفي هذا السياق، يبرز نموذج محمود الصرخي بوصفه أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في هذا الباب، بسبب تهجمه المتكرر على المراجع العدول، ومحاولاته الدائمة إلصاق نفسه بعنوان المرجعية رغم عدم اعتراف الوسط الحوزوي الواسع به كمرجع جامع للشرائط.
فالصرخي اعتمد لسنوات طويلة خطاباً يقوم على التشكيك بالمرجعيات الدينية الكبرى والطعن بمواقفها ورموزها، محاولاً استقطاب البسطاء والغاضبين عبر لغة حادة وتصريحات مثيرة للجدل، في وقتٍ بقيت فيه المرجعيات الرصينة بعيدة عن المهاترات الإعلامية، محافظةً على تقاليد البحث العلمي والهدوء الأخلاقي.
إن خطورة المتمرجعين لا تكمن فقط في ادعاءاتهم، بل في قدرتهم على تشويش وعي الناس، خصوصاً الشباب الذين لا يمتلكون معرفة دقيقة ببنية الحوزة العلمية وآليات تشخيص المرجع الجامع للشرائط. فحين تختلط الألقاب بالحقائق، يصبح الباب مفتوحاً أمام الاستغلال الفكري والديني.
ومن هنا تأتي مسؤولية المثقفين والكتّاب وطلبة العلوم الدينية والإعلاميين الواعين، في كشف زيف المتمرجعين، ليس عبر الشتائم أو التحريض، بل عبر التوعية العلمية الرصينة، وشرح معنى المرجعية الحقيقية، وآليات تشخيص الأعلم، ودور أهل الخبرة، والتفريق بين الفقيه الحقيقي وصاحب المشروع الشخصي.
كما أن من واجب النخب الثقافية أن تحذر من تحويل الخلافات الفكرية إلى حالة فوضى تضرب ثقة الناس بالمؤسسة الدينية كلها، لأن بعض المتمرجعين لا يكتفون بإبراز أنفسهم، بل يعملون على إسقاط صورة المرجعية برمتها ليظهروا كـ”المنقذ الوحيد”.
لقد حافظت المرجعية الدينية عبر التاريخ على وجود المجتمع الشيعي وهويته، وقدّمت التضحيات الكبرى في مواجهة الاستبداد والانحراف والاحتلال، ولم تصل إلى مكانتها عبر الشعارات، بل عبر العلم والصبر وخدمة الناس.
ولهذا يبقى الوعي هو السلاح الأهم في مواجهة ظاهرة التمرجع الزائف، لأن الأمة الواعية لا تنخدع بسهولة بمن يرفع العنوان دون أن يحمل حقيقته.


التعليقات
لا توجد تعليقات على هذا المقال بعد. كن أول من يعلق!